مشهد من فيلم شواطئ آنيس

آنيس فاردا تغادر شواطئها: من البحر.. وإليه نعود

في القمامة وجدت قطعة من البطاطس على شكل قلب، أحبت كيف يمكن أن تجد القلوب ملقاه بين القمامة.

قررت آنيس فاردا التي تحب البحر واللون الأرجواني ومشاهدة الصور والنظر في المرايا أن تصور من أثاروا انتباهها، من حفّزوها ودفعوها للسؤال والتصوير، فأصبحت صانعة أفلام تحب الحياة إلى أن غادرتها في 29 مارس/ آذالا الماضي، بعد رحلة حافلة من الحياة وأخرى قاسية مع السرطان.

سترى فاردا دائمًا في اللون الأرجواني الذي يحتكره القسيسون ورجال الدين. فاردا المتحفظة التي تفعل كثير من الأشياء المجنونة، يُطلق عليها أحفادها "جدتنا البانك" نسبة إلى "البانك روك"، بسبب لون شعرها القرمزي.

أصبحت آنيس فاردا واحدة من رواد الموجة الفرنسية الجديدة مع تروفو، وجودار وكلود شابرول، وجاك ريفيت، وزوجها جاك ديمي، الموجة التي اعتمدت على الواقعية، والتكلفة الإنتاجية الضئيلة. صداقتها كانت وثيقة بجان لوك جودار لدرجة أنه سمح لها بتصويره بدون النظارة السوداء.

آنيس وجودار، المصدر موقع cine-tamaris

بداية في البحر

في 30 مايو/ أيار 1928 ولدت في بلجيكا المخرجة الفرنسية آنيس فاردا في إيكسيل، لأب يوناني وأم فرنسية. صنعت أول أفلامها عام 1955 داخل البحر، وسمته "بونت كورت". صوّرت الصيادين وهم يلقون شباكهم، ثم وهم يستعيدونها، ثلاثة أشهر كاملة لتصوير الصيادين الصامتين، لا شيء سوى صوت الماء.

تركت آنيس بلجيكا في عمر العاشرة لتجرب العيش على شواطئ أخرى، في مدينة سيت الفرنسية التي تحمل إحدى ممرات القنوات المائية فيها اسمها، على ميناء سيت كانت تراقب الصيادين بلا ملل، هناك تعلمت آنيس أن مياة البحر كثيرة، المرأة الملونة المفعمة بالحياة تمتلك ذكريات عن الحرب في بلجيكا، التي تركتها في عمر العاشرة، وعن باريس المحتلة من قِبل الألمان، عن تذاكر للطعام، وأحذية من خشب، ونوافذ مغطاة بأوراق زرقاء، وذكريات عن آنيس طالبة الثانوية التي تأخذ الدروس في قبو، وتأكل قطعتين من البسكويت فقط في اليوم.

لم يعجب بها بعض النقاد فقد ذكر ديفيد طومسون الناقد البريطاني أن أفلامها الوثائقية "سهلة"، لهذا السبب ذاته أحبها آخرون، في فيلم "شواطئ آنيس"، أعادت تمثيل قصة حياتها، حيث افتُتِح الفيلم بجملة تقولها آنيس نفسها "أمثل دور سيدة عجوز قصيرة، ثرثارة وممتلئة قليلًا، تتحدث عن قصة حياتها".

صنعته على حد قولها في الفيلم لتمشي إلى الوراء، لتسترجع ذكرياتها، وهذه هي السينما بأكملها في رأيها، لعبة استرجاع المشاعر، وضعت آنيس عشرات المرايات في مواجهة البحر، لترى انعكاس صورتها في المرآة، وانعكاس نهاية البحر فيها، البحر الذي يذّكرها بيتها القديم في بلجيكا، لتتحدث بعدها عن شواطئ بلجيكا التي قضت بها طفولتها، وعن اسمها الذي أطلقته على نفسها.

فيلم شواطيء آنيس، المصدر: موقع cine-tamaris

ولدت فاردا في "آرل" لذا سميت بآرليت، وعندما بلغت الثامنة عشر غيرت اسمها بشكل رسمي لآنيس، وكانت في المنتصف بين أخوين يكبرانها، وأخوين يصغرانها. ذهبت في الفيلم إلى الملهى الذي فقدت فيه أباها أجين جان فاردا لإلقاء التحية عليه، هناك لعب أبوها اوخسر، وسقط فمات، أعادت اللقاء بأبطال أوائل أفلامها الوثائقية، لتجد الأطفال أصبحوا عجائز.

في الفيلم أعادت آنيس الإبحار في مدينة سيت، بمفردها، على قارب شراعي، عبرت جِسر سافونيري، وساحة المبارزة، متوجهة إلى جسر سيفيت، وجسر فيكتوريا الذي ينفتح، إلى جسر تيفول الذي يرتفع، والجسرين اللذين يمشي القطار بجانبها إلى بونت كورت، الحي الذي الذي أسمت أول أفلامها بإسمه.

كل نساء فاردا

تمامًا مثل أفروديت التي ظهرت صدفة في البحر، وصفت آنيس بطلة فيلم "المتشردة" مونا بأنها قادمة من البحر، مونا المتشردة الحرّة، التي تعيش بلا خطة ولا هدف، والتي ستُدفن لاحقًا في مدافن الغرباء، وقد حصلت آنيس على جائزة الأسد الذهبي عن هذا الفيلم.

