ساعات مع "جريندر".. مغامرة في تطبيق مواعدة المثليين

بعد أن جهزت بياناتك وملفك الشخصي؛ تبدأ الرحلة، تتصفح ملفات الآخرين الشخصية، وإذا أعجبك ملف أحدهم، بكل بساطة يمكنك أن ترسل له رسالة تقول فيها ما تريد.

لمن لا يعرف جريندر Grinder فهو تطبيق للمواعدة الإلكترونية يستهدف المثليين من الرجال والمتحولين جنسيًا، لمساعدتهم في الحصول على شريك للحياة/ مواعيد غرامية/ لقاءات جنسية وما شابه من العلاقات الإنسانية التي تعتمد على إفراز الهرمونات والسوائل الجسدية.

التطبيق ببساطة كالتالي؛ تقوم بإنشاء حساب، ويصبح لك ملف شخصي يمكنك من خلاله وضع بياناتك الخاصة مثل الإسم والطول والسن والوزن والدور الذي تفضل لعبه فى العملية الجنسية وهكذا. يستخدم التطبيق تقنية GPS في تحديد موقعك وموقع الأشخاص القريبين منك ممن يستخدمون التطبيق، وفي البلدان التي تُعرف بعدائها للمثليين - مثل مصر- يتيح التطبيق إمكانية تزييف الموقع، كوسيلة لحماية المستخدمين ممن يلاقون تهديدات أمنية ومجتمعية بسبب ميولهم الجنسية.

بعد أن جهزت بياناتك وما تريد أن يراه الناس في ملفك الشخصي؛ تبدأ الرحلة، تتصفح ملفات الآخرين الشخصية، وإذا أعجبك ملف أحدهم بكل بساطة يمكنك أن ترسل له رسالة تقول فيها ما تريد.

مع أني لست مثليًا، وأميل للنساء خاصة السمراوات منهن؛ إلا أن الفضول الشديد دفعني لإنشاء حساب على تطبيق جريندر، وهذه واحدة من مغامرات إلكترونية عديدة خضتها من خلف شاشة الكمبيوتر أو الموبايل، ولدي الكثير من القصص لأحكيها، ولا أنكر أن جريندر كانت من أكبر التجارب الملهمة، والتي تعلمت منها الكثير على مدار حياتي.

عرفت هذا التطبيق عن طريق ما يكتب عنه من مقالات وتقارير فى وسائل التواصل الاجتماعي، وكونت فكرة عامة عما يدور بداخله وعن المصطلحات المستخدمة فيه. لكني لم أتخيل أبدًا أني سأكون يومًا من رواده، ولكن الفضول دوما ينتصر.

لا أزال أذكر أول شخص تحدثت معه، كان من الإسكندرية. حكى لي عن علاقته السابقة، وأنه وقع في حب زميل دراسته وقاما بتقبيل بعضهما، ثم انفصلا لسفر الحبيب.

هكذا وجدت نفسي أقوم بتحميل التطبيق من المتجر، ووضعت البيانات وأنشأت حساب خاص لتبدأ الرحلة. أخذت أتفحص البروفايلات وأقرأ ما يكتبه الناس عن أنفسهم. كنت مندهشًا دهشة شاب مصري ذهب إلى المرور لاستخراج رخصة قيادة، فإذا به يستخرجها بسلام دون معاناة أو واسطة، إذ كنت أظن أن التعرف إلى الأشخاص في التطبيق بنفس صعوبة التعرف إلى الفتيات، وأني سأضطر إلى إبهار رواد التطبيق حتى يتحدثوا إليّ، ولكن العكس تماما هو ما حدث، فلم يمر على تواجدي عشر دقائق حتى وجدت الرسائل تنهال عليّ، وكانت جميعها تقريبا لها صفة مميزة أنها تبدأ بـ hi / hey/ ممكن نتعرف؟ / صور عارية / صور شخصية للوجه. هكذا بكل بساطة، وبدون أن أقوم بأي مجهود، ودون أن يعرفوا عني أو أعرف عنهم أي شيء. أحسست بسعادة بالغة لسهولة الأمر وقمت بالرد.

لا زلت أذكر أول شخص تحدثت معه، كان من الأسكندرية وعمره 19 عامًا. تحدثنا ما يقرب من النصف ساعة، حكى لي فيها عن علاقته السابقة، وأنه وقع في حب زميل دراسته وقاما بتقبيل بعضهما ثم انفصلا لسفر الحبيب. والحقيقة أنه كان لطيفا جدا، وكان يجيب على كل أسئلتي بكل ود. وعندما سألته هل أنت بايسكشوال (يحب الرجال والنساء) أم مثلي الجنس تماما؟ أخبرني أنه لا يطيق النساء من الناحية الجنسية ويشعر بالاشمئزاز منهن. وكانت دهشتي الكبرى عندما سألته هل أهلك يعرفون؟ فأخبرني أن والدته تعرف وأباه يشك، وأن والدته ليس عندها مانع، ولكن أباه قد يقتله إن عرف. سألته سؤالا أخيرًا عن ما يريده بالتحديد من استخدامه لهذا التطبيق؟ أجابني أنه يبحث عن علاقة عاطفية ليست مقتصرة على الجنس فقط.

هنا لا بد أن أنوه أن معظم من تحدثت إليهم من مستخدمي التطبيق كان هدفهم الأساسي الجنس فقط، لكني صادفت قليلين مثل هذا الشاب السكندري.

