أبوالفتوح.. وثمن تهديد الملك

النقطة الأبرز في حديث أبو الفتوح كانت الهجوم الواضح المستمر عالي النبرة على السيسي، في ظل مجال سياسي منغلق منذ أربع سنوات أصبح فيه نقد رئيس الجمهورية أمرًا يستلزم قدرًا كبيرًا من الشجاعة ويرتّب سلسلة طويلة من العواقب ويتطلب دفع أثمان باهظة.

تمامًا مثل لعبة شطرنج، ترتيب للأوراق ثم هجوم مباغت وتهديد مُباشر للملك مع تضحية مُهمة، هكذا اختار عبد المنعم أبو الفتوح أن تكون اللعبة، ربما ظن أنه سينجح في حصار الملك ويُنهي الأمر لمصلحته، ولكن يبقى دائمًا الاحتمال الآخر قائمًا، أن تُحبَط الهجمة وتتحول التضحية المُهمة التي دُفعت ثمنًا لتهديد الملك، تضحيةً مُميتة.

اختفى عبد المنعم أبو الفتوح من الساحة السياسية في مصر لعدة شهور، لم يكن خلالها طرفًا فاعًلا او معلقًا بارزًا، لم يشتبك مع الأحداث بقوة فكاد أن يُنسى، و فجأة وبدون سابق انذار، خرج الرجل إلى النور بسلسلة حوارات تلفزيونية، فاتحًا نيرانه على الرئيس عبد الفتاح السيسي باعثًا برسائل لا يمكن إغفالها، ليصعد إلى صدارة المشهد مجددًا، عندما انتهى به المطاف إلى السجن الذي تركه منذ سنوات.


رسائل قصيرة هامة

في لقاءاته الأخيرة التي لم يفصل بينها سوى أيام قليلة، بدا الرجل محددًا، يكرر نفس النقاط واحدة تلو الأخرى بإصرار يشي بأن الحديث ليس عفويًا أو وليد اللحظة، كان واضحًا أن هناك رسالة محددة ينبغي أن تصل.

كانت الرسالة الأولى تخص الجيش، بتحييده تمامًا عن المشهد السياسي، ووصفه بأنه "مؤسسة وطنية منضبطة"، وكلما حاول المحاور أيًا كان جره لقضية تيران وصنافير واستنطاق أي إدانة منه للجيش، يرفض بشدة مؤكدًا أن الجيش مؤسسة وطنية، وأن من يتحمل المسؤولية كاملة هو السيسي بحكم منصبه السياسي، قبل أن يذهب بعيدًا ليعرب عن اعتقاده بأن الجيش لم يصدر البيان الخاص بإدانة عنان، وأن السيسي هو من فعل ذلك، بالتزامن مع تغريدة على حسابه الشخصي على تويتر يمتدح فيها "السلوك المنضبط" للجنود المصريين في سيناء.

أبو الفتوح إذن لا يريد الاصطدام بالجيش مطلقًا، بل على العكس، هو يبدو كمن يفتح الباب لهم "إن" أرادوا يومًا الجلوس والتفاوض.

الرسالة الثانية كانت تخص إشكالية علاقة ما هو ديني بما هو سياسي، ليخرج بالبلاد من حالة الاحتقان السياسي، متحدثًا عن ضرورة فصل ما هو دعوي عمّا هو سياسي، وهنا، ذكر جماعة الإخوان المسلمين معربًا عن تصوّره أن تظل حركة دعوية لا ترتبط عضويًا بالعمل الحزبي أو السياسي، وذكر أيضًا الدعوة السلفية ممثلة في حزب النور، وكنيسة الأقباط الأرثوذوكس التي تتورط في دعم وتأييد الرئيس بأشكال مختلفة.

دون أن يصرّح، طرح أبو الفتوح تصورًا لإدارة الدولة يبدو أقرب إلى العلمانية، مُطمئنًا التيار المدني دون إثارة حفيظة الإسلاميين باستخدام مفردات صادمة.

الرسالة الثالثة خص بها قيادات جماعة الإخوان المسلمين، عندما فتح الباب أمامهم كأفراد إن أرادوا العودة للحياة السياسية بهدوء.

الرسالة الرابعة ربما وُجّهت للخارج بالأساس، عندما أظهر الرجل حرصًا على رسم صورة متوازنة لا تثير مخاوف القوى الإقليمية، فتحدث عن السعودية كشقيقة وجارة، ولم يهاجم الرياض حتى في قصة تيران وصنافير، وأخيرًا هاجم الصهيونية لكنه لم يتورط في الحديث عن اسرائيل أو التطرق لإلغاء معاهدة السلام ، فقط هو ضد "الصهيونية" وضد توطين الفلسطينيين في سيناء.


كش ملك

النقطة الأبرز في حديث أبو الفتوح كانت الهجوم الواضح المستمر عالي النبرة على السيسي، في ظل مجال سياسي منغلق منذ أربع سنوات أصبح فيه نقد رئيس الجمهورية أمرًا يستلزم قدرًا كبيرًا من الشجاعة ويرتّب سلسلة طويلة من العواقب ويتطلب دفع أثمان باهظة.

