معتصمون ينظفون ميدان التحرير بعد تنحي مبارك - صورة مفتوحة المصدر من ويكيبيديا

جوائز للأبطال: الثورة كحدث عابر

ماذا لو قرر أحدهم تحت سطوة تسلطت عليه بأن يقفز متعمدًا داخل بوكس شرطة؟

في ظل ذكريات قد لا يرغب البعض في استعادتها لأن مآسيها فاقت مكاسبها، تأتي رواية جوائز للأبطال لأحمد عوني والصادرة هذا العام عن دار المحروسة، لترسم صورة اجتماعية لجيل الثمانينات وتلقي بظلال على أيام الثورة والأيام التي مهّدت لها، بحكايات عن أحداث سبقت اندلاعها، والحماس الذي خفت فلم يبقَ منه سوى قلق يتنبأ بأن القادم ألعن.

تبدأ الرواية بكابوس تتجمع فيه كل مخلفات لا وعي رامي، بطل الرواية، عن ذكريات الثورة ومن شاركوه أيامها. يرى رامي نفسه جالسًا يأكل بشراهة لا يفهمها، يدرك أنه يحلم، يفكر ويتصور ويفسّر وتتداخل الأحداث في حلمه برعاية السيد كنتاكي وزيته المحروق، ترتبط ذكريات الثورة لديه فيما يبدو بفرع كنتاكي التحرير، في استدعاء للتهمة التي أطلقتها أبواق النظام آنذاك بأن ممولي الثورة من الأجانب يجذبون الناس للاعتصام في الميدان مقابل وجبات مجانية من كنتاكي.

عين الراوي

بداية الرواية التي تنضح بذكريات الميدان تجعل تصنيفها صعبًا للوهلة الأولى، ما إذا كانت رواية أخرى عن الثورة أم أنها تجربة اجتماعية للبطل الشاب تتخللها يتخللها ما جرى في الميدان في 18 يومًا.

يوضح عوني الأمر هنا من منظوره قائلًا "قرأت حوارًا للمخرج يسري نصر الله يتحدث عن تجربته عندما عمل كمراسل في لبنان أثناء الحرب الأهلية، وكان السؤال عن الفرق بين مهمة الصحافة والفن في استيعاب الحدث ونقله للجمهور، فقال نصر الله إن وقت حدوث انفجار مثلا، فدور الصحافة يقف عند ذكر عدد الضحايا ومكان الحادث والقنبلة المستخدمة في التفجير، أما دور الفن فهو الحكي عن الناجين من التفجير".

ويتابع الروائي الشاب "أظن أن زاوية الفن هي الزاوية التي استخدمتها للكتابة، الثورة في رأيي فجّرت أزمات وكشفت تناقضات، هذا هو تخيلي عن دور الأدب؛ أن يشكك القارئ في تخيلاته وحتى إيمانه بحدث ما، ويدفعه لطرح أسئلة عن هذا الحدث وعن نفسه، دون أن يتدخل الكاتب لتمجيد الحدث حتى لو كان منحازًا له أصلا، ومع هذا يظل موضوع التصنيف بعيدا عن إرادتي ولا يمكن التحكم فيه. الجمهور هو المسؤول".

أحمد عوني - صورة بإذن خاص لـ المنصة من المؤلف

نعود إلى كابوس البداية. تشارك هدير رامي وجبته وكابوسه، هدير رفيقة الميدان، التي خافها رامي وخشي تقلب مشاعرها، وانجذب لها ربما لأنها مرآة تخبطه وتبعثر أحلامه؛ "ولأنني في الحلم أيضًا كنت أخشى مواجهتها، نجحت في تذكيرها بأن التدخين ممنوع في المكان، قبل خروج الدخان من فمها، وهي تعض على سيجارتها بشفتيها وتقول بملل: متخافش يا رامي ده مش حب.. دي حموضة".

بدت رواية عوني التي تتحدث عن أمور حساسة وشائكة، كمغامرة مصحوبة بالتردد تحسبًا لأي عواقب سياسية مثلا. "بالتأكيد فكّرت في آثار ذلك الأمر وتوابعه"، يوضح عوني مضيفًا "ولكني استطعت السيطرة على الفكرة، فلو حاولت ممارسة الرقابة على ما أكتب، فسأفقد متعة الكتابة ذاتها، لذلك سمحت لنفسي بمساحة مطلقة من الحرية".

