وزير التربية والتعليم خلال زيارة إحدى المدارس الفنية - المصدر: الصفحة الرسمية للوزير طارق شوقي (فيسبوك)
-

أكبر من رجال الأعمال: مصاعب أمام خطة الحكومة لتطوير التعليم الفني

منشور الاثنين 28 فبراير 2022

استقبل عماد السيد، وهو ولي أمر طالب في الشهادة الإعدادية، إعلان وزارة التربية والتعليم الأخير، بتشكيل أول مجلس استشاري لتطوير التعليم الفني، بترحاب وتخوف في آنٍ. من جهة يرغب الأب في التحاق نجله بمدرسة فنية، هربًا من الثانوية العامة وأزماتها المتكررة، لكنه يخشى في الوقت ذاته ألا ينتج عمل ذلك المجلس عن تطوير حقيقي، ليظل التعليم الفني كما هو، سواء على مستوى ما يقدمه من مادة علمية، أو الصورة الذهنية السيئة عنه لدى المجتمع.

يدرك الأب الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة قيمة التعليم الفني، بحكم امتلاكه مجموعة محال تجارية لبيع الأجهزة الكهربائية في مدينة دمنهور بدلتا مصر، لكن المشكلة بالنسبة له في  وضع المدارس الفنية فهي"بلا انضباط، ولا سيطرة على الطلاب، وتخصصاتها عقيمة، وتفتقد التدريب العملي، الذي هو الأساس لتأهيل الخريج لسوق العمل حتى لا يتحول إلى عاطل". ومع أن خطة الحكومة الجديدة تعد بطفرة شاملة في التعليم الفني، وربطه بسوق العمل، غير أن الأب، متشككًا في القدرة على تحقيق ذلك. 

خطة التطوير

شكلت الحكومة مجلسًا استشاريًا فنيًا لتطوير التعليم الفني يتكون من "وزراء التربية والتعليم والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والتجارة والصناعة، والتعاون الدولي، بالإضافة إلى شركاء التنمية الدوليين وممثلي القطاع الخاص". وتستهدف من خلاله زيادة نسبة الطلاب الملتحقين بالتعليم الفني من 55% إلى 70% بحلول عام 2024، وفق وزير التربية والتعليم طارق شوقي، ووزيرة التخطيط هالة السعيد.

وتقوم خطة التطوير على عدة محاور منها "تطوير المناهج، وتحديث التخصصات لربطها بسوق العمل، وزيادة التعاون مع القطاع الخاص باعتباره المشغل الرئيسي لطلاب المدارس الفنية، مع زيادة عدد المدارس الفنية التكنولوجية من 34 مدرسة لتصبح 340، ومن أمثلتها "مدرسة خاصة بصناعة الذهب، وأخرى للأجهزة الكهربائية، وثالثة لصناعة الأثاث عبر التكنولوجيا، ورابعة للتكنولوجيا الحيوية، وخامسة للسيارات، وسادسة للوجستيات البحرية، وسابعة لتكنولوجيا الاتصالات، وهكذا".

ومع أن تلك المدارس أثبتت فاعليتها في تدريب الطلاب، لكنها محدودة، ولا تقبل أكثر من أربعة آلاف طالب سنويًا، في حين يلتحق بالتعليم الفني 700 ألف طالب سنويًا، غالبيتهم في المدارس الفنية التقليدية (صناعي، زراعي، تجاري، فندقي). فيما يبلغ إجمالي عدد الطلاب في التعليم الفني بمراحله المختلفة 2 مليون و190 الف و721 طالب، بحسب آخر إحصائية رسمية معتمدة من الوزارة للعام الدراسي "2021-2022".

 

وتخطط الحكومة لزيادة المدارس التكنولوجية الحديثة بالشراكة بين وزارة التعليم، ورجال الأعمال والمستثمرين المحليين والأجانب، والهيئات الدولية المانحة والمهتمة بالتعليم الفني، مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، وبنك التعمير الألماني، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومشروع قوى عاملة مصر الممول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومشروع دعم وإصلاح التعليم الفني والتدريب المهني الممول من الاتحاد الأوروبي والحكومة المصرية.

