أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية اﻷرثوذكسية. المصدر: صفحة المتحدث باسم الكنيسة

أكبر من مجرد تقويم: لماذا يتصارع المسيحيون الآن على توحيد الأعياد؟

وبفرض استمرار الحياة على الأرض حتى عام 9000 ميلادية سيحتفل المسيحيون المصريون بعيد الميلاد في 1 مارس/ آذار، بدلًا من 7 يناير.

بينما كان النقاش محتدمًا بين المسلمين حول استطلاع هلال شوال وتحديد موعد عيد الفطر الذي اختلفت فيه كل الدول العربية بين أيام الثلاثاء أو الأربعاء أو الخميس، وضرورة توحيد رؤية الهلال بشكل علمي؛ كان الجدل لا يقل ضرواة بين المسيحيين المصريين حول التقويم القبطي، ومدى إمكانية توحيد مواعيد اﻷعياد مع الكنائس الغربية، وذلك في أعقاب زيارة البابا تواضروس ﻷلمانيا الشهر الماضي، وإعلانه مناقشة اﻷمر في المجمع المقدس نهاية الأسبوع الماضي.

لكن البيان الصادر عن المجمع المقدس، الجمعة 14 يونيو، لم يوضح نتيجة المقترح الذي قدمه البابا، وذكر فقط أنه "في حالة الاحتياج إلى استثناءات لقوانين الكنيسة والتقليد المقدس نتيجة احتياجات رعوية بكنائس في بلاد المهجر يجب على الكاهن الرجوع إلى أسقف إيبارشيته، ويمكن للأسقف الرجوع إلى قداسة البابا".

25 ديسمبر أم 7 يناير؟

احتفل المسيحيون جميعًا بعيد الميلاد في 25 ديسمبر/ كانون الأول الذي يوافق 29 كيهك حتى عام 1582، حين اكتشف خطأ في الحسابات الفلكية. إذ اعتقد المسيحيون آنذاك أن اﻷرض تكمل دورتها حول الشمس في 365 يومًا وربع، بينما الواقع أنها تحتاج لـ 365 يومًا وخمس ساعات و48 دقيقة و46 ثانية لتكمل دورتها حول الشمس. ما يعني أن هناك خطأ في التقويم يساوي 11 دقيقة و14 ثانية عن كل عام.

وقتها أمر بابا روما جريجور بحذف 10 أيام من التقويم اليولياني لحل اﻹشكالية، وحذف 3 أيام كل 400 سنة، وهو ما تبعته الدول الغربية، بينما لم تنفذه الكنيسة القبطية اﻷرثوذكسية في تقويمها الذي يقدّر السنة بـ365 يومًا وربع حتى اﻵن، مما نتج عنه الاختلاف في موعد عيد الميلاد ليصبح 29 كيهك يوافق 7 يناير/ كانون الثاني، وفي السنة الكبيسة يوافق 8 يناير.

هذه المشكلات الحسابية ستؤدي إلى ترحيل مستمر في موعد عيد الميلاد وفقًا للتقويم القبطي. وبفرض استمرار الحياة على الأرض حتى عام 9000 ميلادية سيحتفل المسيحيون المصريون بعيد الميلاد في 1 مارس/ آذار، بدلًا من 7 يناير، بينما سيكون عيد القيامة وقتها في 22 يونيو/ حزيران بدلًا من إبريل أو مايو، بحسب توني مرقس، المهتم بالشأن القبطي.

بعيدًا عن مصر واستمرار الكوكب 7000 سنة إضافية، فإن المسيحيين المصريين في المهجر يعانون من عدم توحيد العيد بين كنيستهم الأم، وبين الكنائس في البلدان التي يعيشون فيها، ولهذا بدأت تظهر المطالبات بتوحيد الأعياد، وهنا بدأ الخلاف.


