تصميم: يوسف أيمن

مصر والسودان "مش دولة واحدة"

كأي احتلال عسكري ارتكب جيش محمد علي ما ارتكب من قتل وسلب ونهب واسترقاق؛ وما يتلو ذلك من تكوين طبقة موالية عن طريق شراء الذمم.

خلال مؤتمر الشباب العربي الأفريقي الذي نظمته مصر قبل نحو أسبوع، خرج الرئيس عبد الفتاح السيسي ليستنكر الكلام عن "شمال عربي وجنوب زنجي"، وهو كلام انتهى فعليًا من سنين طويلة، حتى أن مجرد استخدام اللفظة التي اختارها الرئيس لوصف أهل الجنوب تعتبر "وصفًا عنصريًا" في عدد من الدول.

في عام 2016 خرجت صحيفة الشروق بمانشيت يقول "زنوج أمريكا يرفعون السلاح ضد انتهاكات الشرطة"، بينما كثير من المعارضين والفاعلين السياسيين والذين تعاطفوا مع السودانيين في احتجاجاتهم الأخيرة ضد الرئيس عمر البشير، ما زالوا يرددون كليشيهات على شاكلة "كنا بلد واحدة"، و"منه لله اللي فرّط في السودان" أيضًا هو كلام يتكرر كثيرًا في سياق الحديث عن تدهور وضع الدولة المصرية منذ وصول الضباط الأحرار إلى السلطة وإنهاء الحكم الملكي، مدللين على ذلك بانهيار قيمة الجنيه أمام الدولار وبتقلص حدود الدولة بالتخلي عن غزة والسودان.

ما سبق يعكس حالة من انعدام المعرفة فيما يتعلق بعمق مصر الأفريقي بشكل عام، والسودان على وجه الخصوص، وذلك على المستويات الرسمية والإعلامية بل وحتى الناشطين السياسيين، كم من الأخطاء الكارثية لا يليق مع عصر يتميز بسهولة الوصول إلى المعلومات بفضل الإنترنت.

النخبة السياسية المصرية كانت ترفض تمامًا التخلي عن السودان ولو كان الثمن بقاء مصر ذاتها محتلة.

هل كان السودان مصريًا؟

ولكن هل كان السودان مصريًا بالفعل؟ تبدو العلاقة السياسية بين مصر والسودان مرتبكة جدًا في عقول المصريين وأيضًا على مستوى الواقع العملي لحداثة تأسيس الدولة بمفهومها الحديث في السودان مقارنة بمصر صاحبة التجربة الأقدم نسبيا والأكثر تعقيدًا في ذات الوقت.

يذكر التاريخ أن مفاوضات الإنجليز مع الساسة المصريين بخصوص الجلاء عن مصر استمرت حوالي 30 سنة ولم تنجح لأسباب كان من بينها إصرار الإنجليزي على فصل السودان عن مصر وإصرار الجانب المصري على الرفض، وهو ما يتجلى بوضوح في كثير من خطابات ومخاطبات كل من سعد زغلول أو النحاس في المسألة الخاصة بمفاوضات الجلاء. فيما عرف باسم الحكم الثنائي الذي نصت عليه معاهدة 1936 كأسلوب لتنظيم التواجد العسكري الإنجليزي في السودان مع بقاء المنطقة تابعة إدارية وسياسيًا للهيمنة المصرية.

النخبة السياسية المصرية كانت ترفض تمامًا التخلي عن السودان ولو كان الثمن بقاء مصر ذاتها محتلة. فبينما اعتقد مؤسس الوفد ورئيس وزراء مصر سعد زغلول أنه "وليس القول بأن مصر حرة بمستطاع ما لم يرد السودان إلى المصريين. ذلك أن امتلاك السودان معناه حكم مصر، والنيل هو ثروة البلاد الوحيدة، وأنفس ما تملكه. وأنه ليكون جنونا من مصر أن تأخذ بالاتفاقات والوعود في هذه المسألة التي يمكن أن تعرض كيانها للخطر".

ولم يسر رئيس الوزراء مصطفى النحاس بعيدًا عن خطى معلمه عندما قال "نعم، حرص الوفد دائمًا على وحدة مصر والسودان، فكان حرصه هذا هو الصخرة التي تحطمت عليها مفاوضاتنا مع الإنجليز، سواء على عهد سعد أو على يد الضعيف المتشرف بخطابكم"*.

وأين كانت السودان تحت الاحتلال العثماني؟

قبل ذلك؛ كانت مصر واقعة تحت الاحتلال العثماني، ولم تكن هناك دولة معروفة باسم السودان، بل كانت المساحة الجغرافية جنوب مصر مقسمة بين كيانات سياسية متنوعة لكل منها قيادته (ملك أو أمير أو سلطان).

