أحد متلقي لقاح كورونا في البحر الأحمر يوقع الإقرار قبل تطعيمه. الصورة من صفحة وزارة الصحة - فيسبوك
-

مخاوف غير علمية وحملات توعية غائبة: لماذا يخشى الكثيرون من اللقاح؟

منشور الثلاثاء 11 مايو 2021

 

في 22 أبريل/ نيسان الماضي، كان الدكتور أحمد رجب على موعد مع تلقي جرعته الثانية من لقاح سينوفارم الصيني، مخالفًا بذلك إرادة والديه اللذين لم يرتاحا لتلقيه أيًا من اللقاحات الموجودة في مصر.

لم يلتفت الطبيب إلى مخاوف والديه وتلقى اللقاح، متخذًا بذلك قرارًا ما زال مصري آخر هو أحمد عبد الفتاح، الذي يعمل سائقًا، مترددًا حياله، رغم ما لديه من أسباب كافية لأن يكون من أوائل المبادرين لتلقي اللقاح، لكنه أيضًا كان لديه من المخاوف ما جعله يتجنب الأمر.

والرجل في هذا الموقف المتحفّظ لم يختلف عن مصريين آخرين، بينهم أطباء، قرروا إرجاء القرار، على الأقل حتى يتأكدوا من عدم إضراره بمن تلقوه، في ظل ما يتردد من شائعات لا تستند إلى أسس علمية حول خطورة اللقاحات وأعراضها الجانبية، مع غياب حملات التوعية التي تحث المصريين خارج شبكة الإنترنت على تلقي اللقاحات.

لكن الأمر لا ينحصر في الشائعات فقط، فحين تكون الجرعات الموجودة لا تكفي سوى نسبة 7% من الشعب، فهذا سبب آخر لانخفاض نسبة التطعيمات، حتى بين الفرق الطبية التي تقف على خط المواجهة الأول ضد الجائحة، بجانب أسباب أخرى اختلفت بين ما نتج عن إجراءات من جهات رسمية ومسؤولين وبين ما يعود للمواطنين.

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، توفر جميع اللقاحات المعتمدة ضد كورونا حماية بنسبة 100% من الأعراض المتوسطة والخطيرة لمرض كوفيد-19، التي تستلزم النقل إلى المستشفيات أو الوضع على أجهزة تنفس صناعي، كما أنها تقي من الإصابات الخفيفة بالمرض.

يد القدر

يعتبَر السائق أحمد عبد الفتاح، وفقًا لما تعلنه وزارة الصحة من معايير، ضمن الفئة الأولى بتلقي اللقاح، ليس فقط بحكم بلوغه من العمر 51 سنة، بل لأنه أيضًا مصاب بمرض مزمن هو السكري.

في 4 مارس/ أذار 2021، بدأت وزارة الصحة تطعيم كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة ممن سجلوا بياناتهم على موقعها باللقاح، وكان عددهم وقتها 150 ألف مواطن تقريبًا.

إلاّ أن الرجل، رغم السن والمرض، ومع علمه بأمر اللقاحات منذ دخولها مصر، قرر الابتعاد نهائيًا عنها، وكان له في ذلك أسبابه "بدأت أقلق منها من ساعة ما نزلت، لأني سمعت إنها من الإمارات، وجت مصر بعد ما الإمارات رفضت اعتمادها، فبعتتها لمصر وأخدت نوع تاني غيرها".

ولكن هذه المعلومات التي حصل عليها عبد الفتاح غير دقيقة. ففي ديسمبر/ كانون الثاني الماضي أرسلت الإمارات شحنة من لقاح سينوفارم الصيني هدية إلى مصر، ولكنها مضت قدمًا كذلك في تقديم اللقاح نفسه، إلى جانب لقاحات أخرى، لمواطنيها والمقيمين فيها.


اقرأ أيضًا: التطعيم ضد كورونا: أو العودة إلى حياتنا العادية "الثمينة"

 

مواطنون مصريون في فعالية للأمم المتحدة- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

ولدت المخاوف في نفس عبد الفتاح بعد ما سمعه، وتعززت بعد ما رآه "كمان شوفت على يوتيوب واحد ألماني مترجمين كلامه، بيقول إن الفيروس ده متصنّع مش طبيعي، وإن الفيروس واللقاحات خطة علشان يقللوا عدد سكان الكوكب". وهذه واحدة من عدة نظريات مؤامرة انتشرت بالتزامن مع الجائحة، وجميعها لا تستند إلى أدلة علمية. 

