hosteltur
تمثال رمسيس منتصبًا في الميدان قبل نقله إلى المتحف الكبير

طبائع الاستبداد في ميدان رمسيس

منشور الثلاثاء 6 يونيو 2023 - آخر تحديث الثلاثاء 6 يونيو 2023

يحلو للناس، وبينهم الكثير من حملة الأقلام، تقسيم السبعين سنة الماضية من تاريخ مصر إلى حقب باسم حكامها؛ فهناك مصر عبد الناصر، مصر السادات.. إلخ، بناء على أنساق فرعية مثل الرعاية الاجتماعية والتعليم، السلم والحرب، إلى آخر تلك الأنساق البسيطة.

هذا الاتجاه في التفكير يزيح إلى الخلفية النسق الأصلي المستمر الذي يربط كل حقب الجمهورية ويجعل اختلافاتها شكلية، وهو نسق الاستبداد، الذي لم يتزحزح منذ أن تحدث السلاح في يوليو/حزيران 1952 ورسَّخ عبودية الرعية للحاكم الفرد. التفكير في ذلك النسق العام يجعل الاختلافات بين رئيس وآخر، وبين حقبة وثانية، فرعية لا تؤثر في الفلسفة العامة.

تميزت حقبة عبد الناصر عن كل ما جاء بعدها بمنحة "العبودية المختارة" حيث أسلمت الجماهير قيادها طواعية لقائدها بسبب المزايا الاجتماعية الكبيرة. وقد أتعب ناصر من جاءوا بعده. لم يتمكنوا من تقديم المزايا التي قدمها، فكان عليهم أن يراوغوا للحصول على العبودية جبرًا، بأدوات ضبط وسيطرة لا يدينها العالم، وكانوا يلجئون للمراوغة حتى يضطروا لإبراز أنيابهم.

على رأس أدوات الاستعباد المراوغ، تقف التشريعات الغامضة، يليها تخطيط المدن وسياسات توزيع السكان، التي قامت على مبدأ الاحتفاظ بأكبر عدد منهم في العاصمة تحت عين الحاكم وأدوات العقاب المركزية. لهذا لم ينصت أحدهم لوصايا الخبراء بتوزيع التنمية بالعدل بين الأقاليم وفتح مساحات عمرانية جديدة، وأصروا على الاستمرار في السياسة ذاتها وملاحقة زيادات السكان في العاصمة بحلول جزئية وفجة، مثل الكباري التي دمرت جمالها. وابتداءً من منتصف التسعينيات سيدخل بيزنس العقارات سببًا ثانيًا للإبقاء على القاهرة مزدحمة.

قرد الشارع

الانحناء مبدأ أساسي في العبودية، لهذا فالميكروباص الذي يتطلب ركوبه والنزول منه الانحناء مُقدَّم على الترام الذي يركبه الفرد منتصب القامة، وتسوير الرصيف وقسمة الشارع بالحديد سيجعل الانحناء أساسيًّا عند العبور من الثغرات بين القضبان، بل ستجري حيونة الإنسان عندما يجد نفسه مجبرًا على القفز كالقرد من فوق الحاجز.

تعرض ميدان رمسيس للعديد من عمليات اللعب بالفلوس تُسمى كل منها "تطوير"، ولم تكن سوى عمليات حدادة وتبليط

وميدان رمسيس، هو سرة القاهرة. هو المكان المركزي لكل أنواع الانحناء بالعاصمة: الانحناء للعبور، لركوب المواصلات، للشرطي إذا طلب فحص البطاقة أو الموبايل. وإذا أخذنا بالاعتبار أكشاك البيع الخاصة بأذرع الدولة الأمنية والحزبية، بوصفها مكرمة تخفيض إحسانية، يصبح الميدان تجسيدًا لعلاقة السيد بالعبد أكثر منه فضاءً من فضاءات مدينة.

