طفلة في أحد أزقة بولاق الدكرور. تصوير: حي مالك.

الفقراء الجدد.. هل خرجت مصر حقا من العوز؟

في كل الأحوال يجب السعي لإحداث تحولات كبرى لمواجهة البطالة وتحقيق طفرة باتجاه التشغيل وحركة العمالة في الوظائف داخل القطاعات المملوكة للدولة أو القطاع الخاص أو في قطاعات النشاط الاقتصادي المختلفة.

الفقر هو العوز وعدم قدرة شريحة من البشر على توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والكساء والسكن والتعليم والرعاية الصحية. ويُعرف "خط الفقر" بأنه أدنى مستوى من الدخل يحتاجه الفرد لتوفير معيشة ملائمة، توفر له هذه الاحتياجات الأساسية، أما "الفقر المدقع" فهو مستوى من الفقر يتمثل فى عجز الفرد عن توفير هذه الاحتياجات الأساسية.

وقد وضع البنك الدولي معيارًا لقياس "الفقر حول العالم" وذلك عندما يقل دخل الفرد الواحد عن 600 دولار أمريكي سنويًا، في حين صرح اللواء أبو بكر الجندي الرئيس السابق للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن الفقر يحتسب على أساس الدخل الشهري للفرد بحوالي 40.6 دولار، وهو ما يعادل أقل من دولارين يوميًا.

كان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أصدر في يوليو/ تموز 2016 تقريرًا بشأن "الدخل والإنفاق في الأسرة المصرية"، رصد أن معدلات الفقر وصلت في 2015 إلى 27.8%، أي أن هناك نحو 25 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، ويقل دخل الفرد في هذه الشريحة عن 482 جنيها شهريًا، وأن الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع حوالي 4.7 مليون مواطن حيث يبلغ متوسط دخل الفرد في هذه الفئة 322 جنيها شهريًا، وكل هذه الأرقام قبل موجات التضخم المتلاحقة بسبب السياسات الاقتصادية التي يتم تنفيذها من تقليص للدعم وزيادة في الضرائب إضافة إلى قرار تعويم الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.

أما تقرير الدخل والانفاق لعام 2017 فقد بدأ تنفيذه في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2017 على عينة يبلغ تعددها 26 ألف أسرة بمختلف المحافظات، وينتهي العمل به في أكتوبر 2018 على أن تعلن نتائجه فى مطلع 2019، وتشير التوقعات إلى رفع خط الفقر من 482 جنيها في بحث عام 2015 إلى 800 جنيها تقريبًا في بحث عام 2017.

أما الآن، فنحن في أشد الحاجة لتقرير مستقل يوضح أحوال المصريين في ظل السياسات الاقتصادية المطبقة في مصر، وبالطبع ستكون الأرقام أبلغ دلالة على ما آلت إليه أحوال المصريين بسبب تلك السياسات التي تلقي بظلالها على حياة المصريين، لكونها تسبب تحولات شديدة وحادة على أنماط الدخل والإنفاق ومستوى المعيشة، فضلًا عن التناقضات المفزعة بين حدود الانفاق الحكومي على الخدمات الاساسية، ومظاهر البذخ في الانفاق على قمة الجهاز الاداري والسلطة السياسية، وكذلك التناقضات المتزايدة في أحجام الدخول المكتسبة، والانخفاض المفزع للقوة الشرائية للجنيه في ظل ثبات الأجور والارتفاع المطرد للأسعار والضرائب.

ويضاف إلى ذلك كله تضاؤل فرص تحسين الحراك الاجتماعي للأفضل، وهو ما سوف يؤدى حتما إلى انكماش لأسر الطبقة الوسطى وزيادة عكسية في أسر الطبقة الدنيا، لكون هذه الأسر أصبحت أمام واقع مختلف، فإما ما زال لديها فائض دخول أقل، أو لم يعد لديها فائض لكنها ما زالت قادرة على تحقيق التوازن بين الدخل والانفاق مع فقدها القدرة على الإدخار، أو أصبح لديها عجز كون الدخل لم يعد كافٍ للوفاء بالاحتياجات، فنحن أمام موجات من التحول الطبقي داخل الطبقة الوسطى وأغلب مسارات هذا التحول من الطبقة الوسطى للطبقات الدنيا وليس العكس، أو تحولات داخل الطبقة ذاتها كالتحول من شريحة الطبقة الوسطى الآمنة (عليا ومتوسطة) إلى الطبقة الوسطى المنسحقة.

بدائل وحلول

لن يكون أمام هذه الأسر للحفاظ على مواقعها الطبقية والاجتماعية إلا استنفاد مدخراتها، أو السعي لزيادة ساعات عملها الأسبوعي كلما كان ذلك ممكنًا، أو الدفع بعناصر جديدة من أفرادها للبحث عن فرصة عمل في ظل أحوال البطالة التي تعانيها البلاد، أو الاستدانة، أو سلوك طرق غير مشروعة للحصول على المال، أو اضطرار البعض للعودة من المدينة إلى الريف أو تخفيض الإنفاق، وهو ما سيؤثر على الغذاء أو المسكن أو الملبس أو التعليم أو الصحة أو المواصلات حسب خيارات وظروف كل أسرة، وسوف تكون هناك آثار اجتماعية حادة مصاحبة لكل خيار، وستنعكس هذه الآثار ليس على الأسرة فقط لكنها حتما ستنعكس على المجتمع، وسوف تتعمق وتتجذر هذه الآثار كلما ظلت الأزمة ممتدة.

هذه الآثار لن تتوقف إلا إذا أوقفت الدولة سياساتها الاقتصادية، وتداركت إفرازاتها سواء تم ذلك طواعية منها أو أجبرت عليه حال ظهور غضب شعبي حقيقي مناهض.

في كل الأحوال يجب السعي لإحداث تحولات كبرى لمواجهة البطالة وتحقيق طفرة باتجاه التشغيل وحركة العمالة في الوظائف داخل القطاعات المملوكة للدولة أو القطاع الخاص أو في قطاعات النشاط الاقتصادي المختلفة، وخاصة الصناعية والزراعية والخدمية، على أن يواكب ذلك تغير فى هيكل الأجور حتى يكون هناك حد أدنى حقيقي للأجر قادر على الوفاء بالاحتياجات الأساسية وأن يتم تعديله دوريًا بما يتوافق مع نسب التضخم، وربطه بالحد الأقصى للأجور.

وأيضًا لا بد من إحداث تغيرات جذرية في طريقة تعامل الدولة مع الكيانات الاقتصادية الصغيرة ومتناهية الصغر، وأيضًا العاملين لحساب أنفسهم، ورفع كل القيود الإجرائية والضرائبية عن كاهلها، وتخفيض الدولة لشروط منح الأراضي والوحدات السكنية للطبقات الفقيرة والمتوسطة بما يمكّنها من الحصول على فرص حقيقية لتملك الأراضي أو الشقق في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار، وتقليص الإنفاق الحكومي وخاصة في قمة الجهاز الادارى والسلطة السياسية، والدخول في مواجهة حقيقية مع الفساد.