اعتبر تقرير صادر عن مركز "مسار: مجتمع التقنية والقانون" الحقوقي أن جريمة "إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص" الواردة بقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تهديدًا خطيرًا وغير دستوري لحرية الرأي والتعبير والمساحات الرقمية.
وكشف التقرير أن تطبيق السلطات لنصوص قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر قبل 5 سنوات أظهر كمًا كبيرًا من التناقضات والتجاوزات التي تنطوي عليها المنظومة القانونية والتنظيمية التي تحكم ترخيص وإدارة المواقع الإلكترونية في مصر.
ووفقًا للتقرير، على الرغم من أن الأصل في القوانين التنظيمية هو ضمان ممارسة الحقوق الدستورية، على رأسها حرية التعبير وتكوين وسائل الإعلام، "فإن ما تضمنته مواد قانون تنظيم الصحافة والإعلام من صياغات فضفاضة، وخلط بين مفهومي التأسيس والإدارة، والتوسع في إلزام فئات غير مخاطبة بالقانون بالحصول على تراخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أدى إلى حالة من الغموض القانوني والاضطراب في التطبيق".
وتحظر المادة السادسة من القانون تأسيس مواقع إلكترونية أو إدارتها أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى وفق الضوابط والشروط التي يضعها في هذا الشأن.
كما تمنح المادة نفسها المجلس الأعلى في حالة مخالفة أحكام الفقرة السابقة اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إلغاء الترخيص، أو وقف نشاط الموقع أو حجبه حال عدم الحصول على ترخيص سارٍ.
على الصعيد العملي، انتقد التقرير ما وصفه بالإجراءات "المعقدة والمكلفة" للحصول على ترخيص موقع إلكتروني، مؤكدًا أن القانون يرهن الترخيص بموافقة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يمكنه رفض طلبات التراخيص لأسباب غير واضحة مثل "مقتضيات الأمن القومي"، مما يجعل الترخيص أداة للسيطرة وليس للتنظيم.
ويأتي المنصة ضمن المواقع التي تنتظر البت في طلب ترخيصها، إذ تأسس في يناير/كانون الأول 2016 واتبع كل الإجراءات القانونية والمرعية عند التأسيس، وسُجِل الموقع مع الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات، كما كان متبعًا وقتها.
وبعد تأسيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وإسناد مهمة ترخيص المواقع له؛ تقدم المنصة فور فتح باب التراخيص، وقبل صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الإعلام، بطلب للترخيص في أكتوبر/تشرين الأول 2018، لم نتلقَّ ردًا بشأنه.
وأعاد المنصة التقديم مرة أخرى في أغسطس/آب 2020، استجابة لدعوة المجلس لكل المواقع التي سبق وتقدمت لنيل التراخيص بأن تعيد التقديم مرة أخرى باستخدام الاستمارات الجديدة بعد صدور اللائحة التنفيذية، ولم يتلقَّ المنصة ردًا حتى الآن.
ويشدد القانون، حسب تقرير "مسار"، العقوبة المالية المقررة على جريمة إدارة موقع دون ترخيص إلى درجة مبالغ فيها "إذ تُعد من أشد العقوبات المالية في قانون تنظيم الصحافة والإعلام"، مؤكدًا أنه في حين تراوحت أغلب العقوبات المالية المنصوص عليها في القانون بين خمسين ألف جنيه ومليون جنيه في حدها الأقصى، جاءت عقوبة هذه الجريمة بحد أدنى يبلغ مليون جنيه، وحد أقصى يصل إلى ثلاثة ملايين جنيه، دون وجود سبب منطقي يتناسب مع طبيعة الجُرم، حسب التقرير.
إلى جانب الغرامة المالية، ينص القانون على "جواز تطبيق عقوبات تكميلية مبالغ فيها أيضًا، تشمل الغلق ومصادرة المعدات والأجهزة ومكوناتها التي استُخدمت في ارتكاب الجريمة".
وشدد التقرير على أن تلك العقوبات "لا تتوافق مع المبادئ الدستورية المستقرة، وعلى رأسها مبدآ الشرعية وشخصية العقوبة، ومبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، فضلًا عن مخالفتها الصريحة لنص المادة 71 من الدستور التي تحظر بشكل مطلق مصادرة أو وقف أو غلق وسائل الإعلام".
واعتبر "مسار" أن هذه الجريمة تأتي في سياق "حملة أوسع تهدف إلى السيطرة على الفضاء الرقمي، الذي أصبح متنفسًا رئيسيًا للتعبير بعد التضييق على المجال العام". وطالب المركز الحقوقي بإلغاء هذه الجريمة وإلغاء شرط الترخيص المسبق للمواقع الإلكترونية بما يتوافق مع المبادئ الدستورية التي تحمي حرية الرأي والتعبير.
وأشار إلى أن الإبقاء على هذه النصوص بصيغتها الحالية، والممارسات الإدارية المصاحبة لها، من شأنه أن يُحوّل القانون من أداة لتنظيم الحريات إلى أداة لتقييدها، ومن ضمانة لحرية الإعلام إلى وسيلة للمصادرة والإقصاء.
لذا أوصى التقرير بإعادة النظر في نصوص القانون المذكورة، سواء من حيث المفاهيم والتعاريف، أو من حيث العقوبات المقررة، بما يضمن التزام المشرّع بالمبادئ الدستورية، ويكفل حماية حقيقية لحرية الصحافة والتعبير، دون التفريط في مقتضيات التنظيم الرشيد.
كما دعا إلى ضبط صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ومنعه من التوسع خارج نطاق القانون، مع ضرورة إنشاء آلية مستقلة لمراجعة قراراته، وضمان خضوعها للرقابة القضائية الفعالة.