مسلسلات تتناول الصعيد والثأر أذيعت في رمضان المنقضي

الصعيد الذي لا يعرفه مؤلفو المسلسلات

من المثير للغضب والدهشة أنه يمكنني أن أجد دراسات عن المجتمعات المهمشة في ناميبيا على الإنترنت، ولا يمكنني إيجاد بحث واحد شبيه عن المجتمعات المهمشة في مصر.

نشأتي في الصعيد جعلتني لا أرى مصداقية في كثير من الأعمال التي تُقدَّم عنه خلال السنوات الأخيرة، فقررت التوقف عن متابعتها، فلا جديد يُقدم عن مجتمعي، بل يُعاد إنتاج نفس الصور النمطية مرارًا وتكرارًا منذ أفلام الستينات التي اهتمت بالصعيد في إطار موجة سينمائية جديدة ومميزة. أجدني بحكم نشأتي الصعيدية أتوتر من رؤية هذه الأعمال، خاصة مع تلك اللهجة الهجينة التي عمَّمها الكتاب والممثلين على كافة مسلسلات الصعيد.

في الموسم الدرامي السنوي في رمضان عادة ما يكون هناك مسلسل أو اثنان، يفترض أن تدور أحداثهما في الصعيد. وفي رمضان المنقضي، عُرض على شاشات الفضائيات مسلسلات تدور أحداثها في الجنوب أشهرها -كما وصلني- مسلسلي "طايع" و"نسر الصعيد"، الثاني من بطولة الممثل الذي يحوز منذ سنوات لقب الأعلى مشاهدة؛ محمد رمضان. أما الأول -الذي حاز النصيب الأكبر من الاهتمام- فهو مسلسل "طايع" الذي قام ببطولته الممثل الأشقر عمرو يوسف. ورغم قراري سابق الذكر بعدم مشاهدة أي مسلسل رمضاني؛ أثارت الضجة المحيطة بمسلسل طايع فضولي، ظننت أن أحدهم قرر أن يفاجئ المشاهدين بعمل درامي مبني على المعايشة أو البحث، بشكل ينم عن محاولة حقيقية لفهم ومعرفة المجتمعات الصعيدية. فجاءت النتيجة مخيبة للآمال.

"التار يا ولد.. التار ولا العار" مقولات ممجوجة قُتلت سخرية حتى في الدراما ومسرح
الإيفيهات" السهلة، ورغم أنها مكررة وسخيفة جدًا، إلا أنها تظل محورًا يكاد يكون وحيدًا للدراما القدمة عن الصعيد. ورغم أن المسلسلات عادة لا تطرح القضية بشكل ساخر، إلا أنها من فرط المبالغة والإصرار والتكرار؛ صارت هزلية جدا وبشكل غير مثير للضحك بالمرة.

في المسلسل يتورط طايع الطبيب الشاب الرافض لعادة الثأر في تهريب الآثار، موضوع ثان محبب لكتاب المسلسلات التي تدور في الصعيد، فكما نعلم تجارة الأثار والسلاح وأحيانًا المخدرات، هي الأنشطة الاقتصادية الوحيدة لأبناء الصعيد، حسب رؤية كتاب ومخرجي السينما والدراما التلفزيونية.


يحب صناع الدراما في وريقاتهم الدعائية أن يكتبوا "يكشف المسلسل عن خبايا ..."، لكني كلما طالعت مسلسلا من مسلسلات الصعيد لا أجد كشفًا أو حتى محاولات للكشف عن أي شيء. لا يوجد سوى تكرار أبدي للحديث عن الثأر والآثار والسلاح.

المسلسلات والأفلام كلها تبدأ بنفس التيمة: شاب مثقف أو طيب وربما كلاهما معًا، رافض للثأر ويحاول إقناع أهله بإعفائه من القتل، أو يهرب خوفًا من التعرض للقتل في ثأر هو بريء منه. هذا الشاب الطيب يجد نفسه متورطًا ليس في الثأر فقط، بل في مواقف أخرى أكبر منه تستدعيها ضرورة إيجاد حبكات تمتد على 30 حلقة أو يزيد. حدث هذا في مسلسل طايع وحدث في فيلم كوميدي لمحمد هنيدي، وتكرر في فيلم الجزيرة لأحمد السقا. دائما البطل برئ لكنه يتورط، وفي رحلته تلك يفقد من الأحباء الكثير قبل أن يفقد حياته أو يصل لتحقيق بطولته بالقضاء على العصابة الشريرة (مخدرات - سلاح - آثار) ويقنع أهله بالتخلي عن الثأر.