وتراهن الحكومة على رجال الأعمال وأصحاب المصانع في خطتها، إذ ستوكل إليهم مهمة تقييم الطلاب، وذلك عبر تشكيل لجان تحكيم من النخبة منهم، ليقرروا إذا ما كان هذا الطالب اكتسب المهارات المطلوبة لسوق العمل خلال فترة دراسته أم لا، وبعدها يتم منحه ما يمكن اعتباره "رخصة وظيفية"، وبموجبها لن يكون الخريج بحاجة إلى تدريب جديد، عند تقدمه لأي وظيفة، لأنه بالفعل مدرب وماهر وذو خبرة.

اقرأ أيضًا| على أنقاض الثانوية العامة: التعليم الفني كملاذ آمن

 


ويقول نائب وزير التربية والتعليم لشؤون التعليم الفني، الدكتور محمد مجاهد، للمنصة إن خطة الوزارة تتضمن أيضًا إنشاء كيان متخصص لتدريب معلمي المدارس الفنية على اللغات الأجنبية، تمهيدًا لإضافتها بالمناهج، باعتبار اللغة جزء من احتياجات سوق العمل، سواء داخل مصر أو خارجها، فسوق العمل المصري لا يستوعب 700 ألف خريج سنويًا، "ولذلك نريد تدريبهم فنيًا ومهاريًا بالإضافة إلى دراسة اللغة الإنجليزية، ليكونوا مؤهلين للانطلاق في أي دولة، أو مع أي مستثمر أجنبي".

ويضيف: هناك خطة لأن تكون التخصصات والمناهج مرتبطة بالتنمية والاستثمار، وتوطين الصناعات الكبرى في مصر، دون الحاجة لأيدٍ عاملة مستوردة من الخارج، لذلك يتم الاستعانة برجال الأعمال والمستثمرين في عملية التطوير.

تطوير على الورق

فيما يرى نائب وزير التربية والتعليم السابق لشؤون التعليم الفني، الدكتور  أحمد الجيوشي، أن ما يشهده التعليم الفني من ناحية التخطيط شيء محترم، لكن المشكلة في التنفيذ على الأرض، "يعني إحنا بنعمل مناهج جديدة مرتبطة بسوق العمل، لكن معنديش أدوات في المدارس تخليني أطبقها، معنديش مواد خام أدرب الطلاب على المناهج دي، علشان لما يتخرجوا يبقوا فاهمين هم درسوا إيه وبقى عندهم مهارات شكلها إيه".

وأضاف الجيوشي "المناهج مش هتدرب نفسها، أنت كطالب عايز تبقى فني محترف، لازم يكون في إيدك خامات حديثة تساعدك على تكوين مهاراتك الفنية قبل ما تتخرج. التعليم الفني الحقيقي محتاج امتحان كل أسبوع يقيس مهارات الطالب. مش هيبقى عندي تعليم فني قوي إلا بمنظومة منضبطة، عندها أدوات وإمكانيات وإرادة".

يعاني التعليم الفني، بمختلف فروعه، الصناعية والفندقية والتجارية والزراعية، من تخصصات لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل المعاصر، فمثلًا، هناك تخصص في المدارس التجارية يحمل اسم "الآلة الكاتبة"، وهذه كانت موجودة في الستينيات، ومن الطبيعي أن يتخرج طالب هذا القسم، عاطلًا عن العمل.

ويضيف الجيوشي أن مشكلة التعليم الفني مرتبطة بما يعرف بـ"التعلم في بيئة العمل"، وهذا معمول به في أكبر الدول الصناعية بالعالم، لكنه غير موجود بالمدارس الفنية المصرية إلا لشريحة قليلة جدًا من الطلاب، فقط من الملتحقين بالتعليم الفني في أماكن توفر لهم التدريب العملي، كالمصانع ومدارس مبارك كول، والمدارس التكنولوجية الجديدة.

