ميمي الشربيني.. شاعر لم يضل طريقه

كل الطرق تؤدي إلى أن ما أنتجه ميمي هو فن، فن جميل صادق، لا يحتاج مقومات أخرى. حتى وإن لم تعترف بهذا المجلدات والكتالوجات. يكفي أن وعته القلوب، ونطقت به الألسنة.

تنوعت تعريفات الشعر منذ القدم، وتطورت مع تطور الحياة عمومًا، وليست الحياة الأدبية فقط، بدءًا من كونه الكلام الموزون المقفى، أو الموزون المقفى الذي له معنى، أو المقفى فقط، أو أنه الكلام الكثيف الأكفأ، حتى أن عباس العقاد اكتفى بكون الشعر هو "كل تعبير جميل عن الشعور الصادق".

بدأت الحكاية قبل كأس العالم 1986 في المكسيك، حين كان من المقرر أن يذهب علي زيوار للتعليق ثم اعتذر قبل السفر بيومين فقط، ليخلق المأزق ويفتح طاقة النور، تضطر رئيس الشبكة الرئيسية للإذاعة وقتها، سامية صادق، أن تسند المهمة للمعلق الجديد، ميمي الشربيني. تتصل به وتستفسر منه عن إمكانية قبوله للسفر بعد يومين، ليرد عليها بلا تردد: "الشنطة ع السلم أساسًا". يذهب ميمي الشربيني، وتشاء الأقدار من هذه الصدفة أن يعلق على أفضل هدف في تاريخ كأس العالم؛ هدف مارادونا في إنجلترا، فيرسخ صوته في أذهان الملايين: "دييجو أرماندو مارادونا.. هدف تاريخي".


من المدهش لي أنه فور ذهابه للمكسيك حينها، ما لبث أن تسلم قوائم أسماء اللاعبين، حتى انطلق نحو مكاتب الدول المشاركة، يجلس مع ممثلي الدول، لا لشيء سوى ليكتب بالعربية أسماء اللاعبين، كما ينطقونها هم بالضبط.

كنت أظن ميمي ارتجاليًا رفيع المستوى، شأنه شأن المعلقين أصحاب "النكتة"، الذين لا يولون اعتبارًا لاجتهادات التحضير المملة، فيكفيهم استراق العبارة من لحظة الحدث لتتضافر أصواتهم مع آهات الجمهور. لكني اكتشفت أن ميمي كان من ملوك التحضير، وكان يمتلك أرشيفًا لا يضاهيه آخر، وعلى دراية بمعلومات في شتى المجالات، قادر على تمريرها في الوقت المناسب، إضافة إلى العديد من الكراسات المكتوبة بخط يده، كان يستعين بها وقت الحاجة.

حسنًا، على كل حال، هذا الاجتهاد الثقافي قبل خلق الإبداع من سمات الشعراء أيضًا.

يميل الكثيرون – ولست منهم- لربط قيمة المعلق بمقدار تفاعله مع المباراة واستمداده لعباراته منها وحسب. وهذا على عكس من نجحوا في هذا المجال. النجاح الذي يثبت في عقول الناس. من نجحوا، هم من نجحوا في فصل أنفسهم عن المباراة؛ في جعل المباراة عرضًا له خصوصيته، وتعليقهم عرضًا آخر، له خصوصيته أيضًا.

من هنا كان ميمي الشربيني، عرضًا خاصًا جدًا، إلى جانب المباراة، هناك "ميمي الشربيني"؛ بعرض أشبه بالمسرحية التي لها بداية "أحبائي الكرام عشاق الساحرة المستديرة، نلتقي اليوم مع أحد المطبات الكروية الصعبة"، ثم يقدم شخصيات العرض: من مدرب "صاحب كرافتات شيك، فماذا يخبئ في أجندته اليوم"، مرورًا بحارس "يرتدي قفاز الإجادة"، وصولًا لمهاجم "له سحره وبريقه داخل مربع العمليات"، ثم تتوالى أحداث العرض بـ "هجمات ينبعث منها عطر الإجادة والخطورة"، ومجهودات وفيرة من لاعبين "أصحاب ثلاث رئات"، وانطلاقات سهمية من هذا الذي "يحمل أختام الجبهة اليسرى"، ثم تتعقد الأحداث، بعد فشل "التسديدات العابرة للقارات"، والتسديدات الموجهة إلى "زاوية متقفلة بالشمع الأحمر"، والتي "تتزحزح العارضة سنتيمترات"، تتصاعد العقدة في هذا العرض "البعيد عن الوجبات المعلبة"، حتى تأتي الانفراجة والحل بكرة "داخلة تزغرد في الشبكة".


صراحةً اجتهدت، كما ترون، في محاولات تضفير جمل ميمي الشربيني، والعمل على ذكرها في السياق، حتى لا أكون اكتفيت بالسرد فقط، لكن هناك تعبيره الأجمل، الذي من المجحف أن أحاول (تقييفه) على جملة من تركيبي، فاقرأه كما هو: "عنقود مهارات حوالين رجليك!"

صدقني، لا أهدف لتضخيم أمر عادي لا يستحق. كل ما في الأمر أني أحاول أن أمسك بيديك، وآخذك نحو مساحة شاسعة من تحرير الألفاظ، فأحرر هنا لفظ (الشعر) هذا، لنراه على حقيقته متجسدًا في أشكال أخرى؛ نراه حيًا في أشخاص عاشوا وسيعيشون شعراء، وماتوا وسيموتون شعراء، مع أنهم لم يكتبوا شعرًا قط.

كل الطرق تؤدي إلى أن ما أنتجه ميمي هو فن، فن جميل صادق، لا يحتاج مقومات أخرى. حتى وإن لم تعترف بهذا المجلدات والكتالوجات. يكفي أن وعته القلوب، ونطقت به الألسنة.

كان ميمي الشربيني "قماشة تانية" في التعليق.