خوفًا من "الموت باللقاح"؛ ابتعد الرجل عنه، حتى حين أصيب بأعراض تشبه الخاصة بكورونا "لما شكيت إني اتصابت؛ بقيت أتعامل بمسكنات وأدوية"، وبالمثل ترفض زوجته المصابة بضغط الدم التطعيم.

يتمسك عبد الفتاح بموقفه، ويدع الأمور بيد الله وقدره، ولن يتراجع إلا في حالة واحدة، أن يطمئن على حالات يتابعها "فيه ناس قدامي أخدوا اللقاح وحالتهم كويسة. وأنا لو بقيت على يقين إن اللقاح أمان واتطمنت ليه؛ هاخده. فأنا حاليًا منتظر اتطمن على اللي اتطعموا. إنما مش هاخد اللقاح وأنا خايف وشاكك".

وفقًا لما أعلنته وزيرة الصحة، بلغ إجمالي من تلقوا التطعيم منذ بدء حملته وحتى الآن 148 ألف و987 من الأطقم الطبية والمواطنين من الفئات المستحقة، بينما أعلنت الوزيرة في وقت سابق أنه تم تسجيل 1.1 مليون مواطن، بينهم الأطقم الطبية، على الموقع الإلكتروني للحصول على اللقاح.

قلق من "الصيني" 

عبد الفتاح لم يكن الوحيد الذي انتابه القلق من اللقاح، فالخوف ظل حاضرًا حتى بين العاملين في القطاع الطبي. ففي أحد المراكز الطبية بمحافظة أسوان، حيث يعمل الدكتور أحمد رجب عضو الزمالة المصرية لطب الأسرة، كانت مخاوف العاملين متساوية بين الفيروس واللقاح المضاد له، إلى أن بدأ الطبيب يقنعهم بعد أن بادر وتلقّى اللقاح رغم مخاوف والديه.

يعمل رجب في أسوان التي تتوافر فيها اللقاحات في مستشفى الصدر، ورغم أنه المركز الوحيد للتطعيمات إلا أن الإقبال عليه "لم يكن كثيفًا" حسبما شاهد رجب الذي حصل على اللقاح الوحيد المتوفر حينها، سينوفارم، قبل جلب جرعات من لقاح أسترازينيكا البريطاني.

رجب طبيب، وكذلك والده استشاري الجلدية المُقيم في الولايات المتحدة الأمريكية الذي حصل وزوجته على لقاح فايزر، وانتابهما خوف وقلق على الابن من اللقاح الصيني، وفقًا لما يحكيه للمنصّة "كانوا رافضين تمامًا إني اتطعم هنا. وأنا لبيّت رغبتهم لفترة طويلة، لأنهم كانوا قلقانين عليا بسبب اللي بيسمعوه عن اللقاحات هنا وآثارها الجانبية. لكن أنا كنت مقتنع بجدواها، خاصة بعد حضوري ويبينار طبي عنها".

مقابل هذه المخاوف المنتشرة عالميًا، أكد استشاري الأوبئة في منظمة الصحة العالمية، دكتور أمجد الخولي، أنه "من الصعب جدًا القول أيّ اللقاحات أفضل، لأن المأمونية والفاعلية تختلف من لقاح إلى آخر"، وهو الرأي الذي أكدته أيضًا كبيرة المستشارين العلميين لرئيس الحكومة الكندية دكتورة منى نمر، بقولها إن "البيانات الحالية لا تسمح بإصدار حكم من هذا النوع على اللقاحات، ومن المستحيل القول إنّ أحد اللقاحات أفضل من الآخر".

تلقى الطبيب اللقاح الصيني، حتى قبل أن ينال الضوء الأخضر من الهيئات الطبية الدولية، إذ أن سينوفارم لم يحصل على الضوء الأخضر من المنظمة الأبرز "الصحة العالمية" لاستخدامه، إلا في 7 مايو/ أيار الجاري، حين قررت منحه موافقة طارئة.