لذلك، وفق كلام الجيوشي، فإن التقييم بالنسبة للطلاب، ولو بمشاركة رجال الأعمال، أو بأي طريقة كانت، ليست المرحلة الأهم، ولا هي التي ستكشف الماهر من الضعيف، بل التدريب أولًا "اللي بيحصل غير كدة مجرد تستيف أوراق.. انت هتجيب حد يقيمه على أساس إيه وهو أصلا مدربش". 

ويتفق معه الأكاديمي والخبير التربوي كمال مغيث، قائلًا  إن دخول رجال الأعمال في منظومة تطوير التعليم الفني ليس أزمة، حتى لو شاركوا في تقييم الطلاب، وهذا قانوني لأن القانون يتيح لوزارة التربية والتعليم إدخالهم تحت مسمى أعضاء مجلس أمناء، لكن "الإيحاء بأن هذه الخطوة كافية لتطوير التعليم الفني، قمة الخطأ، لأن المنظومة برمتها بحاجة إلى مسارات أخرى أكثر واقعيةً وإنجازًا، لأن التعليم الفني وضعه سيء للغاية،  وللأسف أغلب الطلبة لا تعرف تقرأ وتكتب".

ويضيف نائب الوزير السابق الدكتور أحمد الجيوشي، "لما يحصل تعليم وتدريب وتأهيل حقيقي هتيجي الناس عندك، لأنك بتخرج شخص مؤهل للوظيفة بالفعل، رغبةً في التعليم الفني مش هروبًا من الثانوية العامة".

والهروب من الثانوية العامة هو المبرر الذي يحرك الأب عماد السيد عند  تفكيره في إلحاق نجله بالتعليم الفني، قائلًا للمنصة"الثانوية  مكلفة جدًا، ومرهقة نفسيًا للطالب والأسرة، وفي النهاية صعب الطالب يوصل لكلية قمة، إلا لو كان الطالب أسطورة".

الوزارة تدافع

من جانبه، يؤكد نائب وزير التربية والتعليم لشؤون التعليم الفني الدكتور محمد مجاهد، على استعداد الوزارة لإحداث طفرة حقيقية في التعليم الفني. وقال للمنصة، إن هناك شراكات عديدة أبرمت مع القطاع الخاص لتطبيق فكرة التعليم داخل بيئة العمل، معترفًا بوجود تحديات كثيرة لتشعب المشكلات التي ورثتها الوزارة من الماضي، سواء على مستوى المناهج، والتخصصات القديمة، وتدريب المعلمين، ونقص المواد الخام، وعدم وجود هيئة جودة خاصة بالتعليم الفني، لافتًا إلى أن تلك الهيئة تم إقرارها مؤخرًا بمجلس النواب، لتقيس بنفسها جودة المدارس الفنية وتحدد المطلوب لها.

وأضاف مجاهد أن تخصصات المدارس الفنية تم تطوير جزء كبير منها، خصوصًا في التعليم التجاري، لتغيير شكل وأسلوب الدراسة فيه، بما يتناسب مع المستهدف منه، لافتًا إلى أن من 60 إلى 70% من الملتحقين بهذه المدارس، من الإناث، لذا تولى الحكومة اهتمامًا لإدخال ريادة الأعمال في المناهج، فالحكومة ترغب في فتح مجالات توظيف أمام المرأة، كنوع من التمكين.

وبحسب الإحصائية الرسمية الصادرة عن الوزارة واطلعت عليها المنصة فإن نسبة الإناث في التعليم التجاري 57.6% من إجمالي الطلاب الملتحقين بتلك المدارس. 

ويعتبر نائب الوزير أنهم حققوا نحو 60% من التغيير المستهدف في خطة التطوير حتى اﻵن، على أمل جذب الطلاب وتغيير نظرة المجتمع للتعليم الفني.

