سفر المصريين للخارج في عهدة "ضابط اتصال"

منشور الأربعاء 16 ديسمبر 2015

 

قرر كمال صبري أن يقضي إجازته السنوية في الأردن، وخطط الشاب المصري، الذي يبلغ من العمر 25 عاما، ويعمل منذ عامين في إحدى الدول العربية، لزيارة بعض أصدقائه والاستمتاع بوقته هناك. في أغسطس/آب الماضي توجه كمال إلى مطار القاهرة، معتقدا أن مغادرة البلاد لا تتطلب أكثر من الإجراءات التقليدية التي تتمثل في جواز سفر سار، وإعفاء من الجيش، وتذكرة طيران وحجز بفندق. إلا أن "ضابط الاتصال" بالمطار منعه من السفر لعدم حصوله على "موافقة أمنية". منع كمال من السفر ليس مجرد حادثة فردية، فقد تكرر الأمر مع مواطنين آخرين منذ شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.

أصبحت منطقة فحص جوازات السفر بالمطارات المصرية مكانا يحبس أنفاس المواطنين، الذين ينتظرون الحصول على ختم الخروج من البلاد، أو الإحالة إلى غرفة جانبية، لمقابلة "ضابط الاتصال"، وهو مسؤول مصلحة الجوازات والهجرة التابعة لوزارة الداخلية المصرية في المطار، المخول بالسماح لهم أو منعهم من السفر.

لا توجد قواعد محددة تمنع مسافرا من استكمال رحلته، فكمال الذي يثبت جواز سفره مهنته وإعفاءه من التجنيد، لم ينجح في إقناع "ضابط الاتصال" بالسفر إلى الأردن، التي لا تطلب من الأساس تأشيرة للسفر إليها، كمال الذي فقد فرصته في قضاء الإجازة التي يريدها غادر مصر في النهاية متوجها إلى الدولة العربية التي يعمل بها. في المقابل لم يواجه أشرف سعيد (35 عاما) هذا التعنت رغم أنه كان متوجها إلى الأردن أيضا، عبر أشرف من مطار القاهرة بدون أن يسأله أحد عن التصريح الأمني، رغم أن جواز سفره يثبت مؤهله العالي فقط دون وظيفته. 

اقرأ أيضًا: قدامك سكة سفر "مسدودة".. طوابير اليأس المصرية أمام السفارات الأجنبية

المسافرون ملتزمون بالتصريح

في ديسمبر 2014، تداولت وسائل الإعلام المصرية، خبر إلزام المسافرين من الذكور - ولاحقًا الإناث- باستصدار تصريح أمني عند رغبتهم السفر إلى 6 دول بعينها، على رأسها تركيا، إلى جانب قطر والعراق وسوريا ولبنان وليبيا. بدا هذا مربكا لعدم وجود بيان رسمي من وزارة الداخلية يؤكد ذلك. 

وقالت مصادر أمنية وقتها إن التصدي لانضمام مصريين إلي التنظيمات الإسلامية المسلحة بالخارج هو السبب وراء هذا الإجراء. وبحلول أغسطس 2015، أصبحت القائمة تضم 16 دولة. وشمل القرار الجنسين: الذكور والإناث ممن تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 45.

استمرت حالة التضارب في المعلومات التي صاحبت القرار الأول حول عدد الدول التي تحتاج إلى تصريح أمني، وطبيعة الفئات التى يطبق عليها القرار؛ هل هم أصحاب المؤهلات العليا أم المتوسطة، فضلا عن الشريحة العمرية مع صدور القرار الثاني، الذي شمل الإناث والذكور، إلى جانب كيفية الحصول على هذا التصريح والوقت الذي يحتاجه المواطن لاستخراجه. 


https://www.facebook.com/HmltTmrdLshbAlthqtMnAlnadyAlamBwzartAldakhlyt/posts/399853966806495

                              أحد المواطنين يشكو من منعه من السفر لتركيا، وتغريمه ثمن حجز الفندق والطيران


هناك معلومات متداولة حول اقتصار تطبيق القرار على من لا تثبت جوازات سفرهم عملًا واضحًا، وفي الوقت نفسه لا تذكر مواقع السفارات شيئا حول التصريح الأمني. 

حالة الارتباك في المعلومات المنشورة حول قرار "استخراج التصريح الأمني"، دفعت أشرف سعيد إلي التأكد بنفسه من "مجمع التحرير" قبل السفر إلى ثلاث دول من الموجودة على القائمة. وبحسب الموظف المختص لم يكن في حاجة إلى استخراج تصريح أمنى لزيارة تايلاند وجنوب أفريقيا، وأخيرا الأردن. 

