في السينما أيضًا.. مصر ليست تونس

الانتهاك الأكبر الذي تقوم به الأجهزة الأمنية في حق الفن والفنانين، هو احتجاز وحبس وسجن المبدعين لمجرد التعبير عن أفكار مختلفة عن ما يروج له النظام.

في الدورة الأخيرة لبانوراما الفيلم الأوروبي، كان قد أُعلن عن عرض فيلم "حادثة النيل هيلتون"، للمخرج السويدي المصري طارق صالح، ثم أعلن منظمو البانورما إلغاء عرض الفيلم لأسباب خارجة عن إرادتهم، على حد قولهم. يمكن استشفاف هذه الأسباب بعد مشاهدة الفيلم، والذي أصبح متاحًا على يوتيوب. الفيلم يتطرق إلى فساد الشرطة المصرية، وتورطها في عمليات نصب واغتيال، وسوء معاملة اللاجئين بمصر، من خلال قصة قتل، تدور قبل قيام ثورة يناير بأسبوعين، ويكتشف المحقق تورط أسماء مقربة من رئيس الجمهورية بالجريمة. الفيلم تم تصويره بالكامل خارج مصر؛ تحديدًا في الدار البيضاء بالمغرب، حيث لم يحصل على تصريح بالتصوير داخل مصر.

إذا نقلنا الدفة إلى تونس، سنعرف كيف تختلف ثورة مصر عن تونس حين نأتي إلى السينما. في فيلمها الأخير "على كف عفريت"، أو "الجميلة والكلاب"، والذي عُرض في تونس مؤخرًا، ويعرض حاليًا في السجون التونسية، تقدم المخرجة كوثر بن هنية فيلمًا في هجاء رجال الشرطة، من خلال جريمة اغتصاب جماعي تتعرض لها مريم، التي قامت بدورها التونسية مريم الفرجاني، على يد رجال الشرطة.

فيلم "على كف عفريت"، الذي عُرض في مهرجان "كان"، في قسم "نظرة خاصة"، وتدور أحداثه في ليلة واحدة، انقسم لتسعة أجزاء، كل جزء عبارة عن one shoot تتَبع ما جرى بعد حادث اغتصاب مريم من الليل وحتى طلوع الصباح. الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية حدثت لفتاة تونسية، اضطرت في عام 2012 للهجرة بعد ذيوع قصتها في كل أنحاء تونس.

الفيلم يدور بعد الثورة، تحاول مريم بمساعدة صديق اللجوء للطب الشرعي، لإثبات واقعة الاغتصاب، لتقديم بلاغ للشرطة، ضد الشرطة نفسها، لكن الطب الشرعي يبدأ عمله بناء على طلب الشرطة، والتي لن تساعد مريم بالضرورة، كما أنها لا تستطيع اللجوء لعيادة خاصة، لأن الشرطة لا تعتد سوى بتقارير المستشفيات الحكومية.

مصر ليست تونس

بالنظر إلى سينما ما بعد ثورة الياسمين، وما آلت إليه الثورة سينمائيًا، بعد سبع سنوات من قيامها، سنجد أن السينما أصبحت تغزو السجون، وتطرقت أفلام ما بعد الثورة إلى مناطق ماكانت ستخطوها لولا قيامها.

تقول المخرجة كوثر بن هنية عن فيلمها الوثائقي "شلاط تونس" أنه لم يكن ليتسنى لها عمل الفيلم سوى بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي، حيث سنحت لها الفرصة لتطلع على ملفات الشرطة، لتعرف عن قضية "شلاط تونس"، وهي قصة حقيقية أيضًا، عن شاب يؤذي النساء "المتبرجات" بآلة حادة.

ثمة أيضًا أفلام مثل "على حلة عيني" للمخرجة ليلى بوزيد، تدور أحداث الفيلم قبل الثورة، حيث تُختطف فتاة تعمل بالغناء بمقهى ليلي، بسبب أغنية سياسية، ويتم التحرش بها من قبل الشرطة.

فيلم طويل عن الحزن

بالعودة إلى مصر؛ سنجد أن بعد ثورة يناير المصرية انتشرت أخبار عن فيلم باسم "18 يوم"، تم تنفيذه عام 2011، وهو عبارة عن 10 أفلام قصيرة منفصلة، لـ 10 قصص موضوعها ثورة يناير، والسيناريو للمخرج أحمد عبد الله، ظل الفيلم ممنوعًا من العرض، لمدة ست سنوات، حتى نُشر مؤخرًا على اليوتيوب.

أحد الأفلام التي صورت حياة المصريين خلال فترة الثورة، وما بعدها في فترة تولي الإخوان الحكم حتى فض اعتصام رابعة العدوية، ونال نصيبًا من المنع هو "الميدان". رُشح الفيلم للأوسكار عام 2014، تم القبض على مخرجته المصرية الأمريكية جيهان نجيم أثناء تصوير الفيلم، ثم مُنع الفيلم من العرض تجاريًا في النهاية.

يعايش الفيلم عدة شخصيات على مدى ثلاث سنوات، منذ اندلاع الثورة، أحمد حسن، شاب يسعى للتغير، وخالد عبد الله ممثل مصري بريطاني، ومجدي عاشور أحد أفراد جماعة الإخوان المسلمين، ويتعرض لخيانة الجيش للثورة، وتحالف الجيش والإخوان من وجهة نظر الشخصيات.

آخر الأفلام التي لفظتها مصر ما بعد الثورة هو فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد، الفيلم وثائقي في قالب روائي، بطولة خالد عبد الله، وحنان سليمان. الفيلم الذي نُفِذ بإنتاج جماعي، بدأ تنفيذه في 2006 باسم مبدئي "فيلم طويل عن الحزن"، يدور حول مخرج يحاول صناعة فيلم عن مدينة القاهرة التي يحبها، يتعرض الفيلم لحادث حريق مسرح بني سويف، ومظاهرات حركة كفاية، واعتداءات الشرطة، كخلفية للحياة في ضوضاء القاهرة التي تعيش مراحلها الأخيرة.

جاب الفيلم عددًا كبيرًا من المهرجانات الدولية، ونال عدة جوائز عالمية، ووصفته الجارديان بأنه رسالة حب للقاهرة لن يراها سكانها.

في دراسة نشرتها مؤسسة "حرية الرأي والتعبير" بعنوان "لماذا لن تستطيع أن تبدع في مصر" يقول الباحث حسام فازولا:

"الانتهاك الأكبر الذي تقوم به الأجهزة الأمنية في حق الفن والفنانين، هو احتجاز وحبس وسجن المبدعين لمجرد التعبير عن أفكار مختلفة عن ما يروج له النظام، وتزداد الأمور خطورة إذا كانت هذه الأفكار تتناول نقد وسخرية لأفراد أكبر في النفوذ والسلطة أو سياسات تتبعها الدولة أو أجهزة الدولة، وتتعقد الأمور أكثر وأكثر إذا ارتبط ذلك الفن بالشارع، خاصة إذا تم نشره من خلال الإنترنت، فهو يتضمن رسالة معنوية (بالحرية) ستصل إلى الجمهور بالسرعة التي تصل بها السخرية والدعابة وهو ما يفضله الجمهور، وهو ما يجب التعامل معه وجعله نموذجًا يجب ألا يحتذى بها".