انفصال المهجر؟

الباحث بمعهد هدسون للحريات الدينية، صامويل تادرس، يرى أن "تغيير موعد اﻷعياد لكنائس المهجر فقط غير عملي بالمرة، فلو تم تغيير موعد العيد فما العمل في موعد الصوم السابق للعيد؟ وماذا عن الكهنة المنتدبين من مصر للصلاة بكنائس المهجر؟ هل يصوموا ويعيدوا بحسب مواعيد مصر أم المهجر؟".

وحول إمكانية انفصال كنائس المهجر، قال تادرس للمنصة إن "هناك من يدفع في ذلك الاتجاه، وهو لاهوتيًا وتنظيميًا أمر ممكن، وقد حدث في الكنيسة اﻷثيوبية من قبل، ولكنّه عمليًا صعب جدًا لارتباط أقباط المهجر الشديد بمصر، واستمرار موجات الهجرة من مصر، ولكن تظل صعوبة التواصل مع الجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين".

بند غامض

مؤسس صفحة حماة اﻹيمان، التي تمثل مدرسة البابا شنودة أو التيار المحافظ بين المسيحيين المصريين، مينا أسعد، انتقد بيان المجمع عن منح كنائس المهجر الحق في إثارة موضوع توحيد الأعياد ووصفه بـ"الغامض"، وقال "نحتاج إلي توضيح يشمل: الاستثناء ماهو وأمثلته أو حصر الحالات الاستثنائية، ماهي القوانين التي يمكن تجاوزها رعويًا؟ كلمة التقليد المقدس خطيرة جدًا لأن الكتاب المقدس جزء من التقليد، فهل سيكون هناك تجاوز لنص الكتاب المقدس؟"


بلا بهجة

جون ناجي، طالب بجامعة وسط فلوريدا، يرى أن عدم توحيد مواعيد اﻷعياد يسبب أزمة حقيقة. "لا أفهم لماذا نحتفل بعيد الميلاد في 7 يناير وليس 25 ديسمبر، مثل اﻵخرين. ولماذا يعد اﻷمر مسألة عويصة بالنسبة لنا بهذا الشكل؟ أعتقد أن عيد الميلاد يتعلق بالاحتفال بالمسيح وحسب، ولكن اﻷمر يبدو غريبًا جدًا أن نحتفل بمفردنا في يوم مختلف عن اﻵخرين".

وأضاف ناجي للمنصة "عندما يأتي موعد احتفالنا هنا يبدو بلا بهجة بالنسبة لي، ﻷن الجميع يكونوا قد احتفلوا به بالفعل، وعادوا إلى أشغالهم، وبالتالي يكون طلب إجازات بعد الكريسماس أمرًا عسيرًا جدًا".

الاستعانة بالمتخصصين

راعي كنيسة القديسة دميانة بولاية فلوريدا اﻷمريكية، القس فيلوباتير جميل، يرى أن "المسألة تتعلق بضبط التقويم وليس توحيد اﻷعياد، وطالب بتشكيل لجنة متخصصة من المجمع المقدس، بمشاركة عدد من علماء الفلك والعلمانيين بعدد متساوٍ، لا يغلب عليه فئة دون الأخرى، بمشاركة الآباء الذين أعلنوا موقفهم الرافض، للبحث ودراسة التقويم وضبطه إن كان يحتاج إلى ضبط".

وأضاف في تدوينة أخرى على فيسبوك "القيادة الكنسية كانت إلى وقت قريب، تلتزم بتحريك يوم العيد ليكون 8 يناير في السنة الكبيسة، إلى أن قررت الحكومة المصرية جعل 7 يناير عيدًا قوميًا، ووقتها اتخذت الكنيسة قرارًا بالالتزام به، وصلاة قداس ليلة العيد 27 كيهك مساء وتكرار نفس القراءات يوم 29.. ووقتها لم نسمع حماة الإيمان يعترضون".


بالغ الخطورة

اﻷنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة، أصدر بيانًا بعنوان "الوحدة في اﻹيمان قبل الوحدة في اﻷعياد" أعلن فيه رفضه توحيد اﻷعياد مع الكنيسة الكاثوليكية. "ﻷن اﻷعياد من المُسَّلمَات اﻹيمانية التي سُلمت للكنيسة، وسُلّمت إلينا فلا يجوز مدّ اليد عليها، بالتغيير أو التبديل، بالزيادة أو النقص أو بالحذف" بحسب البيان.

