فيلم "لا" لبابلو لارّين: حين تُسقط الإعلانات حُكْم العسكر

يختار بطل الفيلم الفرح كرهان يوحّد الشعب التشيلي الذي عانى 15 عامًا من ديكتاتورية بينوشيه العسكرية التي كانت الأكثر دموية في تاريخ القارة اللاتينية.

من بين الحُكّام الطغاة الذين اُبتلي بهم العالم كان الجنرال التشيلي سيء السمعة أوجستو بينوشيه. وصل بينوشيه إلى كرسي الحكم في بلاده عن طريق انقلاب دموي قام به في عام 1973 أدى إلى مقتل الرئيس التشيلي المُنتخب حينها سلفادور ألليندي. في عام 1988 قرر بينوشيه إجراء استفتاء شعبي –بسيط جدًا: نعم أو لا- على مسألة التمديد لحكمه لفترة جديدة تمتد لـ 8 سنوات. كان من المفترض أن يكون "العُرس الديمقراطي" شكليًا للحد من الانتقادات الدولية وإضفاء الشرعية على حكومته. قبل أشهر قليلة من موعد الاستفتاء، تمّ السماح بتشكيل الأحزاب السياسية، ومع وجود الكثير من رموز المعارضة السياسية إما في السجون أو في قبورهم أو في أماكن لا يعلمها إلا الله، فإن الجنرال كان متأكدًا من الانتصار.

ولكنّ الشعب صوّت بـ (لا) وغادر الديكتاتور السلطة في عام 1990.

تشيلي.. السعادة قادمة

فيلم (No) "لا" للمخرج التشيلي بابلو لارين Pablo Larraín والذي أنتِج عام 2012 يَعرِض دور الحملة الإعلانية في النجاح الشعبي لمعارضي بقاء بينوشيه في السلطة خلال استفتاء 1988. الفيلم هو المتمّم لثلاثية المخرج السينمائية عن تاريخ تشيلي في عهد بينوشيه بعد فيلمي Tony Manero الذي أُنتِج عام 2008، وPost Moretem في 2010. وقد تم ترشيح "لا" لجوائز الأوسكار في نسخة 2013 ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي.

يُظهر الفيلم على مدى دقائقه الـ 117 عمليات تصميم و بثّ الإعلانات لحملة معارضي أوجوستو بينوشيه الذين تمّ السماح لهم -تحت تأثير الضغوط الدولية- لأول مرة منذ الانقلاب العسكري بالتعبير عن آرائهم عبر التلفزيون العمومي التشيلي. معتمدًا بشكل جزئي على مسرحية للكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا Antonio Skarmeta، يستكشف لارّين ذلك الموضوع عبر زاوية مدهشة: وكالة الإعلانات المسؤولة عن حملة "لا" التي استغلت فترة ما قبل الاستفتاء والحرية النسبية الجديدة في الإعلام لخلق رسالة مناهضة لبينوشيه وحملته عن طريق حملة مضادة متفائلة ومعتمدة على الثقافة الشعبية pop-culture. وبدلًا من اللجوء إلى الهجوم السياسي على سِجِل الجنرال في التعذيب والقمع واستدعاء تراجيديا الضحايا، استخدموا تصميمًا لقوس قزح وأظهروا الابتسامات واستعادوا بجملة "السعادة قادمة"؛ الجملة التي أصبحت شعارًا لحملتهم.


