تصوير: صفاء سرور
الدكتورة ماجدة عدلي في حوارها مع المنصة

لن نتوقف عن مساعدة الضحايا: حوار مع ماجدة عدلي عن تراث النديم و"زيارات الجمبري"

منشور الأربعاء 8 يناير 2020

شهدت مصر في آخر ثلاثة أشهر من العام الماضي 732 انتهاكًا للقانون تعلّق أغلبها بالسجناء والمحبوسين احتياطيًا، بحسب تقرير أرشيف القهر الصادر عن مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب.

التقرير الذي يستند إلى البيانات الصادرة عن الحكومة وتقارير وسائل الإعلام تناول 8 صور من أشكال انتهاكات القانون منها 30 حالة قتل خارج نطاق القانون، و10 حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز و47 حالة تعذيب فردي، و57 حالة إهمال طبي داخل السجون، و429 حالة للإخفاء القسري.

"طول ما التعذيب موجود؛ مناهضته هتستمر بكافة السبل" بهذه الجملة تعلّق الدكتورة ماجدة عدلي، واحدة من مؤسِسات مركز النديم، على عملها وزميلاتها منذ أسسن في تسعينيات القرن الماضي مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، رغم ما يتعرّضن له من تضييقات لم تتوقف عند إغلاق المركز وتشميعه.

ماجدة، الطبيبة النفسية التي اختتمت عام 2019 بتكريم من حكومتي ألمانيا وفرنسا لمركز النديم وطبيباته، ترى في هذه الجائزة التقديرية رسالة للنظام المصري بـ"اﻹدانة" لما يفعله ضدهن، وهي أيضًا مَن تؤكد كامل وعيها بـ"الضريبة" التي يدفعنها مقابل واجبهن دون أي تفكير، ولو عابر، عن التخلي عنه يومًا ما، وفقًا لما ذكرته في حوارها مع المنصّة.

في مساء يوم 9 ديسمبر/ كانون اﻷول 2019، وقبل ساعات معدودة من حلول اليوم العالمي لحقوق الإنسان، كانت السيدات الأربع ماجدة عدلي وعايدة سيف الدولة وسوزان فيّاض ومنى حامد، يتسلّمن الجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان، من سفيري فرنسا وألمانيا في مصر.

في تلك الليلة انضم المركز لقائمة الفائزين بالجائزة التي تعود بدايتها لثلاثة أعوام مضت، وتضم منظمات وأفرادًا يرى مانحوها أنهم "يساهمون بصورة استثنائية في حماية وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون".

هذا العام، انطبقت تلك المعايير على سيدات النديم؛ فكانت لهن الجائزة التي رأت فيها ماجدة رسالة مزدوجة فحواها "بيقولوا للحكومة عيب، أما احنا، فبيطبطبوا علينا، وبيقولوا لنا فاهمين إن ظروفكم صعبة. كمّلوا".

لم تكن الرسائل من مانحي الجائزة فقط، فللنديم أيضًا رسالة، وجهتها عدلي لطرفين متعارضين "لداعمينا بنقول إن مناهضة التعذيب مش مسؤولية مركز النديم لوحده، دي مسؤولية مجتمع، لازم كلنا نبقى ضد فكرة إن حد يتعذب حتى لو سارق أو قاتل لأن فيه حاجة اسمها قانون ومحاكمة عادلة.. واللي ضدنا، نقولهم ربنا ما يوريكم اللي الناس بتشوفه، ربنا يديكم البصيرة".

تكريم معنوي

درع وشهادة تقدير، تلك هي الجائزة، ذات البعد الأدبي الذي أبرزته عدلي في حديثها "هذه الجايزة معنوية لنضال النديم في السلام الاجتماعي ومناهضة التعذيب طول 26 سنة، يعني مافيهاش ولا مليم، علشان اللي بيخاف إن الجايزة من حكومات.. احنا مابناخدش جوايز من حكومات أصلًا".