فيلم المتشردة، المصدر: موقع cine-tamaris

حياة فاردا كانت بين السينما والتصوير والنسوية واللون الأرجواني، تقول"حاولت أن أكون نسوية مرحة لكني كنت غاضبة جدا" ، كانت غاضبة من العنف على النساء، من قوانين الإجهاض، من الختان، ، وقّعت آنيس على بيان قامت صحيفة بتسميته "بيان من 343 عاهرة"، لتغيير قوانين الإجهاض، خرجت آنيس وكانت حاملًا في ذلك الوقت في مظاهرات أمام محكمة بويني عام 1972، من أجل حقوق النساء في الإجهاض.

تقول فاردا إن "السخرية سلاح قوي، إجابة قوية، يجب أن تطلق النساء النكات على أنفسهم، تضحكن على أنفسهن، لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه". شخصياتها النسائية تبحثن عن الحرية، في فيلم "كليو من 5 إلى 7" تنتظر كليو نتيجة اختبار طبي وقد تنبأت لها قارئة الورق بإصابتها بمرض خطير، أبطأ ساعتين من الممكن أن يعيشهم الإنسان. ساعتان تتحرك فيهما لتمضي الوقت الذي تذكرها به الساعات المنتشرة في كل مكان، وساعتها الداخلية القلقة، المذعورة، حتى تسمع النتيجة فتتحرر من الانتظار وتتبدد مخاوفها، ليس لأن النتيجة سلبية، بل لأنها تخلصت من الانتظار والقلق.

فيلم كليو من 5 إلى 7 المصدر : موقع cine-tamaris

اختارت كليو أن تمضي الوقت برفقة صديق جديد هو في الواقع جندي مشارك في الحرب الجزائرية، ليتشاركا الخوف من الموت المحتمل، تقول "خوفها من الموت التقى بخوف آخر، خوف صديقها الجندي المشارك في الحرب الجزائرية، الحرب الاستعمارية التي شارك فيها الكثيرون"، تمنت آنيس فيما بعد لو تمكنت من إعادة الفيلم، لتقوم به امرأة سوداء أمريكية، في انتظار تحليل الإيدز، وأن تُعطي الدور لويتني هوستن.

من الفوتوغرافيا إلى السينما

كانت تلهمها الواقعية والعالَم المُهمّش الذي يقتات على بقايا فضلات المجتمع الاستهلاكي، تقول فاردا إنها فكرت بأنها إذا دمجت الصور مع الحوارات سوف تحصل على سينما، لكنها أدركت بعدها أن الامر مختلف.

بدأت آنيس حياتها كمصورة صحفية في 1950. جالت خلالها حول حقول فرنسا لترى جامعي حصاد القمح، وكان ذلك نواة لفيلمها "الملتقطون وأنا" وقد صورت فيه من يعيشون على الالتقاط، ولأنها فنانة بصرية بالأساس افتتحت الفيلم بلوحة "الملتقطين" لجان فرانسوا مييه.

في القمامة وجدت قطعة من البطاطس على شكل قلب، أحبت كيف يمكن أن تجد القلوب ملقاه بين القمامة. ولأنها من جيل لا يرمي أي شيء كما كانت تقول، فكانت تحتفظ بصور لكل شيء، وتعتمد في أفلامها على الــ footage أو الصور المأخوذة من الأرشيف، كانت فاردا تصور بكاميرا محمولة حتى تقترب من الناس بمفردها كي لا يرهبون التصوير.

آنيس وجاك

كل الموتى يذكرونها بجاك، جاك ديمي المخرج، الذي كان يريد صناعة أفلام هادئة عن السعادة، والذي ستتدفن لاحقًا بجواره رحل عام 1990، التقت به في مهرجان سياحي في عام 1958 وتزوجا في عام 1959.

تتذكر جيدًا؛ "تشاركنا السرير والطاولة، الأطفال والألعاب، والرحلات إلى نورموتير" هكذا قالت في شواطيء آنيس. كانت تحلم بأن يكبرا سويًا، لكنه سبقها إلى الشاطئ الآخر بعد إصابته بمرض قاتل.

آنيس وجاك، المصدر :موقع cine-tamaris

حين كان في مراحل حياته الأخيرة، كانت تعرف، تقول "باعتباري مخرجة لم أفعل شيئًا سوى تصويره، تصوير أدق تفاصيله، جلده، وعينيه، شعره الذي يشبه المناظر الطبيعية الشاسعة، يديه وجلده"، وأهدت آنيس ثلاثة أفلام لذكراه.

المحطة الأخيرة

كانت ترى أن "الوقت يمضي، لكن على الشواطئ فهو سرمدي"، في فيلم faces places مع المصور J.R أخبرته أنه قد يكون فيلمها الأخير لأنها مصابة بمرض في عينيها يجعلها ترى الأشياء غائمة.


اقرأ أيضًا: مهرجان كوبنهاجن للأفلام الوثائقية: قاعات السينما لم تعد فقط للترفيه


لم يبد عليها الخوف من الموت ربما لأنها سمعت نصيحة عمها التي أخبرها إياها في فيلم uncle Yanco أنه لاينبغي أن نسأل عن الموت، لا ينبغي أن نطرح أسئلة أكبر منا"، صنعت فاردا وثائقي أخير بعنوان Varda by Agnès، ثم رحلت في 29 مارس/ آذار الماضي، عن سن تسعين عامًا لأن الوقت على شواطئ آنيس أيضًا يمرّ.