بعد ثورة 1805 في مصر وطرد الوالي العثماني خورشد باشا اختارت النخبة المصرية بقيادة مشايخ الأزهر استمرار خضوع مصر للتاج العثماني مع امتياز اختيار الوالي الحاكم للبلاد باسم السلطان العثماني، وبالفعل تم فرض اسم العسكري الألباني محمد علي على السلطان العثماني ليتم تعيينه واليًا جديدًا على البلاد.

محمد علي كان يحمل مشروعه الشخصي لبناء دولة جديدة تَرِث الدولة العثمانية انطلاقًا من مصر، ولكن لم يكلل مشروعه بالنجاح وانتهى الأمر بتوليه حكم البلاد بوصفه واليًا عثمانيًا على أن يورث الحكم لابنائه من بعده، ليؤسس حكم الأسرة العلوية الذي لم يكن بأي حال مشروعًا وطنيًا يهدف لاستقلال مصر.

معركة كرري شمال أم درمان عام 1898 بين قوات المهدية والقوات البريطانية الغازية المدعومة بقوات مصرية. by Lady Butler

.. وخرج اسم السودان للوجود

الفشل في إسقاط الخلافة العثمانية سبقه نجاح عسكري مصري في التوسع جنوبًا وإسقاط ممالك النوبة والفور والفونج وسنار.

وكأي احتلال عسكري توسعي ارتكب جيش محمد علي ما ارتكب من قتل وسلب ونهب واسترقاق؛ وما يتلو ذلك من تكوين طبقة موالية عن طريق شراء الذمم واستمالة من يقبل أن يصبح مواليًا للمحتل ضد أهل بلده في سبيل بعض المزايا.

وبناء عن رواية الرحّالة النمساوي "بالم" IGNATIUS PALLME في كتابه "رحلة في كردفان" TRAVELS IN KORDOFAN فإن أعداد مَن استرقتهم قوات محمد علي مِن السودان وصلت إلى ربع مليون إنسان*.

بعد الفشل في إسقاط دولة الخلافة جلس محمد علي مضطرًا للتفاوض مع الباب العالي وتم توقيع معاهدة لندرة أو معاهدة لندن سنة 1840، والتي أجبرت فيها الدول الكبرى، إنجلترا وروسيا والنمسا، محمد علي على التنازل عن مكتسباته في الشمال مع الاحتفاظ بمكتسباته في الجنوب.

هنا أصبح "السودان"* سودانًا، وبناء على معاهدة لندن بات مستعمرة تابعة لمصر التي صار وضعها أقرب لدولة لكن مع استمرار خضوعها للتاج العثماني، وأصبح منصب الوالي فيها حكرًا على محمد علي مدى حياته ويورث في عائلته من بعده، بالتالي كل تطور سياسي في علاقة مصر صار ينسحب على السودان، كمستعمرة تابعة للدولة المحتلة شمالها.

تصوروا أن تعرقل دولة الحصول على استقلالها حتى لا تتخلى عن مستعمرة تابعة لها إداريًا. واقع عجيب أظن أنه يستحق المثل الشعبي المصري بتصرف "إن فاتتك الأمبريالية اتمرغ في ترابها".

احتلال تركي- مصري

في عام 1914 خلعت بريطانيا الخديو عباس حلمي الثاني ونصبت بدلًا منه حسين كامل "سلطانًا" على مصر وأعلنت الحماية البريطانية على مصر؛ لتنتهي بهذا تبعية مصر للخلافة الإسلامية بشكل رسمي.

تعرف الفترة الزمنية، منذ غزو جيش محمد علي لما يعرف بـ بلاد السودان حتى إعلان الحماية البريطانية على مصر؛ في كتب التاريخ والمناهج السودانية باسم الاحتلال التركي المصري.

الحديث عن إنهاء الاحتلال/الحماية البريطانية بدأ عام 1922، بعد نهاية الحرب الأولى بأربع سنوات وانتهاء الضرورة العسكرية المسببة لإعلان الحماية، فأصبحت البلاد مملكة بعد أن كانت سلطنة، لكن بقيت القوات الإنجليزية في البلاد ولم يحدث الاستقلال فعليًا.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939 عادت الضرورة العسكرية، بالنسبة للإنجليز، للسيطرة على مصر فتم تعليق الملف حتى نهاية الحرب، خاصة بعد إعلان الملك فاروق انحيازه لدول المحور؛ وبعد نهاية الحرب وعودة التفاوض بجدية لم يتحقق أي تقدم ملحوظ في هذه المسألة.

وكما أسلفنا حافظ النحاس على مواقف سلفه زغلول فيما يخص السودان؛ فإن هذا الرأي كان يمثل أيضًا النخبة السياسية مشكّلًا رؤى مجتمعية راسخة.

