"ثلاث لافتات خارج إيبنج ميسوري".. سباق الحياة لخيول عاجزة

يضعك مارتن ماكدونا في سباق مع الحياة ليجعلك تكتشف كل مراحل السباق وما فيها من قسوة وأمل وفرح ورعب، ويجعلك ترى الأمور على حقيقتها، ويتركك بمفردك تتفاعل مع كل شيء حتى ترى ماهية الحياة.

يأتي الإنسان إلى الحياة بدون أي شيء، بلا اهتمامات، لا يعرف الحب، لا يعرف الخوف، يأتي من رحم أمه ليكتشف الحياة رويدًا رويدًا، يتعلم الأشياء الجديدة، يتفاعل مع الآخرين، يعرف الفرق بين الخطأ والصواب، لا عن طريق ولكنه يكتشف ذلك بنفسه، عندما يكبر ويصبح قادرًا على الاعتناء بنفسه.

يتعلم واقعية الحياة، يعرف أن الدنيا ليست كأفلام الكارتون ولا كحكايات أمه، يكتشف أن الإنسان الكامل لا وجود له، مثلما لا يوجد شخص شرير وآخر طيب، لا شيء لا يتغير على مدى الأيام، يتعلم، تدريجيًا، أن كل إنسان بداخله خير وبداخله شر، بداخله غضب وحزن وخوف ربما من اللا شيء، يتعلم أن الحياة غير عادلة وأننا كلنا في سباقها خيول تتغير طوال السباق حتى نهايته.

مارتن ماكدونا يعي ذلك جيدًا، لهذا؛ أخذنا في رحلة خاصة جدًا في فيلمه الأخير "Three Billboards Outside Ebbing, Missouri" (ثلاث لافتات خارج إيبنج، ميسوري)، أمام مرآة الحياة نتفاعل مع الشخصيات كما تتفاعل هي مع الأحداث، نرى الخير الكامن والشر المستتر والحزن الدفين، لا يوجد ضحايا ولا يوجد جُناة، كلنا مخطئون بنفس القدر.

أمام تلك المرآة وجدت نفسك تشاهد فتاة تتعرض للاغتصاب ثم القتل، ولا نعرف من هو الجاني، فتخطر ببال أم الفتاة فكرة عند مشاهدتها ثلاث لوحات إعلانية فارغة، فتقرر استئجارهم ووضع إعلانات تسأل فيها الشرطة عن السبب وراء عدم كشفهم قاتل ابنتها.

تصبح الأم محط اهتمام الجميع في البلدة، الناس والإعلام والشرطة التي يشعر رئيسها بالإهانة. حتى الآن أنت بالتأكيد تتعاطف مع الأم وتجد أنها محقة، ولكن عندما تعرف أن رئيس الشرطة ويلبي المصاب بسرطان البنكرياس في مراحله الأخيرة، ستميل ربما إلى ما يعتقده العامة، لا يجب أن يتعرض ويلبي للإهانة في أيامه الأخيرة.

أراد ماكدونا أن يصور لنا الحياة مجردة، لنكون أمامها من دون أي غشاء اعتادت الأفلام الهوليودية وضعه أمامنا، دون أي حكايات كارتونية خيالية تعرض الشخصيات كعناصر ثابتة أحادية. ماكدونا يحطم الإكليشيهات، أن يصل بنا إلى قناعة بأن كل واحد منا بداخله عدة أشخاص، يظهر كل منهم في وقته المناسب، حسب تفاعلات الحياة وقسوتها.

وضع ماكدونا تلك الأفكار التي تدور برأسه في نص سينمائي محكم، لا يشعرك بالملل، لا تلهث خلف إيقاعه السريع ولا يقتلك بطء أحداثه، بل إيقاعه طبيعي كحياة أبطاله الذين يصارعون حياتهم من أجل البقاء.

والحقيقة أن ذلك ما ميز سيناربو الفيلم الذي كتبه ماكدونا أيضًا، بالإضافة إلى كونه لا يضم نمطًا سينمائيًا واحدًا، فهو ليس بوليسيًا فقط وليس عاطفيًا فقط ولا نفسيًا فقط، ولكنه كل ذلك معًا.

ونال الفيلم سبع ترشيحات لجوائز الأوسكار على ست جوائز، فبالإضافة لأفضل فيلم، فإن ماكدونا نفسه مرشح للفوز بجائزة أوسكار أفضل سيناريو أصلي، وفرانسيس مكدورماند لجائزة أفضل ممثلة، وممثلين اثنين يتنافسان على أوسكار أفضل ممثل مساعد هما سام روكيل ووودي هارلسون.

كما ترشح الفيلم لجائزتي أفضل موسيقى وأفضل مونتاج.

شخصيات ماكدونا مركبة غير مستوية، تتغير حسب الموقف، كان ذلك واضحًا في كل شخصيات الفيلم، ولكن على وجه الخصوص كان الضابط ديكسون هو النموذج الأوضح على ذلك.

ديكسون شخصية محيرة لها عدة جوانب، سلوكه العنيف سيضعه في خانة الشخص السيئ، ولكن رصد علاقته بأمه ستصيب المشاهد بالارتباك، مع توالي المواقف سيصل الارتباك إلى مداه، هل نحبه أم نكرهه؟ ساعد على ذلك أداء الممثل سام روكيل الذي أدى الدور ببراعة وإتقان، ساهما في تتويجه بجائزة جولدن جلوب كأفضل ممثل مساعد.

سام لم يكن الوحيد الذى أدى دوره ببراعة، فرانسيس مكدورماند أيضًا أدت دور الأم بإتقان شديد، أجادت التحكم في تعابير وجهها وعكست بوضوح حالات الغضب والحزن والارتباك، فاستحقت عن جدارة جائزة جولدن جلوب كأفضل ممثلة، كذلك وودي هارلسون الذي لعب دور الضابط ويلبي.

يضعك مارتن ماكدونا في سباق مع الحياة ليجعلك تكتشف كل مراحل السباق وما فيها من قسوة وأمل وفرح ورعب، ويجعلك ترى الأمور على حقيقتها، ويتركك بمفردك تتفاعل مع كل شيء حتى ترى ماهية الحياة.