خلال العقود الثلاثة الماضية تعرض الميدان للعديد من عمليات اللعب بالفلوس تُسمى كل منها "عملية تطوير"، ولم تكن سوى عمليات حدادة وتبليط يتم بموجبها إعادة صياغة أقفاص الحديد التي تُسيِّج مثلثات ومستطيلات الميدان الذي تقطعت أوصاله.

لا وجود للدائرة في "مشروعات التطوير"، وهي الشكل المرتبط بالميادين أكثر من أي شكل آخر، لكنها لم تعد مفردة معمارية في ميادين مدينة همها الأول السيطرة على الجموع.

هناك صعوبة بالغة في دخول المركبات إلى الميدان وخروجها منه. حركة فوضوية وتدافع يوم الحشر، عند الحركة المزدوجة بين الشرق والغرب في شارعي الجلاء ورمسيس، والاتجاه للشمال نحو شبرا، وللجنوب نحو العتبة والفجَّالة.

الميدان، رغم العبث ببنية مرور القاهرة، نقطة عبور أساسية بين وجهات العاصمة وأنحاء البلاد كافة بسبب وجود محطة القطار به. كما أنه يخدم مستخدمي محطة مترو تبادلية للخطين الأول والثاني، ويخدم ركاب ميكروباصات السفر إلى المحافظات التي تقف خلسة هنا وهناك بالقرب من محطة القطار.

ومع ذلك ليس هناك من رصيف آمن لحركة المشاة. المترجل عليه أن يعبر كالقرد الحواجز الحديدية، ويصبح متهمًا بدهس ما يُسمى بـ"الحديقة"، لأن المطورين لم يتركوا له رصيفًا آمنًا، وعاملوه كقرد شارد عليه أن يتنطط في انتقالاته بين وسائل المواصلات المختلفة.

واحدة من هبَّات تطوير الميدان تضمنت ابتكارًا فكاهيًّا لا يخلو من مبدأ "حيونة الإنسان"، فقد تمت الاستعانة بأربعة جنود وحبلين في ذلك التطوير.

لم يسعفني البحث لتدقيق تاريخ ذلك التطوير العجيب الذي شاهدته بعيني ربما أوائل التسعينيات. اثنان من الجنود كانا يقفان على رصيف مسجد الفتح يرفعان بينهما حبلًا يحجز قطيع البشر خلفه، وفي الجهة المقابلة جنديان متماثلان، إلى أن تتغير الإشارة الضوئية وتتوقف المركبات القادمة من التحرير؛ فيرخي الجنود في الجهتين الحبال ليطلقا سراح قطيع المشاة للعبور.

لم يدم ذلك التدبير الأخرق طويلًا، وعاد الميدان إلى سيرته من الفوضى، ثم تضاعفت فوضاه بعدما غادرته البركة مع مغادرة الملك العظيم رمسيس الثاني عام 2006.

الذين لم يروا الميدان في الماضي، ربما لا ينتبهون لفداحة فوضاه وقذارته الحالية، أما الزائر الأجنبي فلا يصل إلى ذلك الميدان، الذي لم يعد مركزيًّا، إلا بعد أن يمر بأشكال تمهيدية من الفوضى المخففة منذ وصوله مطار القاهرة. لكن لو افترضنا أن أجنبيًّا سقط على الميدان بمظلة؛ فلن يشك لحظة في أنه نزل إلى بلد في حالة ثورة أو احتجاج عارم، بسبب أبواق السيارات وحركتها العنيفة، وهرولة البشر في كل الاتجاهات، وصفارات رجال الشرطة الغاضبين.

جمهور مثير للريبة

كان الميدان العريق منتزهًا من بدايات القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين. وبعض من يعانون الحنين إلى الماضي ينشرون على صفحات التواصل الاجتماعي صورًا قديمة للميدان عندما كان منتزهًا، وكان بوابة القاهرة التي تستقبل زوارها من المحافظات الأخرى، والسياح الذين يطلبون صور تذكارية لهم من المصورين المتناثرين.