الرفض والخوف من اللقاح، لم يلمسه الطبيب من والديه فقط، بل ومن مساعديه في المركز الطبي الحكومي الذي يستقبل حالات بعضها يكون مشكوكًا في إصابته بكورونا "عندي في الوحدة الطبية اللي بشتغل فيها طقم التمريض بأكمله كان رافض التطعيم، وأنا أول شخص اتطعمت؛ ومع الوقت اقتنعوا بأهمية اللقاح؛ وبالفعل سجلت لهم على الموقع، فيما عدا ممرض واحد قرر ترك الأمور للقدر".

حذر وترقب 

دفع الحذر بعدد من الأطباء، من بينهم الدكتور محمد السيد استشاري ورئيس قسم الأشعة بمستشفى التل الكبير، إلى الانتظار قليلًا لحين استكشاف آثارها على مَن تلقوها.

يقول السيد للمنصّة "لم أتلق اللقاح حتى الآن، ولم أسجل. وإن كنت بالطبع أُفكّر في التطعيم. لكنني منتظر قليلًا حتى أرى تأثيره على مَن قرروا التطعيم، على الأقل في الشهور الثلاثة الأولى، لأني علمت بحدوث أعراض جانبية مختلفة لبعض زملائي وصلت مع البعض إلى الجلطة والحجز في المستشفى، وإن كان آخرين تلقوه ولم يصابوا بسوء".

يضيف الطبيب "لهذا بعض من زملائي وأصدقائي تبنوا نفس موقفي بعدم التطعيم الآن، ومنهم من كان قد سجل بالفعل، لكنه قرر الانتظار".

وسجلت التجارب السريرية التي جرت على لقاحات أسترازينيكا إصابة حالة واحدة من بين كل مئتي ألف حالة ببعض التجلطات. وهي نسبة أقل كثيرًا من احتمالات التعرض للتجلطات التي قد تسببها الإصابة بفيروس كورونا. 


اقرأ أيضًا: للسيطرة على الوباء في سوهاج: "استدعاء" مفاجئ يثير قلق أطباء المنيا

 

من إحدى مستشفيات العزل. الصورة: وزارة الصحة- فيسبوك

التريث في القطاع الطبي بشأن تلقي اللقاح هو سيد الموقف، وفقًا لما كشفته وزيرة الصحة في مؤتمر صحفي عقدته يوم 24 أبريل/ نيسان الماضي، وقالت "لاحظنا عزوف الأطباء عن الحصول على لقاح كورونا، ومن سجّل نحو 50% فقط، وأغلبهم لم يحضر للحصول على اللقاح".

قبل شهرين من ذلك التصريح، علّقت الوزيرة على رفض بعض الأطباء التطعيم، بقولها إن "لقاحات كورونا تُعد تجربة جديدة ومن حق الأطقم الطبية أن يأخذوا وقتهم في التفكير في تلقي اللقاح"، مرجحة أن يكون عزوفهم سببه أنهم "واجهوا الوباء؛ فبقى قلبهم جامد شوية وشايفين إن كورونا ممكن نعالجها".

يُشارك الوزيرة الرأي الدكتور محمد السيد، ويقول عن سر ضعف الإقبال إن سببه "الخوف من اللقاحات في ظل ما يتردد من أقاويل عن آثارها، بالإضافة لأنها أمر جديد، وهو ما يجعلهم (الأطباء والمواطنين) في حالة ترقب وانتظار للتأكد من فعاليتها دون أضرار".

الخوف بالفعل هو أحد الأسباب الرئيسية لرفض التطعيم، حتى بين مَن يحتكّون يوميًا بمصابي كورونا، ففي مستشفى عزل أبو خليفة بمحافظة الإسماعيلية، ومن بين 200 شخص يمثّلون عدد أطقمها الطبية، لم يتقدم للحصول على التطعيم سوى 87 شخصًا فقط، وفقًا لتصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة.

ورغم هذا، أعلنت وزيرة الصحة في تصريحات أدلت بها في فبراير الماضي أنه "تم الانتهاء من تطعيم الأطقم الطبية في مستشفيات العزل الرئيسية"، فيما يمثّل تضاربًا في التصريحات الصادرة من الجهة نفسها.

من بين اللقاحات المضادة لكورونا لقاح أسترزاينيكا وهو إنتاج مشترك بين جامعة أكسفورد وشركة بريطانية- سويسرية تحمل الاسم نفسه، والذي من المنتظر أن تستقبل مصر منه 1.7 مليون جرعة ضمن اتفاقية جافي لتوفير اللقاحات بشكل عادل في العالم. وهذا هو اللقاح الذي يرجو الطبيب محمد السيد أن يحصل عليه، حسبما ذكر للمنصّة، إلاّ أن وزيرة الصحة أعلنت أنه "لا توجد رفاهية للاختيار بين الأنواع المختلفة للقاحات".