ويتابع أنه كان محظوظًا "أن حظيت بمحررة صديقة على درجة ممتازة من الوعي هي لبنى درويش، التي طرحت عليَّ أسئلة أثناء مسودات الرواية الأولى، كنت مدفوعًا بحماس للإجابة عنها في الرواية".

ولكن "التردد أو التخوف الحقيقي بدأ مع محاولات نشر الرواية بعد كتابتها، وهي تجربة امتدت على مدار سنة كامل مع دور نشر متعددة في مصر. واجهت رفضًا مبدئيًا من بعض دور النشر، وتحمست إحداها ثم عاودت التفكير وتراجعت، وقتها بدأت أشعر بالتوتّر، خاصة مع عدم وجود مقاييس أو معايير واضحة للتجاوز الذي يمكن أن يعاقب عليه من يتحدث في مثل هذه شؤون، وبعد حماس دار المحروسة لنشر الرواية، ساعدني عبد الله صقر محرر المحروسة، وقد كانت ملاحظاته كلها فنية ولم يطلب مني على الإطلاق التخفيف من الجرعة السياسية للنص".

وبذكر الانطباعات، يحكي عوني عن الثوار مهتمًًا بالجوانب الإنسانية لديهم. ويصوّر الثورة من وجهة نظر رامي على حالها، بلا رتوش. صورة تخوّف عوني أن تفهم كانتقاص من الثورة وتشويهًا لها ما دفعه نحو ما يعتبره "نقطة الضعف" في روايته، إذ يوضح "انتمائي لمعسكرها (الثورة) أمر بديهي، ولكن أدركت أن هذا أمر قد يجهله القارئ لذلك حينما أعيد قراءة بعض مقاطع النص الآن، أرى أن هناك مقاطع كان يمكن حذفها دون إخلال بوحدة النص، ذلك أنني لم أكتبها في حينها مراعاة لروح النص أو لبناء موقف درامي، وإنما كانت أغلبها جملًا اعتراضية توضح موقفي ككاتب، وهذه مشكلة أراها نقطة ضعف أساسية في الرواية".

تظهر بالفعل فقرات اعتراضية وسط النص، يؤكد فيها عوني وقوفه إلى صف الثورة "لكن عذري الوحيد كان في تخيلي صعوبة استقبال معسكر الثورة للأحداث، وفي رغبتي توضيح موقفي من الرواية التي أقوم فيها بمجادلة ومناقشة مواقف البطولة والشهداء ودوافعهم الشخصية، بينما هم يعانون بالفعل من المعسكر الآخر الذي يتعمد تشويههم ويهاجمهم ويعرّضهم لمضايقات عديدة؛ سجون وهجرة اضطرارية ومنع من السفر، ناهيك عن الصدمات النفسية التي قد أصابت معظمهم نتاج للثورة وتبعاتها. لذلك أؤمن أن الوضع بالفعل كان حساسًا حتى أنني فوجئت أنني لم أتلق حتى الآن أي تعليق منزعج من المحتوى".

اكتمال الوعي بالثورة.. خطة طويلة الأجل

بعد سنوات ثمان من ذكرى الثورة، لا نستطيع التنبؤ بعدد لازم من السنين نجزم بعده باكتمال الوعي بالتجربة، أو بالوصول إلى فكرة واضحة عن الحدث وجب تسجيلها ومشاركتها؛ "لا أستطيع أن أدعي أن وعيي بالثورة قد اكتمل، ذلك أن اكتمال الوعي يبدأ بعد أن ننظر للحدث باعتباره تاريخًا أدى لنتائج معينة".

