لماذا لم يحقق Blade Runner 2049 النجاح المتوقع؟

الفيلم الجديد في أقل توصيف له هو ثروة بصرية. الفيلم غني بالألوان لدرجة لا تصدق، وكذلك بمشاهد للأرض في المستقبل، ويناقش القضايا على مستوى أعمق.

لم يجب الفيلم الجديد "Blade Runner 2049" عن السؤال الذى حيّر كل محبي عالم "Blade Runner" بكل نسخه، وهو هل ريك ديكارد ريبلكانت Replicant؟

في الجزء الأول من الفيلم، الذي أنتج عام 1982، يقوم الممثل هاريسون فورد بدور رجل شرطة وعضو سابق في فريق "بليد رانرز" Blade Runners، متخصص في إحالة الريبلكانت للتقاعد، وهو يُكَلَّف بتعقب وقتل كائنات ريبلكانت فروا من مستعمرة فضائية إلى الأرض.

Blade Runner النسخة النهائية

في الفيلم الأول، تصنع مؤسسة تايرل الريبلكانت، وهم روبوتات مصنوعة من مواد عضوية تمامًا كالبشر، بإمكانيات معززة للعمل الشاق في الفضاء، صممتهم بالكامل مثل البشر باستثناء العواطف. ومع ذلك، من المتوقع أن كائنات الريبلكانت تتطور وتكتسب ردود أفعال عاطفية كالبشر، كالحب والغضب والحسد. وللتغلب على تلك المشكلة، حدد المصنعون عمر جيل Nexus 6 من كائنات الريبلكانت بأربع سنوات فقط. لكن د. إيلدون تايرل مالك الشركة يريد صناعة ريبلكانت بأعمار أطول لذا يصنع جيلًا جديدًا Nexus 7، يزرع في ذكائهم الصناعي ذكريات وأحلامًا لتكون خلفية لمشاعرهم فيستطيع التحكم بهم.

يقول د. تايريل لديكارد أن هدفه هو جعلهم أكثر إنسانية من الانسان: More Human Than Human is our Motto. ولكن عدد من الريبلكانت من الجيل الأقدم Nexus 6، يسعون لمقابلة صانعهم د. تايرل ليبحث لهم عن حل في تحديد أعمارهم بأربع سنوات فقط ويرغبون في أن يعيشوا فترات أطول. وهكذا تبدأ مهمة ريك ديكارد البوليسية من أجل إحالتهم للتقاعد أو بمعنى آخر قتلهم.

فكرة زراعة ذكريات داخل عقول الروبوتات لجعلهم أكثر إنسانية. كانت فكرة ثورية في هذا الوقت، سنة إنتاج الفيلم 1982، الذي اعتمد على رواية "هل الروبوتات تحلم بالخراف الإلكترونية" التي صدرت عام 1968.

هناك حوالى سبع نسخ من فيلم بليد رانرر المنتج عام 1982 والذي تجري أحداثه عام 2019، لكن نسخة الفيلم عام 1992 المسماة Director's Cut (نسخة المخرج) تختلف كثيرًا عن النسخة الأصلية، ليس فقط في التحديثات على الصورة والصوت ولكن أيضًا في البناء والقصة، تلك النسخة ظهرت على شرائط الفيديو عام 1993 وعلى أقراص دي في دي عام 1997 ولكن هذا لم يرض طموح المخرج ريدلي سكوت، وأصدر في 2007 نسخة أخرى باسم Final Cut (النسخة النهائية)، وبمناسبة مرور 25 سنة على إنتاج الفيلم أصدر ريدلي سكوت "دي في دي" يحتوي على خمس نسخ من الفيلم.

سنعتمد في حديثنا عن الفيلم الأول على نسختين فقط وهما نسخة العرض السينمائي Theatrical release - 1982 والنسخة النهائية - 2007، التي حذف فيها المخرج السرد الصوتي للبطل ريك ديكارد، والذي يحكي فيه عن تاريخه وزواجه وسبب تخليه عن مهنة تعقب كائنات الريبلكانت وإحالتهم للتقاعد، وأيضًا سبب قبوله المهمة جديدة، وهي تعقب الريبلكانت الفارين حديثًا لأنه يريد المال لشراء خروف حقيقي، ففي العالم الجديد ستختفي الحياة البيئية تمامًا، وسيصبح اقتناء حيوان حقيقي بمثابة ثروة، خصوصًا أن زوجته كانت تقتنى خروفًا إلكترونيًا (بحسب الرواية الأصلية).

هذا الخط حُذف تماما في النسخة النهائية وأضاف سكوت حلمًا لديكارد عن حصان وحيد القرن "يونى كورن" يتجول في غابة أسطورية، ليعزز مشهد النهاية في النسخة الأصلية وفيه يرى هاريسون فورد "أوريجامي" لوحيد قرن، من صنع شخصية غامضة نوعًا ما، وهي الضابط جاف ما قد يعني أن حلم وحيد القرن هو ذكرى مزروعة في عقل ديكارد.