يلعب النجم المكسيكي جايل جارسيا برنال Gael Garcia Bernal دور رينيه سافيدرا، مدير إحدى وكالات الإعلان الشهيرة الذي يملك حسًّا فنّيًا يجعل تركيزه منصبًّا على استهداف التركيبة السكانية الشابّة بإعلانات مبهجة وطليقة قريبة في أسلوبها من إعلانات MTV في فترة الثمانينيات. عندما يتواصل معه أحد مسؤولي حملة "لا" للإشراف على موادها الدعائية التي ستُبثّ على التلفزيون، يتردّد في البداية ويبدأ رئيسه - المؤيد المتشدد لبينوشيه ونظامه - في مضايقته. ولكن يقبل الإشراف على الحملة في النهاية. نشعر من خلال لقائاته مع فيرونيكا (التي تقوم بدورها آنطونيا زيجارز Antonia Zegers)، زوجته السابقة والناشطة اليسارية الراديكالية، أن رينيه ليس سياسيًا تمامًا، بمعنى أن السياسة لا تمثّل له غاية يعيش من أجلها، ولكن التحدى الذي يقبله هو إمكانية حثّ الشعب التشيلي على شراء حريته من خلال تقديم حملة انتخابية مبتكرة. هذا الأب العازب المتمكّن من صنعته (رسالة بسيطة، مبهجة، أحاسيس إيجابية، ألوان وموسيقى) يختار الفرح كرهان يوحّد الشعب التشيلي الذي عانى لمدة 15 عامًا من ديكتاتورية بينوشيه العسكرية التي كانت الأكثر دموية في تاريخ القارة اللاتينية: اختفى نحو 3 آلاف من خصومه السياسيين واُعتقِل أكثر من 30 ألف آخرين بينما عاش أكثر من 200 ألف معارض في المنفى.

بعد 15 عاما من العيش دون ديمقراطية كان من الصعب إقناع التشيليين باختيار بديل آخر. الأطراف السياسية المناهضة لبينوشيه دخلت في صراعات استهلكتها حول الشكل المستقبلي للحكومة وانحيازاتها الدولية: هل ستكون موالية للغرب أم تنتهج الفكر الماركسي؟ العديد من المواطنين كان متخوفا من فكرة الذهاب للتصويت واحتمال استهدافهم من قبل السلطات والبعض الآخر شكّك في احترام بينوشيه لنتائج التصويت.


صوّر لارّين الفيلم بالكامل على أشرطة فيديو عتيقة من الثمانينيات (Betamax) وهو ما أعطى صورة الفيلم شعورًا بمعايشة الفترة التي يقدّمها وسمح للمخرج بالعمل فعليًا في حملة "لا" بإعلاناتها ونشرات أخبارها وما شابه ذلك، ولكن الثمن المدفوع هو صورة "قبيحة" على الشاشة الكبيرة كما أعلن بعض النقاد: مضبّبة ومليئة بنزيف من الألوان. مسألة "هل كان ذلك خيارا جيدًا أم لا؟" هي مسألة قابلة للنقاش بالتأكيد، وكُلّ منحاز لأي من الإجابتين له أسبابه الجمالية والفنية. الإنجاز البصري المتحقق في الفيلم يشبه مشاهدة إحدى حلقات مسلسل "Mad Men"، الذي يدور في عالم شركات الدعاية والإعلان في السبعينيات ممزوجة بالأجواء السياسية المعتادة في أفلام المخرج اليوناني الفرنسي كوستا جافراس Costa Gavras.

استخدام الإعلانات التجارية المستمدة من الحياة الواقعية يتناقض مع مشاهد وراء الكواليس لعملية اتخاذ القرار بخصوص عرض تلك الإعلانات من عدمه. المزج بين تلك المشاهد سلس للغاية وحين نصل إلى الذروة الدرامية في ختام الفيلم مع التظاهرات في الشوارع يصبح من الصعب التفريق بين ما هو حقيقي/وثائقي وما هو تخيّلي/سينمائي. هذا إنجاز بصري معقّد لتحقيقه بهذا الشكل، ولكن بالنسبة للمُشاهد، فإن لارّين يبدو وقد حقّق ذلك بدون عناء تقريبًا. بالإضافة إلى ذلك، فإنه من المثير للإعجاب من الناحية التقنية، قدرة المخرج ومدير تصويره سيرجيو أرمسترونج Sergio Armstrong على تأطير صورة فيديو مضببة بطريقة تجعلها سينمائية خالصة.

التاريخ يخبرنا شيئًا

إذا كنت غير مهتم بالسياسة في أمريكا اللاتينية -وهي قارة تملك تاريخًا طويلًا وحزينًا في هذا المجال- فإن "لا" ليس فيلما من أجلك: عناصر الإثارة فيه ليست قوية وواضحة بمثل فيلم سياسي آخر ظهر في نفس سنة إنتاجه وأعني الفيلم الأمريكي " Argo" من إخراج بين أفليك عن أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1980. ولكن هذا لا يعني أن المعالجة الساذجة في الفيلم الأمريكي ستكسبه مكانة تفوق"لا" لارّين. بالعكس، "لا" أكثر نجاحًا وفعاليًة وأهميًة من ناحية وضع مُشاهده في منطقة أخلاقية متعددة التأويلات، وكذلك التقاط تلك اللحظة من الزمن حين يصبح عِلم السياسة ولعبتها عبارة عن بيع مشاعر للناس أكثر منه وضع خطط سياسية.