ويضيف عوني "إذا نظرنا مثلًا من الزاوية السياسية، يمكننا أن نرى أن الثورة ربما قد هزمت بالكامل، ولكن حتى هذه النتيجة ليست نهائية ويمكننا رؤية ذلك بوضوح في كم الذعر والتخبط الذي يتعامل به من يزعم أنه قضى بالفعل على الثورة وتبعاتها. وإنما أرى أن لحظة انفجار الوعي كانت أعمق وأنها كونت حاجزًا بين ضفتين، ضفّة تستقر عليها الأساطير القديمة وبعض القيم التي لم تعد صالحة لهذا الزمان، وأخرى ينشط بها وعي جديد بالمرحلة تتكشّف له تناقضاته، وعي مازال يتطور ويحتاج وقتًا أطول ليستقر".

تُكتب الرواية لتكون صورة الحدث؛ "لهذا لا أظن أنني كتبت الرواية بدافع مشاركة خلاصة تجربة منتهية، بقدر ما أردت حقًا طرح أسئلتي الشخصية حول التجربة بهدف التأمل فيها، وربما فكّرت في النص كمحفّز فد يدفع آخرين أيضًا إلى التفكير في آرائهم الشخصية عن حدث هام مثل الثورة والتأمل فيها ومكاشفة وعيهم بشأنها".

أبطال خارقون

غلاف الرواية

يجلس رامي متنقلًا بين قنوات التلفزيون، فخورًا بكونه أحد الذين شاركوا في هذا الحدث العظيم، وإن كان اليقين الرهيب بالثورة ما زال يؤرقه.

هنا كان عوني يلقي بمخاوفه "أعتقد أن فكرة الكتابة كانت تراودني من بداية الثورة، وأكتر ما أثار خوفي هو سيطرة فكرة البطولة على عقولنا، بالطبع كانت هناك بطولات مُلهمة تستحق الاحتفاء بها، لكنني خِفت أن يظن الجميع أن النجاح لا بد آت، فقط لو استطعنا تحقيق بطولات خارقة في الميدان، وعرضنا أنفسنا لخطر أكبر. كان دور الشهيد ومن بعده المُصاب هو التجسيد الأمثل للبطولة، والفعل الأجدى الذي كنا نطمح إليه".

يعرف عوني "أشخاصًا يبذلون الكثير من أجل الثورة، ولكنهم يعبرون باستحياء عن كونهم من 'الثوار'، لمجرد أن قصصهم تخلو من الخصائص المتخيلة لفعل 'البطولة'".

"داخل بوكس شرطة"

تدور أحداث الرواية برؤية رامي وعلى لسانه، ذلك الشاب الثري "ابن الذوات" الذي بدأت حكايته مع الثورة بمشهد سينمائي مكرر، تنقلب فيه حياته رأسًا على عقب لمجرد وجوده "في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب".

تمر المظاهرة برامي فتنشق عنها إحدى المتظاهرات وتتحدث معه باعتباره "واحدًا منهم"، يخجل رامي ويتجاوب فعلا كأنه "منهم" فعلًا. إنها الصدفة التي تقلب الأشياء.

يتابع القارئ تطور الشخصيات وغرابة تداعي الأحداث على لسان البطل طوال الرواية متنقلا بين أحداث مختلفة تجري في أزمنة عدة، الأمر الذي يطرح سؤالًا عن الكيفية التي بدأ بها خلق الرواية.

يوضح عوني "لم ابدأ الكتابة حتى صيف 2014. كنت وقتها أملك مشهدًا واحدًا يدور في مخيلتي؛ ماذا لو قرر أحدهم تحت سطوة تسلطت عليه بأن يقفز متعمدًا داخل بوكس شرطة؟"، اخترت شخصًا مناسبًا وهو بطل الرواية وحكيت على لسانه القصة، ومع المسوّدة الأولى بدأت في استيعاب مجمل الفكرة وإعادة تخطيطها".

ويتابع أن هذه الفكرة راودته "بدافع شخصي جدًا؛ تزامنا مع أحداث محمد محمود، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، حينما وجدت نفسي أنا شخصيا تحت سطوة البطولة، بعدما عرفت أن أحد أعز أصدقائي ـ مالك مصطفى ـ فقد إحدى عينيه في أحداثها، وشعرت بالذنب لأنني كنت نائمًا عند بدايتها ولم أكن أعلم بوجود اشتباكات، وأتذكر تماما أنني طوال الأيام التالية في محمد محمود كنت أحاول جاهدًا ألا أخرج منها سالمًا لأتصالح مع احساسي بالذنب. لم يكن يشغل بالي حينها لا مطالب ولا شعارات، بقدر ما كان الدافع شخصيًا تمامًا. هنا أدركت أن الأزمة أعمق مما تخيّلت".