 في المقابل، لا تبدو خطة الوزارة بالثبات والتحققية التي يتحدث عنها نائب الوزير، إذ أكد مصدر مسؤول بقطاع التعليم الفني وهو من الدائرة المقربة للوزير، فضل عدم ذكر اسمه، للمنصة، نقص الخامات في المدارس الفنية، والمرتبطة بنقص التمويل، مشيرًا إلى أن "الوزارة ستطلب رسميًا من وزيرة التخطيط، زيادة الدعم المالي المقدم للتعليم الفني، وسيتم إبلاغها صراحة، بأن عدم وجود دعم مالي، يعني أن كل ما تم التخطيط له لن يتحقق، لا مناهج جديدة، ولا تقييم وتدريب حقيقي، لأن التنفيذ على الأرض، مرتبط بالوفرة المالية، أولًا، وقبل أي شيء".

فرص الالتحاق بالجامعة

وبخلاف مدى قابلية خطة الوزارة للتحقق على الأرض، يبرز تحدي آخر عند الحديث عن التعليم الفني، وهو الفرص الضئيلة لطلابه للالتحاق بالجامعة، والحصول على شهادة عالية، ما يعزز الصورة السلبية عن ذلك التعليم مجتمعيًا. وبسبب ذلك يتخوف عماد السيد من إلحاق ابنه بالتعليم الفني،  يقول "وصمة الفقر والفشل الدراسي هتفضل تطارده، حتى لما يتخرج ويتقدم  لأي بنت للجواز، هيكون ردها وأهلها جاهزًا، أنت خريج دبلوم فني، أي مؤهل متوسط، ومش خريج جامعة".

يضيف الأب "الحكومة عايزة تعمل حاجة كويسة لكن مش عارفة تطبقها صح، يعني عايز الطلبة تدخل مدارس فنية، وبعدين تقولهم أماكنكم في الجامعة محدودة، طيب اشمعنى طالب الثانوي له كلية في أي جامعة. طالب مين اللي هيدخل فني علشان يقعد في البيت ميكملش جامعة".

وتحاول الحكومة الرد على تلك النقطة أيضًا، يقول نائب الوزير لشؤون التعليم الفني، إن هناك تنسيق مستمر بين ووزارة التعليم العالي لإدخال مسارات لخريجي التعليم الفني في الجامعات التكنولوجية التي أنشأتها وزارة التعليم العالي مؤخرًا، وستنشئها مستقبلًا، عبر زيادة أعداد خريجي المدارس الفنية بها، لجذب المزيد من الطلاب للالتحاق بالتعليم الفني، وحصولهم على مؤهل عال وليس متوسطًا.

وحتى الآن، تم إنشاء ثلاث جامعات تكنولوجية تستهدف طلاب التعليم الفني، وهي جامعة القاهرة التكنولوجية الجديدة، جامعة الدلتا التكنولوجية، جامعة بني سويف التكنولوجية، فيما يجري إنشاء ست جامعات تكنولوجية جديدة، وهي الجامعة التكنولوجية بأسيوط الجديدة، الجامعة التكنولوجية بمدينة طيبة الجديدة (الأقصر)، الجامعة التكنولوجية بمدينة 6 أكتوبر، الجامعة التكنولوجية ببرج العرب، الجامعة التكنولوجية بشرق بورسعيد، الجامعة التكنولوجية بسمنود.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك الجامعات ليست مجانية، فرغم أنها حكومية لكن مصروفاتها تبلغ ثمانية آلاف جنيه في الفرقة الأولى، و12 ألف جنيه في الفرق التالية.

وبرغم الإيجابية التي تحدث عنها نائب الوزير، بفتح المجال أمام الطلاب للالتحاق بالجامعات التكنولوجية، لكن عماد لا يزال التعليم الفني بالنسبة له، كما تحدث عنه الخبيران الجيوشي ومغيث، عبارة عن مدارس تجمع ضعاف المستوى، ويتم فيها تهميش المجتهد، لا تعليم ولا تدريب ولا تأهيل، ومهما بلغت مثالية الأفكار المطروحة للتطوير، فإن الناس لا تشعر بها، لأنها غير ظاهرة على الأرض، ولا تزال الأغلبية تخشى وصمة "الدبلوم"، لذلك قد تنتهي معادلة الأب عماد السيد أن يختار مجازفة الثانوية العامة على جنة التعليم الفني المُتخيلة، يقول"يبقى معاه مؤهل عالِ زي باقي أخواته، طالما أن مصر بلد شهادات".