الشخص الثاني الذي تحدثت معه كان واضحًا ومباشرًا ويعرف هدفه جيدًا، وعندما بدأت حديثي معه بأن هذه أول مرة لي فى هذا التطبيق؛ قالها لي بكل صراحة "تعالى أجربك". لم أفهم مقصده، وطلبت التوضيح، فأجابني بكل شفافية أشكره عليها "تعالى أن**ك"، فرددت أني توب top (موجب أو الطرف المرسل) ولست بوتوم bottom (سالب أو الطرف المستقبِل). بالطبع لست موجبًا ولا سالبًا، لكني أردت أن أمحي فكرة إمكانية ممارسة الجنس معي من رأسه. سرعان ما فقد الاهتمام عندما أخبرته بأني توب وقال لي "براحتك"، وانتهى حديثنا ولكن لم تنته القصص.

بعد ساعتين فقط من تواجدي على التطبيق شعرت باشمئزاز من نفسي حتى أكون صادقًا، فقمت بمحو بياناتي وقررت ألا أستخدمه مرة أخرى، ولكن سرعان ما وجدت نفسى أعود. وبالنسبة لشخص فى مثل فضولي وانعزالي فمثل هذه التجربة لا يمكن إلا أن أخوضها كاملة؛ قمت بعمل إيميل جديد باسم مختلف ودخلت، ولكن هذه المرة بهدف محدد، وهو تكوين رؤية عن حالة مجتمع المثليين في مصر، كيف يتعاملون؟ إلى أي مدى يشعرون بالأمان أو التهديد؟

بادرت أنا هذه المرة بالتحدث، وكان البعض يجيب على أسئلتي بكل وضوح وصراحة، وبعضهم يتوجس مني، وبعد فترة ليست طويلة علمت أن هناك بعض المخبرين الأمنيين يرتادون هذه المواقع بغرض الإيقاع بالشباب الساذج وتحرير قضايا لهم.

فى أثناء رحلتي قابلت رجالاً ظاهري الرجولة، لا يمكن أبدًا أن تشك في أن لديهم ميول جنسية مثلية، بل وبعضهم متزوج ولديه أطفال. ويوجد أيضا من يحبون ارتداء الباروكات والملابس النسائية والتصرف كإناث. الشيء المشترك بينهم هو رغبة جنسية عارمة، ترجع فى رأيي إلى سرية هذا المجتمع والقيود المفروضة حوله، فكانت ردة الفعل هي المبالغة في إتيان ما يمنعه المجتمع، وأنا أعتبرها وسيلة مقاومة نفسية بائسة لعدم القدرة على تغيير الظروف.

خلاصة التجربة

ألغيت حسابي للمرة الثانية بعد أن أشبعت فضولي، وتوصلت لعدة استنتاجات تخصني، وهي ليست حكمًا عامًا على وضع المثليين في مصر، لكنها خلاصة تجربتي أنا الذاتية في التحدث معهم عبر جريندر.

ما شهدته هو أن المثلية في مصر متواجدة في جميع طبقات المجتمع، فأنت تجد في التطبيق مهنيين كالأطباء والمهندسين، وطلبة، وحرفيين، وصغار السن والكبار. ستجد حاصلين على شهادات عليا ومن تلقوا حظًا بسيطًا من التعليم، أغنياء وفقراء... ستجد أطياف المجتمع كافة ممثلة داخل جريندر. وليس عندي شك أنه يسكن بجانبك بعض المثليين مهما كان المستوى الإجتماعي الذي تحيا فيه.

لاحظت أن المثليين متفتحون جنسيًا بشكل هائل رغم أن معظمهم متدينون، وهذه الملحوظة تحتاج إلى تحليل ولكن هذا ليس مجاله. لكني لاحظت أيضًا أن كثير منهم يجلدون ذواتهم، وهذا شيء مؤسف.

مما خرجت به من تجربتيَّ القصيرتين؛ أن هذا التطبيق صار مصدرًا للدخل بالنسبة لبعض الرجال والليدى بويز ladyboys (متحولات جنسيًا) الذين يعرضون أنفسهم مقابل المال. فقد تحدثت إلى رجل يعرض نفسه وأخبرني أنه يريد ٣٥٠ جنيهًا مقابل قضاء ساعة واحدة، وإحدى المتحولات جنسيًا أرادت ألفي جنيه في ساعتين.

اقرأ أيضًا: ساعات مع جريندر.. مغامرة ليتها لم تُكتَب

من المعروف أنه من الصعب جدًا أن تستطيع ممارسة الجنس مع فتاة في مصر، ولكن على العكس تمامًا، يمكنك في دقائق معدودة ترتيب مقابلة جنسية مع شخص مثلي، ويمكنكما أن تحصلا على جنس لا نهائي. لكن هذا لا يعني أن الجنس هو الغرض الوحيد لدى المثليين المصريين من استخدام التطبيق، فبعض المتواجدين على جريندر لا يريدون الجنس بشكل أساسي، لكنهم يسعون للاستمتاع بتلك المساحة من الحرية في التعبير عن أنفسهم وميولهم وهوياتهم الجنسية دون خوف من الأحكام المجتمعية.

بعض من تحدثت إليهم قالوا أنهم لجأوا إلى التطبيق باعتباره فرصة أسهل لممارسة الجنس، وأنهم لو أتيحت لهم فرص ممارسة الجنس مع فتيات لما اتجهوا أبدًا إلى هذا التطبيق أو إلى ممارسة الجنس مع الرجال عمومًا. أرى أن هذا يستدعي إعادة نظر في النظرة المجتمعية للعلاقات بين النساء والرجال، والتي تضطر البعض لمفارقة هويته الجنسية لمجرد إشباع احتياج غريزي.

ربما كانت تجربتي مع جريندر قصيرة ومربكة بالنسبة لي كرجل يميل للنساء، لكنها كانت تجربة مهمة أضاءت لي الكثير من المناطق المظلمة في هذا العالم السري الذي يحيا أعضاؤه في تهديد دائم.


اختار كاتب هذه الشهادة تدوينها ونشرها تحت اسم مستعار