اقرأ أيضًا: الشِّعر في قطار الصعيد

إذن صناع هذه المسلسلات والأفلام لا يكتفون بتكرار الموضوعات، بل يمتد التكرار إلى الحبكات الدرامية التي ينبني عليها المسلسل أو الفيلم.

تفسير منطقي

ألا يعرفون عن الصعيد إلا الثأر؟

للوهلة الأولى تبدو إجابة هذا السؤال؛ بلى، هم لا يعرفون عن الصعيد إلا الثأر. لكن السؤال في الحقيقة يستحق بعض التدبر.

أولا، ظاهرة الثأر التي يصر كتاب السينما والدراما على إلصاقها بالصعيد، هي ظاهرة لا تقتصر على الصعيد وحده. فأرشيف الأخبار يحتفظ بالعديد من التقارير حول خصومات ثأرية في العديد من محافظات الدلتا (فلاحين) ولمحافظة المنوفية نصيب الأسد من تلك الخصومات.

وبالعودة للصعيد، ورغم أننا في مصر نفتقر لدراسات جادة مُعلنة عن الظواهر الاجتماعية؛ إلا أن تصريحات القيادات الأمنية وأساتذة علم الاجتماع الذين من صميم عملهم رصد تطور تلك الظواهر، تشهد في معظمها بتراجع ممارسة عادة الثأر في الصعيد.

في ظني أن غياب الدراسات، وكون أغلب كتاب ومخرجي هذه المسلسلات والأفلام من أبناء القاهرة والأسكندرية، جعلهم غير عارفين بهذا المجتمع الذي يبدو لهم مثيرًا ومغلقًا.

اللواء أحمد أبو الفتوح مدير أمن سوهاج منذ سنتين، أصدر تصريحات صحفية قال فيها إن سوهاج "محافظة تفتقر إلى جهود علماء الدين وأصحاب الرأي لفض النزاعات والخصومات الثأرية، وهناك بعض الخصومات التي يرغب الطرفان المتنازعان في إنهائها، ولا يجدا من يقوم بذلك، مُشيرا إلى أن ملف الخصومات الثأرية وإنهائها بالمصالحات يأتي على قمة أولوياته، وأن الظاهرة تنحسر كثيرًا مع مرور الوقت".

في تقرير نشرته صحيفة الوسط (لم تعد تصدر) عام 2003، قال أستاذ علم الاجتماع الكبير الراحل أحمد المجدوب "إن ظاهرة الثأر تراجعت في الفترة الأخيرة إلى حد كبير، بسبب عاملين أساسيين، أبرزهما الصناعة بقيمها التي قامت على أنقاض قيم الزراعة. ويضيف أستاذ علم الاجتماع الشهير: صحيح أن الصعيد لم يشهد التنمية المطلوبة خلال الفترة الأخيرة، لكن حركة الصناعة التي تسللت إليه على استحياء. وبوصفها عملا جماعيا يغلب عليه التعاون والمنافسة، كان لها دور كبير في تراجع الظاهرة إلى حد كبير". هذا الكلام نشر سنة 2003، أي أنه قبل اكثر من 15 عامًا بدأ علماء الاجتماع يلاحظون انحسار وتراجع تلك الظاهرة.

اقرأ أيضًا: صعود وانهيار جمهورية شيخ العرب همَّام

بعدها بعامين أكد عالم الاجتماع الراحل والمستشار السابق لمركز البحوث الجنائية والاجتماعية رؤيته التي أُرجح أنها مبنية على أبحاث غير منشورة. أكد في 2005 لصحيفة القبس الكويتية أن عادة الثأر تراجعت بسبب انتشار المدنية في الصعيد "خصوصًا بعد سفر الكثير من أبنائه إلى دول اخرى للعمل أو الدراسة، الأمر الذي جعلهم أكثر انفتاحا وارتباطا بالحياة". هنا أريد ان ألفت إلى ضرورة أن تكون هناك دراسات حقيقية للتغيرات التي تطرأ على المجتمعات في مصر، وأن تُنشر تلك الدراسات كي نطلع عليها، فمن المثير للغضب والدهشة أنه يمكنني أن أجد دراسات عن المجتمعات المهمشة في ناميبيا على الإنترنت، ولا يمكنني إيجاد بحث واحد شبيه عن المجتمعات المهمشة في مصر.