"متخافش يا رامي"

كانت الجملة السابقة تتكرر في حياة رامي، قالتها هدير في كابوسه، وقالها بُودي رفيق الميدان في سيارة الترحيلات وهو يطمئنه من واقع خبرته مع الترحيلات والاعتقالات، وقالتها أمه الأجنبية آنجيلا وهي تودعه قبل مغادرتها لمصر عندما فشلت في الاندماج وقررت العودة لوطنها، تاركة رامي في رعاية أبيه، المليونير صاحب مصنع التعبأة.

من هنا يدخلنا عوني عنوة إلى حياة رامي وظروف نشأته المضطربة، راسمًا صورة غير نمطية لابن الذوات الذي لديه مشاكله أيضًا رغم وفرة المال والحرية التي يمنحها له والده، الحرية والثقة الرافضة للأسلوب التربوي الذي أرادت آنجيلا أن تخضعه إليه، كليشيهات كانت لتصدر عادة من الطرف العربي في الزوجين، ويعارضها الطرف الأجنبي، ولكن ما حدث هو العكس.

الغلاف الخلفي للكتاب، يحمل مقطعًا من الرواية

طوال 400 صفحة نجح عوني في جعل رامي شخصًا حقيقًا دون أن يسقط في فخ الفضفضة "لأن معظم الحكاوي التي قصّها رامي ليست حكاياتي أنا، أنتمي أنا لطبقة مختلفة وتجربتي في الثورة كانت مختلفة بدرجة كبيرة عنه، وإنما أتشارك مع رامي في أسئلته ومشاعره، وقد قررت أن أحكيها بصوته، أولا لأنني أردت أن أخلق جوًا حميميًا يشبه فعلا فعل الفضفضة، وثانيا لأن جزء من أزمة رامي لا يمكن الحكي عنها بشكل مكثف على لسانه، فهو أصلا غير مستوعب للأزمة وبالتالي لا يستطيع حكيها بدقة وإيجاز؛ يحكي هو عن أزمة قفزه بداخل البوكس، ويحاول استيعاب الورطة التي أقحم نفسه فيها، ويسأل هنا وهناك ويحاول تجميع الصورة ليعي أزمته".

تتوالى فصول الكتاب بين ذكريات عن الثورة والأحداث اللاحقة لها، ثم عودة إلى حياة رامي الاجتماعية وبداية تعرّفه إلى والده الذي كان أشبه بضيف الشرف في حياته قبل رحيل آنجيلا، بعد تمامه عامه الثامن عشر، دعاه مصطفى ـ أبوه الذي طلب منه ان يناديه باسمه مجردًا ـ ليشاركه سهرته.

سقط الجدار الأخير

يقرر رامي الانعزال عن العالم الثوري ومشاكله، ويسافر في رحلة داخلية طويلة بعض الشيء. ولكن في مشهد سريالي مفجع، تنهار آخر جدران يقينه ويموت والده، الذي ظل ضيف شرف في حياته حتى رحيل أمه، يموت "مصطفى"، في واحد من أروع نصوص وفقرات الرواية، يفجعنا عوني في مساحات الراحة القصيرة التي كنا نطمئن فيها لوجود مصطفى، بين اللهاث خلف المشرحة والهروب من الغاز المسيل.

يسخر الواقع من رامي، حينما يفكّر في العودة لعالم الثورة، فيجد الجمع مجتمعًا أمام المشرحة منتظرين خروج جثمانه ليشيعوا جنازته؛ مات شاب يشبهه جدًا الجميع أن رامي الذي غاب طويلا في إجازته قد مات، طبعت منشورات معزّية واجتمعوا لتأبينه كشهيد، يسمعهم رامي يهتفون في حرقة "يا نْجِيب حقهم.. يا نموت زيهم! كأني كنت أعرف كم كان غبيًّا أن نمنحهم بأنفسنا اختيارين".