رينيه على الرغم من دعمه للحركة المناهضة لبينوشيه والمخاطرة بحياته الشخصية (يتم تهديد ابنه ومضايقته من قبل الشرطة)، فإنه يقوم بنجاح مدهش بإنجاز حملة دعائية تشبه إعلانات المشروبات الغازية، فيها أناس يتمتعون بجاذبية أمام الكاميرا (photogenic) من كل مناحي الحياة، يغنّون ويرقصون على أنغام Chile, la alegría ya viene. ينجح الخبير الإعلاني الشاب ذو الماضي العائلي النضالي، بإدخال الفكاهة والنضارة على الحملة الانتخابية التلفزيونية الهادفة الى رفض بينوشيه، بعد الكثير والكثير من المناقشات والا عتراضات مع ممثلي الأحزاب المعارضة والذين تتنوّع تحفّظاتهم في جدل بيزنطي لا ينتهي.

السياق التاريخي للقصة يوفّر مساحة للتأمّل والمفارقات: ففي حين أنه من المنعش رؤية ذلك يحدث في دولة مختنقة بفعل الحالة البوليسية التي تفرضها السلطة الديكتاتورية، فالواقع يقول أن مثل تلك النوعية من الحملات "المتفائلة" كانت قد بدأت طريقها في الولايات المتحدة من قبل رجل الدعاية هال ريني Hal Riney وبالتحديد في عام 1984 (مصادفة غريبة يا جورج أورويل. أليس كذلك؟). في حملته الدعائية المعنونة " Morning in America"لصالح المرشح الرئاسي حينها رونالد ريجان، يظهر مزارعون على الجرّارات الزراعية يلّوحون بالأعلام، عرائس مبتهجة، وسياج بشرية بيضاء تبيع الحلم "الجمهوري للغاية" للشعب الأمريكي. ريجان، وحزبه الجمهوري، دعما نظام بينوشيه وكلّ الأنظمة الديكتاتورية القائمة على التعذيب في أمريكا اللاتينية.

في حواره مع مجلة "ذا أتلانتيك" عقب عرض الفيلم بالولايات المتحدة، عبّر جينارو أريجادا Genaro Arriagada، المسؤول الحقيقي عن حملة "لا"، عن تحفّظه تجاه الصورة التي خرج بها الفيلم مشيرًا إلى "تبسيط التاريخ أكثر من اللازم" بتركيز الفيلم الكامل على الحملة الإعلانية وتصديرها للمشاهدين كسبب رئيسي في الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية دون ذكر المسيرة الطويلة من "النضال" التي كانت أيام الدعاية الخمسة عشر بمثابة خطوة أخيرة فيها، أو الجهود التي قام بها أريجادا ومجموعته في التقريب بين 17 مجموعة سياسية مختلفة كانت تمثّل القوام الرئيسي للتحالف المعارض لاستمرار بينوشيه في السلطة، وكذلك إهمال الفيلم للجهود المبذولة في عملية تسجيل الناخبين على مستوى القاعدة الشعبية، إذ كان بينوشيه يضمن بالضرورة ولاء أفراد الجيش والشرطة ورجال الأعمال المسجلين في الكشوف الإنتخابية.

ولكن بما أن "الفيلم ليس دليلًا، ولكن زاوية رؤية ننظر منها" بحسب عبارة بابلو لارّين، يمكن التأكيد على أهمية الفيلم كونه يشكل بحثًا سينمائيًا بليغًا في تجاوز حدود الدرامي الإجتماعي إلى ما هو سياسي والعكس، من خلال التقاط لحظة تاريخية مدعومة بالوثائق البصرية والقصص الحقيقية للإعلان عن دور السينما في التعبير عن قضايا الإنسان ومجتمعه والوقوف في وجه الطغيان.