وفي 24 أبريل الماضي، أعلنت وزيرة الصحة أن الدولة نجحت في التعاقد على 100 مليون جرعة من اللقاح، من ضمنها 40 مليون جرعة تم التعاقد عليها خلال اتفاقية الكوفاكس بالتعاون مع الاتحاد الدولي للأمصال واللقاحات (جافي) وجرعات تم التعاقد عليها مع الصين. كما ستبدأ في تصنيع 40 مليون جرعة من لقاح كورونا بمصر سنويًا ضمن اتفاقية التصنيع مع شركة سينوفاك الصينية.

الأولوية للآخر 

يخاف البعض من اللقاح؛ فيرفض الحصول عليه. ويحذر البعض منه؛ فيتريث حتى يرى آثاره في الآخرين. لكن بخلاف هذين الفريقين، يوجد فريق ثالث كان يرجئ الحصول على اللقاح، لأنه يرى أن آخرين أولى به منه في هذه المرحلة.

أحد أعضاء هذا الفريق الثالث، الدكتور رامي صبري، الصيدلي في إحدى الشركات الخاصة، والذي يقول للمنصّة عن سبب قراره "كنت أفكر في الحصول على اللقاح منذ توفّر، لكن باعتباري أعمل في شركة ولست من العاملين على خط المواجهة الأول مثل مُقدمي الخدمات الطبية في المستشفيات والعيادات؛ قررت الانتظار لحين حصولهم - وهم أولى به منّي- عليه".

 يستدرك الصيدلي "لكن عندما لم يتقدم كثيرون للتطعيم، سجلت اسمي دون مخاوف، لأني أثق في العلم، ولأن الخيار أمامي هو إما اللقاح أو التعرض لأذى العدوى بالفيروس".

وفقًا لما يحكيه الصيدلي للمنصّة، فقد سجل في مطلع أبريل/ نيسان الماضي في منطقة وسط البلد، لقُربها من محل عمله، وحصل بالفعل على الجرعة الأولى من لقاح أسترازينيكا، وما يزال في انتظار الثانية، وتم الأمر بـ"سلاسة"، على العكس من مناطق أخرى "ذات كثافة عالية" كالفيوم التي يعيش فيها والديه اللذين لم يتلقيا ردًا سوى بعد أسبوعين من التسجيل، ومصر الجديدة التي ما يزال بعض من سجلوا فيها من أصدقائه في انتظار الرد.


اقرأ أيضًا: كورونا في سوهاج: 9 مستشفيات عزل كاملة العدد ومبادرات مجتمعية لدعم المصابين

 

وزيرة الصحة في زيارتها لمستشفى حميات سوهاج. الصورة: المتحدث باسم الوزارة- فيسبوك

حصل صبري على أسترازينيكا المتاح أمامه، والذي كان سيختاره لو كانت هناك بدائل، وكان له في هذا الأمر أسبابه "عندي عدم ثقة في المنتجات التي تظهر دون شفافية وإعلان عن الدراسات العلمية الخاصة بها ومراحل تطويرها حتى مع اعتمادها في دول أوروبية مثل سبوتنيك الروسي وسينوفارم الصيني، بالإضافة إلى أن الصين هي البلد الذي سجن مَن أعلن عن كورونا في البداية".

وكان صبري يشير إلى طبيب العيون الصيني لي وين ليانج الذي يعد من أوائل الأطباء الذين رصدوا إصابة عدد من المرضى بأعراض كورونا، وعندما أرسل مشاهداته إلى بعض زملائه، ألقي القبض عليه وزج في السجن لعدة أيام قبل أن يفرَج عنه بعد أن أجبر على التوقيع على أنه نشر "تعليقات كاذبة" أدت إلى "زعزعة الاستقرار الاجتماعي". وفي وقت لاحق أصيب بكورونا وتوفي في فبراير/ شباط 2020. 