في عام 2018، حصل النديم على جائزة وكانت غير حكومية، إذ كانت الجهة المانحة هي منظمة العفو الدولية.

موقف النديم من الجوائز الحكومية مبدئي، وله عند الطبيبة تفسير ملخصه أن "مش عايزين تداخل بين أجندة حقوق الإنسان والأجندة السياسية والاقتصادية. فمثلًا ماقدرش اتعامل مع أمريكا وهي بتدعم المستوطنات وبتسلّح إسرائيل، لكن اتعامل مع منظمة أهلية أمريكية لو كانت بتناصر حقوق الإنسان ومابتتعاملش مع الصهيونية".

بجانب السعادة بالتقدير، انتابت الطبيبة مشاعر أخرى لا تخلو من اللوم "إحساسي كان إن حكومتنا المفروض تكون هي اللي بتكرّمنا، وتقول شكرًا للناس اللي من 26 سنة بتعالج مصريين ولاجئين.. بلاش شكرًا، بس بلاش تتهمهم وتجرهم في قضايا وتمنعهم من السفر.. ماتقفلش العيادة اللي بتقدم خدمة لا الحكومة ولا مراكز تانية بتقدمها" تضيف "إن حكومات بينها وبينهم مصالح تكرمنا؛ فده كأنهم بيقولوا لهم: الناس دي كويسة".

تتابع الطبيبة "ده المفروض الحكومة هي اللي تأسس أكبر مركز لتأهيل ضحايا التعذيب، ده لو هو مش منهجي طبعًا".

تعاون مشروط

على الرغم من الفكرة التي راودتها عن واجب الحكومة في تأهيل ضحايا التعذيب، إلا أن الأمر بالنسبة لعدلي يظل مستبعدًا "هذه فرضية خيالية، ﻷن علشان أعمل حاجة زي دي، لازم نبقى ضد التعذيب بجد".

في حالة تحقق الفرضية، لا تمانع الطبيبة مشاركة خبرتها المهنية والحقوقية مع الجهات الرسمية، لكن بشروط محددة "أولًا الاعتراف بأن ما يحدث هو تعذيب منهجي، وأسبابه تتوقف كليًا على القانون اللي فيه إشكاليات كبرى بتساعد على استمرار التعذيب والحكومة رافضة تعدّلها"، تفسّر أكثر "بقالنا 25 سنة بنهاتي، وغيرنا بيهاتي، منهم محاولة قاضيين لإصدار قانون ضد التعذيب؛ والنهاية إنهم اتحالوا للصلاحية".

وتتابع الحقوقية "الإرادة السياسية أيضًا عامل مهم، بدءً من نصوص الدستور وانتهاءً بالقرارات الإدراية والتنفيذية، ومحاكمة مَن عذّب ومَن تواطأ ومَن رأى ولم يُبلّغ، وكذلك فتح الملفات القديمة". مقدمة نصيحتها لمتخذي القرار "ارفع تحفظاتك على اتفاقية منع التعذيب، ووقع بروتوكولها الاختياري، اسمح للحقوقيين بالحق في زيارة السجون زيارات مفاجئة، نشوف الزنازين وتهوياتها وإضائتها، وجوها ملائم للصيف والشتاء ولا ﻷ، ودورات المياه، وإمكانيات المستشفى، مش زيارات الجمبري!".


اقرأ أيضًا: سجن طرة "الوردي": كيف تتعامل مصر مع الانتقادات الدولية؟


تتحدث الطبيبة عما وصفته بـ"زيارات الجمبري"، في إشارة لما ظهر إعلاميًا من صورة مثالية لسجون هي نفسها التي يتلقى النديم شكاوى منها "أبرز الشكاوى بتكون من سجون العقرب والوادي الجديد ودمنهور، والمنيا. بخلاف شكاوى اﻷهالي من مشقة الزيارة، خاصة في حالة نقل أبنائهم لسجون بعيدة؛ وده بيترتب عليه مشقة صحية ومادية. التعذيب مش بس ضرب، التغريب ده كمان تعذيب".