اعتبر أبو الفتوح أن السيسي لا يمتلك عقلًا سياسيًا، ويحكم على طريقة "يا أحكمكم يا أقتلكم"، كان واضحًا أن المرشح السابق يضغط على السيسي حتى آخر نقطة ممكنه طوال الوقت، حتى إن كان السؤال المطروح لا علاقة له بالرئيس، كان يحيل الدفة لتطال السيسي بطريقة أو بأخرى، وكأنه يتحداه أو يستفزه او يدفعه دفعًا لاعتقاله.

ليس معروفًا عن رئيس حزب مصر القوية أنه لا يزن ما يقول، كما أن تكرار الكلام عينه بصيغ متشابهة عدة مرات في ثلاث مناسبات خلال الأسبوع نفسه، يشير إلى أن هذا الخطاب معد سلفًا بعناية، خاصة لو أضفنا إلى ذلك أننا نتحدث عن رجل سياسي بامتياز، له تاريخ طويل من الاشتباك مع العمل العام، فهو أحد باعثي جماعة الإخوان من جديد من جديد، بعد انتقاله اليها من صفوف الجماعة الإسلامية، مصطحبا معه مئات من الشباب، ونجح (مع آخرين) في إعادة بنائها تنظيميًا من جديد، وكان مسؤولًا كذلك عن ملفين هامين بالنسبة للجماعة، هما النقابات والجامعات.

نحن هنا أذن لا نتحدث رجل متهور لا يعي أنه يذهب بنفسه إلى السجن في أرذل العمر بلا مقابل، أو رجل لا يستطيع أن يدرك طبيعة اللحظة، بل عن ثعلب عجوز يراهن على أن الأوضاع يصعب أن تستمر كثيرًا هكذا، وأن انفراجة -لا يمكن الجزم بمدى اتساعها- تلوح في الأفق داخليًا وإقليميًا، يتزامن ذلك مع ساحة سياسية خاوية تماما، فالبرادعي رضى بدور الواعظ الإلكتروني، وحمدين احترق في انتخابات 2014 وما تلاها، وخالد علي لم ينجح في تجميع اليسار خلفه، وعليه؛ فهي فرصة جيدة لإعادة التموضع في صدارة تحسبًا لما هو آتٍ، فتحرك الرجل ملقيا برهانه الأخير.


تكلفة التصعيد

ضاقت الدولة ذرعًا بما قاله أبو الفتوح، فانطلقت الحناجر الموالية للنظام عبر شاشات البرامج الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي، للهجوم على الرجل واتهامه بالتشهير بالبلد، وهو ما أعقبه إلقاء القبض عليه وعلى أعضاء المكتب السياسي لحزبه كخطوة أولى، قبل أن يفرج عنهم ويظل ابو الفتوح خلف القضبان مع نائبه الذي قُبض عليه في وقت سابق.

الخطوة التالية للسيسي ستتحكم فيها عوامل عدة، فمن الممكن أن يستند النظام على التعاطف الدولي والمحلي الذي توفره له العملية الشاملة التي يشنها في سيناء، ويجد فرصته للخلاص من خصومه في القاهرة بينما يستكمل عمليته ضد أعداء الوطن في سيناء، فتطول مقصلته "مصر القوية" و"العيش والحرية" وكل من قد يسبب له صداعًا في المستقبل.

لكن على الجانب الآخر، فإن خطوة كتلك قد تكون باهظة التكاليف، إذا ما وضعنا في الحسبان الوضع الاقتصادي المأزوم، والذي لا تبدو في الأفق أي مؤشرات انفراجة قريبة، مما قد يستوجب نوعًا من التهدئة لا مزيدًا من التصعيد.

ثمة اتجاه نحو التصعيد، غير أن أسئلة الأثمان ما زالت عالقة.

المأزق الحقيقي لرئيس مصر القوية

أما بعيدًا عن النظام وخياراته وأثمانها الباهظة، يبدو المأزق الأكبر الذي سيواجهه أبو الفتوح قادمًا من قوى المعارضة الأكثر تشددًا.

فكثير من الفاعلين في التيار المدني يؤمنون أنه Once MB, always MB (إخواني لمرة واحدة هو إخواني للأبد)، وبالنسبة لهم فإن أبو الفتوح سيظل إخوانيًا مستترًا ما بقي في العمر بقية، ويجب دومًا تذكر أنه كان عضوًا في الجماعة الإسلامية في أواخر السبعينات

وعلى الجانب الآخر فإن أبو الفتوح بالنسبة لغلاة الإسلاميين أحد الأطراف الضالعة في "دعم الانقلاب"، بل إن منهم من يجزم بأن ما يحدث لا يعدو كونه تمثيلية بينه وبين السلطة، الراغبة في خلق معارض كرتوني.

وبعيدًا عن رهانات أبو الفتوح، التي ستكشف الأيام المقبلة مدى صوابها من عدمه، فالجلي ان تحرك الرجل ومن قبله خالد على كشفا إلى أي مدى ظلت قوى المعارضة المصرية أسيرة تصنيفاتها الأيديولوجية الضيقة، ليبقى الرابح الأكبر في النهاية هو السيسي، الذي بقي، رغم كل إخفاقاته الاقتصادية والسياسية، قادرًا على السيطرة والتحرك بحرية تامة.