في 22 أبريل الماضي، أعلن صندوق الاستثمار المباشر الروسي الذي يسوِّق اللقاحات المضادة لفيروس كورونا بالخارج، عن اتفاق مع شركة مينا فارم المصرية لصناعة الأدوية على إنتاج أكثر من 40 مليون جرعة سنويا من لقاح (سبوتنيك في)، بدءًا من يونيو/ حزيران المقبل.

"لست ضد أي لقاح، ومع الاستعانة بأي لقاح متوفر"، يقول دكتور أحمد حسين، الطبيب النفسي بمستشفى العباسية، والذي قرر مثل صبري إرجاء حصوله على اللقاح لأنه لا يعمل حاليًا في تقديم الخدمة الطبية، بل يعمل بصورة تطوعية في عدّة مستشفيات، وهناك "مَن هم أولى باللقاح"، على حد قوله للمنصّة.

لكن في 18 أبريل الماضي، حين تم إتاحة المصل للجميع، وبعد أن لمس "عدم الإقبال من الأطباء"، سجل حسين لتلقي اللقاح في اختيار "طبيب لا يُقدّم الخدمة الطبية"، وحصل على الجرعة الأولى يوم 2 مايو الجاري.

على الرغم من "عدم الإقبال" الذي يتحدث عنه حسين، إلاّ أنه يشكك في الـ20% المعلن عنها باعتبارها نسبة الأطباء الذين تلقوا اللقاح، وقال "أعتقد أن نسبة المقبلين على التطعيم أكبر من هذا الرقم، لكن هؤلاء فقط هم من تم تطعيمهم. ولا يجب أن نسلِّم بالإحصائيات في المُطلق في ظل ما نراه من غياب للتنسيق بين الجهات المعنية".

يعيب الطبيب على الإجراءات الحالية المتبعة مع الأطباء، ويقول "طالما وزارة الصحة قررت منح الأطباء أولوية في التطعيم؛ فالمفروض أن يتحقق الأمر بلا بيروقراطية، وبالتنسيق مع النقابة، أو بتخصيص مراكز ثابتة في المستشفيات لضمان تطعيم الأطباء ولتقليل التكدس الذي تعرّضت له بنفسي وأنا أحاول التطعيم في أحد مراكز سوهاج".

تضارب ومخاوف 

حصل حسين على تطعيمه، وكان في هذا الأمر أوفر حظًا من زملاء له، إذ رصد خلال تواجده في المركز أثر تضارب الإجراءات والمواعيد عليهم "ما لمسته خلال حصولي على التطعيم هو غياب التنسيق؛ الذي دفع بعض الأطباء لتكرار التردد على المكان بعد انتظارهم لفترة بلغت 6 ساعات في مكان مزدحم، والحل يمكن أن يكون في مراكز داخل المستشفيات للأطباء؛ ما سيقلل الضغط على المراكز العامة".

حدث التكدس، رغم إعلان الوزيرة في 8 أبريل الماضي عن التوسع في أماكن تلقي اللقاحات حتى وصلت إلى 169 مركزًا على مستوى الجمهورية، وأنها ستصل بعد أسبوع واحد من ذلك التاريخ إلى 350 مركزًا.

المواعيد غير المنضبطة لم يرصدها الطبيب في المركز مع زملائه فقط، بل ومع أفراد من عائلته أيضًا "عن نفسي اتطعمت في وقت جيد مقارنة مثلاً بأمي وأختي اللتين سجلت لهما من 20 مارس الماضي ولم يتلقيا أي رسائل حتى الآن، رغم أن والدتي مُسنة ومصابة بأمراض مزمنة، وكذلك شقيقتي مصابة بمرض مزمن. ومع العلم بأننا جميعًا سجلنا في المكان نفسه. ولا أعلم لهذا التأخير سببًا".

تنتظر الأم والشقيقة رسالة للحصول على اللقاح، على العكس من آخرين عازفين عن الحصول عليه، مثل عبد الفتاح، وعن سبب هذا العزوف يقول الصيدلي رامي صبري "البعض يرى أن اللقاح لم يأخذ الوقت الكافي في الدراسات والتي تصل أحيانًا لسنوات، والبعض يؤمن بنظرية المؤامرة".

وهناك سبب آخر يشير إليه الطبيب أحمد حسين، ويقول "ربما العزوف والتردد بسبب الإقرار الذي يجب التوقيع عليه قبل التطعيم، وهو المكتوب بصيغة مقلقة مُريبة وبها تزيّد ومبالغ فيها، بجانب غياب المعلومة الكاملة عن المواطن، وكان لابد منذ أن وصلت اللقاحات أن تستعين وزارة الصحة بكيان إعلامي متخصص في الدعاية والإعلان لتنظيم حملات توعية عبر الوسائل الأكثر انتشارًا مثل التلفزيون والإذاعة".