مواقف حقوقية

تذكر عدلي أوجه أخرى للتعذيب بخلاف العنف البدني، لم تقصرها فقط على "التغريب"، وفقًا لما وثّقه المركز فإن "معدلات زيادة التعذيب مجنونة. واللي زاد جدًا بعد الثورة هو الإخفاء القسري، وده تعذيب، وبقى عمل روتيني. الناس تختفي فترات من أيام لحد سنين، واللي بيظهر بيبقى بالصدفة، وغالبًا بينضم لقضية".

تتحدث مؤسسة النديم عن الإخفاء القسري، وقبل ذلك كان للمركز موقف معلن من قضايا أخرى، منها توقيعهم على بيان ضد إجراءات السلطة إزاء القبض على سياسيين في قضية "تحالف الأمل"، وهو ما لا ترى فيه السيدة أي إقحام للمركز في قضايا تخالف طبيعة عمله "ده مش موقف سياسي، فيه ناس بتشتغل علشان تجهز لانتخابات البرلمان، اتقبض عليها وأُسيء معاملتها ومحرومة من العلاج. ده موقف حقوقي صرف، لأن جزء من حقوق الإنسان هو الحريات الخاصة والعامة. وإحنا عيادة طبية ومركز حقوقي".

وفقًا لأوراق تسجيله في الشهر العقاري، فالنديم مؤسسة ومركز حقوقي يمارس عدّة أنشطة، تشرحها عدلي بقولها "العمود الأساسي هو عيادة تقدم خدمات الدعم والعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف والتعذيب. وجزء من هذا الدعم كان الخدمة القانونية، المتوقّفة حاليًا، وكذلك الحملات الخاصة سواء بضحية أو مجموعة ضحايا أو في المجمل".

عن أهمية الحملات بجانب العمل الطبي، تقول الحقوقية "كتير جدًا كان الناس بيتقبض عليها بدون أي سبب أصلًا؛ فبيتولّد عندهم إحساس بالظلم ورغبة في رد الاعتبار. فالعلاج الطبي بيهدّي الأعراض النفسية زي الصدمة والاكتئاب، لكن دايمًا بيفضل فيه حاجة ناقصة، هي إزاي يترد له اعتباره قصاد نفسه وأهله وجيرانه؟ بيبقى عايز يبرأ نفسه".

تتابع ماجدة شرح تقنية المركز في التعامل مع ضحايا العنف والتعذيب "العمل الدعائي كان بيساعد المريض، يعني لما كنا بننشر عن حد، كان بياخد المنشور ويوريه لجيرانه، كنوع من رد الاعتبار، إني مش مجرم، المجرم اللي كهربني أو علّقني. والخدمة القانونية كانت بتلعب دور مهم. فكانت أفضل طريقة للتأهيل النفسي هي التضافر بين كل الحاجات دي".

مصاعب ميدانية

على الرغم من جدوى تضافر الجهود الطبية والقانونية والدعائية، إلاّ أن سياسات السلطات قطعت عليها المسار، وفقًا لمديرة المركز "للأسف، أول 2015 ومع التضييقات الشديدة على المنظمات الحقوقية ومطاردتنا وتهديدنا؛ توقفت الخدمة القانونية، وحوّلناها ﻹنها تكون بالتعاون مع منظمات أخرى، وقصرنا عملنا على الجزء الطبي النفسي، ﻷنه تخصصنا ومفيش حد غير النديم بيعمله، ومينفعش نستغنى عنه".

الدعم القانون لم يكن وحده ما توقّف "فالمطبوعات أيضًا توقّفت، وصارت إصدارات المركز متاحة على الإنترنت فقط"، ورغم هذا، ما يزال لدى "النديم" خدمات أخرى يقدّمها، وفقًا لعدلي، وهي التدريب في مجالات، منها "مكافحة العنف ضد النساء، وتوثيق الانتهاكات في أماكن الاحتجاز".