اقرأ أيضًا: بعد 15 عامًا من حريق" قطر الصعيد".. الدروس المستفادة: صفر

في ظني أن غياب تلك الدراسات، وكون أغلب كتاب ومخرجي هذه المسلسلات والأفلام من أبناء القاهرة والأسكندرية، المدينتان المسيطرتان على صناعة السينما والدراما في مصر، جعل هؤلاء المبدعين غير عارفين بهذا المجتمع الذي يبدو لهم مثيرًا ومغلقًا. ولكن صناع السينما الوثائقية من القاهريين والسكندريين، يولون أهمية كبيرة للبحث، ويستعينون بباحثين وصحفيين كي يتعرفوا على الظواهر والمجتمعات التي يريدون تقديم أفلام عنها، فلماذا لا يفعل صناع الدراما ذلك؟

حتى أنهم في بعض الأحيان لا يزورون الصعيد لتصوير أعمالهم التي تدور فيه، ويفضلون بناء مدن وقرى بالكامل ليقوموا بالتصوير فيها بعيدًا عن الأجواء الحقيقية والطبيعية، فترى في بعض المسلسلات والأفلام صورة بصرية عن الصعيد مُختلقة بالكامل.

لقطة من مسلسل دهشة الذي تدور احداثه في الصعيد وتم بناء قرية على أطراف القاهرة لتصوير أحداثه

خلفيات غائبة

بحسب الدراسات والأرقام يظل الصعيد صاحب النصيب الأكبر من الفقراء في مصر منذ عشرات السنوات، لكن صعيد الدراما كله من الأثرياء تجار الآثار أو المخدرات، وضعاف الحال ممن يعملون لديهم ويتمكنون من تحقيق قليل من الثروة نتاج العمل غير المشروع.

الصعيد كذلك صاحب أعلى نسب الأمية وأعلى نسب تسرب من التعليم لصغار السن وخاصة بين النساء، الصعيد هو الأفقر في الخدمات وجهود التنمية، حتى أن الدولة أنشأت هيئة خاصة لتنمية الصعيد لم تتخذ ولا خطوة إيجابية منذ إنشائها حتى الآن. وكتبت في المنصة سابقًا عن كل هذا أثناء حملة للمطالبة بإعادة فتح سينمات الصعيد.

اقرأ أيضًا: سينمات الصعيد الغائبة.. رفاهية ضرورية

إذن يعاني الصعيد الكثير من الأزمات التي تجعل من وجود عادة كالثأر أمرًا مفهومًا. فهل حاولت الدراما استكشاف ذلك؟ هل بحث صناعها من كتاب ومخرجين وممثلين ومنتجين عن الدوافع والظروف التي تجعل الثأر -على تراجعه وانحساره- أمرًا واقعًا في الصعيد؟

نرى أنفسنا على الشاشة لا نشبه أنفسنا، وأحيانًا نصدق ما يروجونه عنا، فنعود سنين للوراء.

الإجابة لا طبعًا. نحن لا نرى على شاشات الدراما الجهل والفقر والإقصاء. لا يوجد نقاش حقيقي للموروثات الغبية المتعلقة بالنساء وحقوقهن. يكتفي صناع الدراما باستعادة قيم بدائية وعادات وتقاليد بالية. وكأن هناك إصرار يكاد يصل حد المؤامرة على تثبيت تلك الصورة بالغة السوء عن أهالي الصعيد.

الأنكي من ترويج تلك الصورة السيئة لدى المجتمعات العربية والمدينية المصرية التي تستقى معارفها عن المجتمعات المهمشة من الدراما والسينما، أن هناك سعي واضح لتثبيت تلك الصورة عن الصعايدة لدى أبناء الصعيد أنفسهم. هناك إساءة حقيقية في الإصرار على ألا يرى أحد هذه المجتمعات، إصرار على تهميشها بدعوى الاهتمام بها. فنرى أنفسنا على الشاشة لا نشبه أنفسنا، وأحيانًا نصدق ما يروجونه عنا، فنعود سنين للوراء.