 

الإقرار اللازم توقيعه قبل تلقي لقاح كورونا- صورة بإذن خاص للمنصة

وتابع حسين "وكان لابد ألا يقتصر الأمر على بيانات جافة بإحصائيات المصابين والمتعافين والوفيات، بل تقديم تفاصيل عن الفيروس واللقاحات وكيفية التسجيل، وغيرها من المعلومات الضرورية لتوعية المواطن؛ ومن ثَم إكسابه الثقة في اللقاحات. لكن للأسف، البعض لديه نظرية مؤامرة وقلق من اللقاحات، وفي المقابل للأسف أيضًا لا توجد جهة تدحض الشائعات والمخاوف".

تخبّط إداري

انخفاض نسبة التطعيمات حتى بين الأطباء، والتي شكت منها الوزيرة نفسها، ليست وليدة الخوف والشكوك فقط، فهناك أسباب تتعلق بأخطاء في إدارة هذا الملف، حسبما رصد الدكتور أحمد عزب، الباحث في ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي استهل حديثه بتأكيد أن مصر "على المستويين النظري والعملي، تمتلك برنامج تطعيمات مجاني للأطفال، يعتبر من أقوى برامج المنطقة".

وأشاد الباحث بالنجاح المصري أيضًا في إدارة حملة فيروس سي، بقوله عنها "قدروا (الجهات المعنية) في النهاية يفحصوا 60 مليون مواطن"، وهو ما علّق عليه بالقول "وده معناه إن الناس لما بتلاقي خطط منظّمة وممنهجة؛ بتستجيب ليها".

لكن فيما يخص كورونا، اختلف كلام عزب، الذي قال للمنصّة "هنا الأمر مختلف تمامًا. إذ أن الإنترنت والمواقع المختلفة هي المتحكمة في تدفق المعلومات حول الأمر، وللأسف وزارة الصحة لا تقوم بدورها فيما يتعلق بالإعلان عن اللقاحات والتوعية بفعاليتها وبكونها مجانية وتصحيح المعلومات المغلوطة عنها؛ ما خلق فراغ معلوماتي".

يُشير الباحث إلى أنه على مستوى مصر "لم يحصل على اللقاح سوى مليون شخص فقط، ولم يُسجل للحصول عليه سوى اثنين مليون"، وهو ما قارب الرقم الذي أعلن عنه المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور خالد مجاهد يوم 28 أبريل الماضي، بقوله إن "إجمالي من سجلوا لتلقي اللقاح مليون و800 ألف مواطن"، مُعترفًا بـ"تخوف المواطنين من اللقاح لأنه حديث".

لكن قلّة عدد المسجلين يردّها الباحث عزب إلى أسباب منها "الاستعلاء على الشعب واستبعاد شريحة منه، بسبب ربط التطعيم بالتسجيل عبر موقع إلكتروني، وهو القرار الخاطئ، ليس فقط بسبب نسبة الأمية وعدم تمكّن قطاع كبير من استخدام الإنترنت، بل أيضًا لما يلي التسجيل من تواصل عبر رسائل هاتفية"، متساءلاً "فأين وسائل الإعلام من هذا الأمر بالحملات الشارحة؟".


اقرأ أيضًا: عالم تسوده الفوضى: كوفيد-19 بين عامين

 

كمامات- الصورة: Flickr برخصة المشاع الإبداعي

وقارن عزب في هذه النقطة بين مصر ودولة مجاورة هي المغرب، والتي قال عنها إنها "مثل مصر، تعتمد على اللقاحات الصينية، ونجحت حتى الآن في تطعيم 10 ملايين شخص بالجرعة الأولى للقاح و4 ملايين بالثانية، بل وبدأت في تطعيم السجناء. كما اعتمدت على تقسيم التطعيم عبر الشرائح السنية، وأطلقت نداءات لكل فئة مستهدفة بكافة تفاصيل التطعيم"، مُعلقًا "وهنا تظهر الفروق بين المهتم، وبين من ليس لديه إرادة، ويعتمد على المنح".