تصوروا أن تعرقل دولة الحصول على استقلالها حتى لا تتخلى عن مستعمرة تابعة لها إداريًا. واقع عجيب أظن أنه يستحق المثل الشعبي المصري بتصرف "إن فاتتك الأمبريالية اتمرغ في ترابها"

.. ثم أصبحت السودان دولة، وكذلك مصر

لم يحدث تغير في رؤية القيادة السياسية المصرية إلا بعد انقلاب يوليو 1952، وصل الضباط الأحرار للسلطة وأسقطوا الملك والملكية وأعلنوا الجمهورية لكن لم يتم الجلاء إلا بعد أربع سنوات كاملة. وبداهة فإن فترة السنوات الأربع كانت عبارة عن تفاوض بين مجلس قيادة الثورة والحكومة الإنجليزية، على الملفات العالقة ومنها ملف السودان.

ومن الواضح أن مواقف الإنجليز على الجلاء جاءت بعد موافقة السلطة العسكرية الوليدة في مصر على انفصال السودان، فقد بقيت القوات الإنجليزية متمركزة في منطقة القناة حتى جاءت نتيجة الاستفتاء في السودان باختيار الاستقلال عن مصر وصار السودان رسميا دولة مستقلة تحديدًا ليلة رأس السنة 1956، وبعد ستة أشهر غادر آخر جندي إنجليزي عن مصر؛ وأصبحت مصر رسميًا "دولة مستقلة" بلا أي احتلال، تحديدًا في 18 يونيو/ حزيران 1956، في واقعة هي الأولى منذ نهاية عصر الأسرات.

تعرف الفترة الزمنية، منذ إعلان الحماية البريطانية على مصر وحتى إعلان استقلال السودان عنها في كتب التاريخ والمناهج السودانية باسم الاحتلال الإنجليزي المصري.

رغم أن الضباط الأحرار منحوا السودان استقلاله، إلا أنهم في الوقت نفسه تورطوا في الانقلابات العسكرية التي أطاحت بأي حكومة مختارة من قبل الشعب.

عصور الانقلابات

يقول البعض إن الاحتلال الإنجليزي كان سينتهي لا محالة خلال تلك الفترة من تاريخ العالم، وهم على حق، ويقول البعض إن السودان كان سيحصل على استقلاله بشكل طبيعي بمجرد استقلال مصر، وهؤلاء واهمون أو حالمون قوميون يروجون ليوتوبيا عروبية، فما يطرحونه يتعارض مع كل الشواهد العملية التي تؤكد أن موقف الجنرالات المصريين من استقلال السودان لم يختلف كثيرًا عن سياسييها لكن قرار الموافقة كان برجماتيًا بحتًا حتى يتم الجلاء العسكري للإنجليز وبعدها يكون لكل حادث حديث.

فرغم أن الضباط الأحرار منحوا السودان استقلاله، إلا أنهم في الوقت نفسه تورطوا في الانقلابات العسكرية التي أطاحت بأي حكومة مختارة من قبل الشعب، وتنصيب جنرال موالٍ لجنرالات مصر، بداية من انقلاب الجنرال عبود 1958، قبل مرور عامين على الاستقلال، مرورًا بانقلاب الجنرال النميري 1969، بعد أقل من 5 سنوات من نجاح ثورة أكتوبر 1964 في الإطاحة بسلطة عبود، وصولًا لانقلاب البشير، الحاكم حتى اليوم.

ورغم أن مصر لم تكن من خطط لانقلاب البشير، إلا أنها لعبت دورًا كبيرًا في تسويقه دوليًا، ذلك أن المجتمع الدولي لم يعترف بسلطة البشير إلا بعد تطمينات مصرية، تمثلت في الاعتراف بحكومة الإنقاذ بعد 24 ساعة من الإنقلاب، وعليه فإن كل تصرفات السلطة المصرية في ثوبها الجمهوري توضح تمامًا أن النخبة العسكرية المصرية تتعامل مع السودان بوصفه الفناء الخلفي لمصر ولابد أن يبقى تابعًا لهم بشكل أو بآخر.


اقرأ أيضًا: 65 عامًا على اتفاقية تقرير مصير السودان.. هل كان مصريًا؟


  • كتاب آثار الزعيم سعد زغلول ج1 - تحرير: محمد إبراهيم الحريري
  • كتاب لمحات من كفاح الوفد ومواقفه في تسعين عام - رمزي ميخائيل.
    نقلًا عن بحث حزب الوفد.. والأنتماء المصري في أفريقيا، للباحث خليل منون. أبحاث مؤتمر أنتماء مصر الأفريقي عند الأحزاب والقوى المجتمعية.
  • السودان تسمية عربية مصدرها لون بشرة سكان أفريقيا وكانت تطلق على كل سكان القارة من أصحاب البشرة السوداء.. فمثلا مناطق غرب أفريقيا كانت تعرف عند العرب باسم "السودان الغربي".
  • وضع "بالم" كتابه عن مشاهداته خلال الفترة من 1837 إلى 1839. وكان مبعوث لمؤسسة تجارية مصرية.