الضابط جاف

لكن مشاهدي نسخة 1982 سيرون اليوني كورن رمزًا لعلاقته براتشيل، وهو ما يجعل حقيقة ضابط الشرطة وماهيته أكثر غموضًا؛ على هو ريبلكانت من جيل أحدث أم بشري؟

وفى المشهد المشهور باسم Tears in rain monologue "مونولوج دموع تحت المطر" حين يموت آخر ريبلكانت روي باتي، وهو يلقى بخطبة النهاية للضابط ريك ديكارد، ويقول له: "رأيت أشياء لن يصدقها الناس". I've seen things you people wouldn't believe. روى يوجه كلامه إلى ديكارد على أنه بشري، وديكارد يشعر عندها بأن كائنات الريبلكانت تسعى لتكون أكثر إنسانية وأكثر بشرية، وهو أحد الخطوط التي يلعب عليها الجزء الثاني من بليد رانر.

يزعم ريدلي سكوت أنه لم تكن لديه سيطرة كاملة على نسخة العرض السينمائي (1982)، لدرجة أن الاستوديو أضاف نهاية سعيدة للمشاهدين، وهي أن ديكارد يهرب مع راتشيل، وهى ريبلكانت من جيل أحدث يقابلها عند د. تايريل، ويقوم باستجوابها باختبار يسمى Voight-Kampff خاص بالتفريق بين الريبلكانت والبشر. في هذا الاختبار يكتشف ديكارد أن راتشيل لا تعرف أنها ريبلكانت بسبب ذكريات مزروعة فيها، وهي النهاية التي حذفها سكوت أيضًا في النسخ النهائية للفيلم مما يجعل مصير ديكارد وراتشيل غامضًا.

الرواية تفترض ان ديكارد بشرى ونسخة (1982) تفترض أنه بشري، أما النسخ الأخيرة التي عمل عليها ريدلي سكوت، والتي حُذِف منها السرد الصوتي لهاريسون فورد، تفترض العكس، ما يعني أن السؤال حول ديكارد من اختراع سكوت، ويحافظ الفيلم الجديد على هذا الغموض.

اهتمامي بالفروق بين نسخ الفيلم لا يرجع فقط لهوسي بعالم "بليد رانر"، أو اهتمامي بالفيلم الجديد، وإنما التفكير في كيف حوّل ريدلي سكوت مادة فيلمية بحجم 116 دقيقة إلى فيلم وقصة أخرى؟ إنها كمثل إصدار رواية وإعادة نشرها بعد سنوات بنفس العنوان وعدد الصفحات لكن بقصة أخرى.

من المفترض أن أحداث الجزء الثاني من "بليد رانر" تقع بعد ثلاثين عامًا من أحداث الجزء الأول، فتجري عام 2049، ولكن ماذا حدث خلال الثلاثين عامًا؟

Blade Runner 2049

طلب المخرج الكندي دينيس فيلينوف من ثلاثة مخرجين أصدقاء ان يصنعوا أفلامًا قصيرة عن ثلاث قصص تكشف ما حدث في تلك الفترة على مستوى عالم "بليد رانرر"، وأطلق الأفلام القصيرة على الإنترنت كجزء من خطة الدعاية للفيلم. منهم فيلم أنيميشن بعنوان الانهيار الأسود 2022، وفيه تحدث كارثة تتسبب في إغراق العالم في ظلام وضياع كل البيانات والسجلات والوثائق الرقمية ومنها بالطبع سجلات الريبلكانت، بعدما استغل البشر تلك السجلات لتعقب الريبلكانت وقتلهم، وأصبحت الوسيلة الوحيدة للتعرف على الريبلكانت هي أرقام مشفرة في مقلة العين اليسرى.

على الرغم من أن المخرج الكندي، فيلينوف، يجيب على السؤال الأشهر المتعلق بأي نسخة من الفيلم ينصح بمشاهدتها، بالإجابة بأنها نسخة 2007، إلا أنه يلعب على نهايتي 1982 و2007؛ إذ يتزوج ديكارد راتشيل وينجب منها، مما يلغي الحد الفاصل بين الريبلكانت والبشر، وينذر بقيام ثورة.

الفيلم الجديد في أقل توصيف له هو ثروة بصرية. الفيلم غني بالألوان لدرجة لا تصدق، وكذلك بمشاهد للأرض في المستقبل، ويناقش القضايا على مستوى أعمق، وعلى غير المتوقع، كان ظهور هاريسون فورد غير شرفي، وجزءًا من بناء الفيلم.

على الرغم من كل ذلك، لم يحقق الفيلم الجديد النجاح المتوقع له في شباك التذاكر، أو حتى بين النقاد، وهناك بعض التأكيدات أن الجزء الأول إنتاج عام 1982 لم يحقق نجاح في شباك التذاكر وقتها. هناك عدة عوامل كثيرة لعدم تحقيق النجاح المتوقع منها طول الفيلم، فيبلغ Blade Runner 2049 حوالى 154 دقيقة، بالإضافة إلى أن المشاهد عليه أن يؤدي الكثير من الواجبات قبل دخول الفيلم، منها اختيار نسخة من الجزء الأول ليشاهدها قبل مشاهدة الفيلم الجديد، إلى جانب الأفلام الثلاثة القصيرة.

ما زالت بصمات دينيس فيلينوف واضحة، ولكن السيناريو وكافة تجهيزات الفيلم كانت معدة سلفًا، وتولى دينيس مهمة الإخراج لأن ريدلي سكوت مشغول في مشروعات أخرى.

قصة الجزء الثاني تحمل بذرة جزء ثالث من "بليد رانر"، وفيها تقوم كائنات الريبلكانت بثورة على البشر. ويسخر البعض ويقول إن علينا أن ننتظر 35 عامًا أخرى لاستكمال السلسة.