كميات محدودة 

أعلنت وزارة الصحة، في 31 مارس/ أذار الماضي، وصول 854 ألف و400 جرعة من لقاح فيروس كورونا من إنتاج شركة "استرازينيكا" في إطار اتفاقية "كوفاكس" شبه الخيرية التي تستهدف توفير اللقاح لملياري شخص حول العالم خلال عام 2021، وذلك ضمن 40 مليون جرعة من المقرر استقبالها تباعًا.

قبل شهرين من هذا التاريخ، أعلنت الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي عن وصول 50 ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من إعلانها التعاقد للحصول على 20 مليون جرعة منه ومن لقاح فارما، وبعد أسبوعين تقريبًا من إعلانها الاتفاق مع منظمة "جافي" العالمية على تأمين جرعات من اللقاح تكفى لتغطية احتياج 20% من التعداد السكاني لمصر.

والكمية الموجودة بالفعل في مصر من لقاحات تبلغ إجمالًا مليونًا و54 ألف جرعة، موزعة بين "650 ألف جرعة من لقاح سينوفارم وصلت في شهور ديسمبر 2020، وفبراير ومارس 2021، و904 ألف جرعة من أسترازينيكا، منهم 854 ألف ضمن اتفاقية كوفاكس".

تعاقدات متأخرة

فيما يخص تعاقدات اللقاحات، انتقد الباحث أحمد عزب "التحرك البطيء" حيالها، متسائلًا "لماذا لم يبدأ التعاقد على منذ سبتمبر وأكتوبر 2020، حين تم الإعلان عن بدء الترخيص للقاحات؟".

ربما في هذه الحالة كانت مصر ستتجنب أزمة العدد المحدود للقاحات، والذي أظهر موقع فاكسين تراكر أن كميتها كافية لنسبة 7% فقط من السكان المستهدفين.

تعكس هذه النسبة "غياب عدالة في توزيع اللقاحات" انتقدتها منظمة الصحة العالمية، في تقرير صادر عنها يوم 23 أبريل الماضي، مُستندة في ذلك إلى إحصائيات كشفت أنه "من حوالي 900 مليون جرعة لقاح تم إنتاجها على مستوى العالم، ذهب 81% منها للبلدان ذات الدخول المرتفعة أو المتوسطة العليا، في حين تلقت الدول منخفضة الدخل 0.3% فقط".

هذا الأمر هو ما ندد به الباحث، معتبرًا إياه "يكشف غياب عدالة التوزيع واللامساواة بين دول الشمال التي صارت على وشك الانتهاء من تطعيم شعبها ودول الجنوب التي لم ينته أغلبها بعد من تطعيم حتى الأطقم الطبية".

الانتقاد لهذا الأمر جاء أيضًا من وزيرة الصحة، التي قالت إن "85% من لقاحات كورونا بالعالم ذهبت إلى 12 دولة فقط"، فيما يتفق مع تحذيرات أطلقها موقع أوكسفام في ديسمبر/ كانون الأول 2020 من أن "9 من بين 10 أشخاص في الدول الفقيرة لن يتمكنوا من الحصول على اللقاح".

على الرغم من هذا التوزيع ومن محدودية الكمية الموجودة في مصر، إلا أن وزيرة الصحة نفسها خرجت لتعلن النجاح في التعاقد على 100 مليون جرعة لقاح، فيما أعلن المتحدث الإعلامي باسم الوزارة في الأسبوع الأخير عن "اتصال مع السفير الصيني لدى القاهرة، لبحث إرسال دفعة جديدة من لقاح سينوفارم خلال أبريل تضم 500 ألف جرعة"، وهو ما لم يصل رغم انتهاء أبريل.

ويعلّق الباحث أحمد العزب على هذه التصريحات بقوله "أين دفعات هذه اللقاحات؟ ولماذا لم يتم الإعلان عن موعد توريدها؟"، لافتًا إلى أن الإعلان عن التوريدات "ليس دور وزيرة الصحة. إذ أن هناك هيئة مسؤولة عن هذا الأمر"، مُختتمًا بمطالبة الجهات المعنية بمساءلة المسؤولين عن هذه التصريحات، وعن بطء التعاقد على اللقاحات "لأن ما حصلت عليه مصر انقسم بين هدية من الإمارات والصين وبين ما تورّده مبادرة كوفاكس، فيما يُشبه المنحة".