الصعيد كما هو وكما أحب أن أراه

صورة 1

أرى كادرًا جديدًا لمنطقة في صعيد مصر، لا بيوت قديمة ولا مساحات زراعية فقط، بل هناك بناية سكنية حديثة، تعيش فيها مجموعة من الأسر تواجه مشكلات وأزمات الأسرة المصرية بطابع صعيدي. أُسر تعيش بشكل متمدين في حواضر الصعيد، أفكارهم، أحلامهم، طموحاتهم، تعليمهم، مدارسهم، جامعاتهم، وأترك الباقي للكاتب ولخياله ولخبرته ليرصد ويحلل.

صورة 2

كادر لمقهى مغلق، تجلس فيه مجموعة من الفتيات يدخِّن الشيشة. نعم، في الصعيد أصبح هناك مقاهي للفتيات فقط يدخن ويكسرن قوالب المجتمع الجامدة، يتحدثن عن قصص حبهن، يضحكن بصوت عال ويتحدثن في كل ما هو غير مسموح به في المنزل.

بينك كافيه- مقهى للفتيات فقط في الأقصر  - موقع صوت العرب

يتحدثن عن أحلامهن في الزواج الذي سينقذهن من سجون أسرهن، يتحدثن عن أحلامهن بالهروب والعمل، وخوفهن من العقاب والفضيحة. ألا تظنون أن هذا الخيط سيكون مليء بالأحداث الجديدة والمشوقة.

صورة 3

كادر لمكان صغير يبدو كمكتبة أو مركز ثقافي، يجلس فيه مجموعة من الشباب يتحدثون عن ظلم الصعيد والأقاليم عموما، وبُعدها عن كل شيء، لا حفلات ولا ندوات ولا حياة. مجموعة من الشباب الموهوب يكتبون ويغنون ويصورون ويرسمون. تفاصيل مُحبطة كثيرة. حياة فنان كاملة لا تكتمل فقط لكونه من الصعيد، مقهور من أسرته أو مجتمعه أو حياته المتوترة بين العاصمة والصعيد، وبحثه الدائم عن نفسه وحيرته بين أهله وطموحه. أظن ذلك أيضًا يحمل في طياته الكثير ليقدم عملا فنيا عن الصعيد.

صورة 4

كادر لغرفة بسيطة في شقة صغيرة، وأم تجلس مع ابنتها تُحدِّثها عن ظلم أخيها واستيلائه على ميراثها. تلك صورة قدمت بشكل أو بآخر، لكنها لم تأخذ حقها في السرد. ميراث المرأة المنهوب في الصعيد ما زال بابًا لم يفتح لآخره.

صورة 5

كادر حقيبة بالية يجمع فيها شاب لم يتعد عمره الثامنة عشر عاما ملابسه ومقتنياته القليلة. يتحدث لأمه عن خوفه من السفر، تشجعه بحزن متحدثة عن ضرورة سفره للعمل في إحدى المدن الساحلية أو إلى ليبيا ليساعد أخوته الصغار ليكملوا تعليمهم.

هل تعرفون كم عدد الرجال والمراهقين في الصعيد، الذين سحقهم الفقر حتى أنهم يُلقون بأنفسهم في أحضان الموت في ليبيا من أجل لقمة العيش؟ أو عدد الأنفس التي تهاجر من الصعيد للعاصمة والمدن الساحلية كل عام بحثًا عن الرزق؟

هل أحلم بعمل درامي واحد يوضح للناس كم أن الصعيد مجتمع قاس وطارد للسكان وفقير؟ هل تتخيلون كم القصص التي سنجدها إذا سرنا خلف هذا الخيط؟

الصعيد ليس آثار وثأر فقط! غيروا زوايا رؤيتكم للصعيد. غامروا وقدموا عنه الجديد. ففي هذا المجتمع القاس، ثراء من الحكايات الإنسانية والاجتماعية التي تثري الدراما والسينما لعشرات السنوات التي قد يستغرقها - إن كُنّا متفائلين- إصلاح حال الصعيد.