الصور التي يتبادلها الحزانى بطلها تمثال رمسيس، وهكذا فهي ذاكرة جمهورية، لأن تمثال فخر العسكرية المصرية حل محل تمثال نهضة مصر عام 1956. ولا يجب أن نغفل رمزية ذلك الإحلال؛ فتمثال النهضة الذي انتقل ليربض أمام حديقة الحيوان يُمثِّل ثورة 1919 الشعبية، أنجزه العظيم محمود مختار بالاكتتاب العام، وهذا سياق لفعل المواطنة لا يحبه الضباط الذين يريدون إحلال القائد الإله محل صورة الوطن، فوضعوا تمثال الحاكم العسكري رمسيس الثاني في سرة القاهرة بدلًا من تمثال مصر الذي دفعت الأمة تكلفته.

المسؤول الحكومي هو الشخص الذي لا يستطيع قراءة الصور

لكن دولة الحاكم الفرد التي تظهر في صور الميدان لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه فيما بعد من لؤم وتراخ وانكفاء، ولم تكن قد بدأت نظرتها المرتابة في الجمهور، فكان فضاء الميدان واحدًا بلا أسوار، وتبدو في الصور محطة مصر مفتوحة على الميدان مباشرة كما ينبغي لمرفق يخدم الناس.

 كان اختراق كوبري أكتوبر للقلب وإنشاء مطلع ومنزل في الميدان أول أقداره الحزينة، وبدأت بالتوازي معه الريبة السياسية وتدابير المراوغة العمرانية للضبط والسيطرة، فاحتجزت محطة السكة الحديد قطعة من الميدان حرمًا خاصًا لها، بمساعدة مطلع الكوبري الذي رسم الحدود. واحتجز مسجد الفتح في الجهة الأخرى حرمًا خاصًا مسورًا. وتمزق باقي الفضاء إلى أقفاص دون أي منطق، وفي كل مرة يجري ما يُسمى بالتطوير على القواعد ذاتها وينتظر المطورون نتائج مختلفة.

كنت قد عرَّفت المسؤول الحكومي في مقال سابق بأنه "الشخص الذي يسافر ولا يستفيد مما يراه في تنظيم المدن". وبوسعي هنا أن أضيف تعريفًا جديدًا "هو الشخص الذي لا يستطيع قراءة الصور". دون القراءة الجيدة لصور الميدان القديمة ستظل موجات التطوير مجرد تظاهر وبابًا للإنفاق السفيه بلا طائل. أما التطوير الذي سيُكتب له النجاح فلابد أن يمر عبر إعادة الميدان إلى صورته الأولى، بإلغاء أسوار الحديد وإعادة تخطيطه كفضاء واحد من جدار محطة مصر شمالًا إلى جدار أول عمارة في الفجالة جنوبًا.

ومن المهم جدًا ألا يقتصر التفكير بالميدان على كونه مكانًا منقطعًا عن باقي المدينة، بل عبر رؤية جديدة شاملة لشبكات المواصلات في القاهرة وقدرته على العودة إلى لعب دور المركز. وإذا كان كوبري أكتوبر قدرًا عنيدًا علينا التسليم بوجوده، فمن غير المستحيل إلغاء مطلع ومنزل الكوبري بالميدان.

ولا يمكن للتطوير أن يتم دون أن يشمل توسعة محطة القطار وإعادة صياغة فضاءاتها دون العدوان على طابعها المعماري. حجم المحطة الحالي كان يناسب مدينة سكانها مليونين أو خمسة ملايين، وصار من الواجب توسعتها جهة الشمال لتشمل كل الفضاء خلفها، على أن يحتل النقل البري طابقين تحت أرضيين من مبنى المحطة الجديد، بحيث يعود المكان إلى سابق عهده، مجمعًا للمواصلات في قلب المدينة.