لكن هذا العمل كان له عواقب، وفقًا لما كشفته الطبيبة "الأرشيف اللي بنجمعه من اﻷخبار المنشورة عن اختفاء وتعذيب أو إهمال طبي في السجون أو قتل خارج إطار القانون؛ بيزعّلهم ﻷن تجميعها بيظهر أرقام ضخمة، غير لما بتتسرب حالة بحالة برواية الأجهزة الرسمية. الحاجات دي هما مش عايزينها تبان. محدش بيعذب غير وهو مطّمن إنه ده بيتم في غرف مغلقة".

النديم هو عيادة علاج نفسي ومركز مُسجّل كشركة وفق القوانين المصرية، لكنه لم يسلم من محاولات الإغلاق، التي تحكي عنها مديرته "حاولوا يقفلوه في 2016 وشمعوه في 2017".

لكن تشميع المقر لم يوقف مجهودات السيدات الأربعة "إحنا صحيح قافلين العيادة بس بنشتغل، وبنقابل الناس اللي محتاجه الخدمة النفسية في أي مكان".

يتوازى عمل النديم الطبي مع مجهوداته في محاولة إنهاء التشميع، عبر إقامة دعوى أمام القضاء الإداري، من المنتظر أن يصدر حكمًا فيها مارس/ أذار المقبل.

بالتواصل مع محامين الدولة في ساحة المحكمة، تعرّفت مؤسسات النديم على دفوع السلطات لتشميع المركز، والتي تردّ عليها عدلي "بيقولوا إننا خالفنا شروط الترخيص، وإننا مركز حقوقي مش عيادة. لكن إحنا عيادة، وزي ما قلت إن ردّ اعتبار ضحية التعذيب ده جزء من عملية التأهيل النفسي. كمان التراخيص لسه موجودة وسارية، ومفيش ولا مرّة حصل إننا اتبلغنا رسميًا بأي مخالفات".

ما بعد التشميع

لم يكن التشميع وحدّه هو ما أثّر تشميع المركز على روتين السيدات، فالتضييقات استمرت كما تذكر عدلي "حصلت أمور استفزازية زي اتهامنا في القضية 173 مع عدد من منظمات المجتم المدني. فيه مرارة من إنك مش قادرة تساعدي الناس اللي بتموت جوّه (في السجن) نتيجة اﻷوضاع الصحية السيئة. شيء في منتهى القسوة. ده غير إن تم منع سوزان وعايدة من السفر".

لم يقتصر الأمر على التشميع والمنع من السفر، فالسلطة كان لها إجراءات أخرى خاصة ضد واحدة من مؤسسات النديم، الدكتورة عايدة سيف الدولة، باستهدافها ببلاغ تحكي عنه زميلتها "البلاغ ماجاش في اﻷول رسمي. مجرّد اتصالات بينا، بيقولوا لنا عايزين الدكتورة عايدة في الاستيفا علشان فيه محضر ضدها. راح المحامين القسم بتوكيل، وما زال المحضر في الاستيفا".


اقرأ أيضًا: بعد محاولات استدعاء غير رسمية: النيابة تحقق في اتهام عايدة سيف الدولة بـ"الإساءة لسمعة مصر"


كل ما سبق من إجراءات، ربما تدعو للقلق من استهداف النديم، لكن هذا الشعور لا ينتاب ماجدة عدلي التي سبق اعتقالها عامي 77 و78، دون أن يزحزحها السجن عن مسارها "هنقلق ليه؟ هنبقى في السجن؟ تمام، أهلًا وسهلًا. وعلى رأي ماهينور: بنكرهه لكن مابنخافش منه. لا من السجن ولا السجّانة. وطول ما احنا مش ورا السور؛ مش هنوقف مكافحة التعذيب".