تطبيق عشوائي

بالانتقال إلى الموقع الإلكتروني الرسمي لمصلحة الجوازات والهجرة والجنسية التابع لوزارة الداخلية، لا نجد أي ذكر لهذا التصريح الأمني ضمن الوثائق المطلوبة لسفر المصريين إلى الخارج. في حين تطلب بعض سفارات الدول الأجنبية، وثيقة تصدرها المصلحة، وهي شهادة التحركات.


 

موقع مصلحة الجوازات والهجرة التابع لوزارة الداخلية

ولكن القرار الذي لم يذكر على موقع الوزارة على مدار عام من تداوله بوسائل الإعلام المصرية، لن تخطئه عينك عند مرورك بجوار الغرفة (15) في الطابق العلوي بمجمع المصالح الحكومية الذي يعرفه المصريون بـ"مجمع التحرير"بوسط القاهرة. على الحائط معلق إعلان بالدول التي يجب علي المصريين والمصريات الحصول على تصريح أمني قبل التوجه إليها.

 

قائمة بالدول التي يتطلب السفر إليها تصريح أمني.

أصبح التطبيق الفعلى للإجراءات الجديدة ورقة في يد السلطات المصرية لمنع سفر  عاملين بمنظمات غير حكومية، وصحفيين وأكاديميين، بحسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية. لكن  التقرير لم يتطرق إلي شرائح المواطنين والمواطنات الذين لا ينتمون إلي هذه الفئات.

فالمنع من السفر لا يقتصر على المسافرين الذكور فقط، إنما هناك نصيب للإناث. رجعت ميادة عادل (25 سنة) من المطار أثناء توجهها إلى الأردن الصيف الماضي، ولم تقم برحلتها لعدم حصولها على تصريح أمني. وثلاثة من زبائن سارة خليل، الموظفة بإحدي شركات السياحة، مُنعوا من السفر ما بين سبتمبر/أيلول الماضي وديسمبر الجاري بسبب التصاريح الأمنية؛ فتاتان منعتا من السفر إلى تركيا، وشاب من السفر إلى كمبوديا. 

وذكرت سارة أن القرار "مُربِك"، معربة عن شكواها من غياب جهة رسمية تخاطب شركات السياحة بشأن الدول التي يتطلب السفر إليها تصريح أمني.

وقالت للمنصة: "مفيش جهة محترمة بتخاطبنا بشكل رسمي في الحاجات دي، أنا بعرف الدول لما حد بيرجع من المطار أو من اليوم السابع".

 

مسألة حظ

التطبيق العشوائى للقرار يجعل حظ البعض أوفر من الآخرين في الحصول على ختم الخروج من مطار القاهرة. فسلمى علي (28 سنة) سافرت إلى لبنان دون تصريح أمني وتأشيرة دخول في سبتمبر الماضي. قبلها بشهور قليلة سافرت صديقاتها دون أن يسألهن أحد في مطار القاهرة عن التصريح الأمني.

أما شيماء محمود (38 سنة) فقد تأكد موظف شركة الطيران في المطار من حيازتها مبلغ 2000 دولار أُثناء توجهها إلى لبنان في أغسطس الماضي، وهو المبلغ اللازم توفره مع أي مواطن مصري للحصول على تأشيرة دخول لبنان، بدون أن يسألها الموظف عن التصريح الأمني. 

ولكن قواعد السفر تتغير مع البلد الواحد. تقول فاطمة طارق (35 سنة)، إن ضابط الاتصال حقق معها لمدة قصيرة بشأن تفاصيل زيارتها وسببها في أبريل/نيسان الماضي. ولأن جواز سفرها لا يحمل وظيفة، أبدى استغرابه عندما قالت له إنها لا تعمل ومتوجهة للتسوق. ولكن لم يتكرر نفس التحقيق معها أثناء زيارتها الثانية لبيروت فى أغسطس الماضي، أو للأردن في سبتمبر.

وعلى نفس الرحلة الجوية، قد يسافر البعض بتصريح وآخرين بدون تصريح، فحسب فاطمة فإن زملاءها الذكور اضطروا إلى استصدار التصريح الأمني قبل سفرهم.

حرية التنقل والسفر والهجرة مكفولة في الدستور المصري، وفقا للمادة 62، بالإضافة إلى ذلك يشترط على السلطات المصرية استصدار أمر قضائي مسبب ولمدة محددة، لمنع أحد المواطنين من السفر. ولكن الأمر يختلف على أرض الواقع، وأرض المطار، فليس الكل سواء أمام "ضابط الاتصال".

*تم تغيير أسماء المصادر حفاظا على خصوصيتهم.