وأضاف "قد يترتب على تغيير موعد بعض اﻷعياد، أو اﻷعياد ككل، أن البعض اﻹكليروس و الشعب البسيط، ربما يتخيلون أنه تمت الوحدة مع كنيسة ما أو مع أكثر من كنيسة، فيتخلون عن إيمانهم ومعتقداتهم، ويتقدمون للأسرار الكنسية في الكنائس اﻷخرى، ثم تدريجيًا يتأثرون بالطوائف، ويصبح داخل كنيستنا إكليروس وشعب طائفي، وهذا يمثل خطورة بالغة على إيمان الكنيسة وعقائدها".

وهو نفس ما شدد عليه في إحدى عظاته، واهتمت صفحة حماة اﻹيمان على فيسبوك بنشره.


الخلاف بين الفريقين وإحالة النقاش إلى الثوابت اﻹيمانية يعيد للأذهان الهجوم على بيان الكنيستين القبطية اﻷرثوذكسية والكاثوليكية حول عدم إعادة المعمودية، مما دفع بالبابا إلى تغيير نص الوثيقة بعد نشرها، من قبول المعمودية إلى "نسعى جاهدين بضمير صالح نحو عدم إعادة سر المعمودية"، ورفض التقارب مع الكنيسة الكاثوليكية، فيما يبدو وكأنه صراع بين تيارٍ مجدّد يقوده البابا تواضروس وتيار محافظ يقوده اﻷنبا أغاثون وآخرين.

أكبر من مجرد صراع

يرى صامويل تادرس أن المسألة أكبر من مجرد صراع بين تيارين محافظ ومجدّد، ولكن هناك خلافات أكبر من ذلك داخل المَجْمَع المقدّس.

وأضاف تادرس أن ذلك الصراع "كان من المتوقع حدوثه بعد وفاة البابا شنودة، بغض النظر عمن يخلفه، نظرًا لجلوس البابا شنودة على الكرسي البابوي ﻷربعين سنة، شكّل خلالها الكنيسة حسب توجهاته، فكان من الطبيعي أن يلقى من يخلفه بعض الرفض والمقاومة، وما عزز من ذلك هو شخصية البابا تواضروس المعروف بقدراته اﻹدارية، ولكنه غير صدامي ويميل للحلول الليّنة. ببساطة لم يكن أحد يجرؤ على إثارة تلك الخلافات ولا إصدار مثل هذه البيانات أيام البابا شنودة".

ضعف شعبية البابا

يعتقد تادرس أنه "من الخطأ تصنيف البابا تواضروس ضمن مدرسة بعينها، وأن ذلك يحمّله أكثر من طاقته، ولكن يمكننا القول إنه منفتح على مدارس مختلفة، ومؤمن بالتنوع داخل الكنيسة الواحدة".

ويرى تادرس أن هناك، من اﻷساقفة، مَن هم على خلاف مع البابا ﻷسباب لاهوتية أو عقائدية، مثل الراحل اﻷنبا بيشوي، وهناك مجموعة أخرى تراه أضعف من أن يجلس على الكرسي المرقسي.

حل الثلاثة عشر يومًا

راعي كنيسة السيدة العذراء بشيكاغو، القمص يوحنا نصيف اقترح تعديلًا "يُجرى مرة واحدة فقط، وهو اقتطاع ثلاثة عشر يومًا من السنة القبطيّة، وبهذا سيأتي يوم 29 كيهك موافقًا ليوم 25 ديسمبر كما كان يحدث لقرون طويلة قبل ضبط التقويم الميلادي في عام 1582".

وأضاف في بوست على صفحته بفيسبوك "يتمّ اتباع نفس الآليّة المستخدمة في التقويم الجريجوري لضبط فروق الدقائق والثواني في ضبط التقويم القبطي عبر السنين، فيتمّ اقتطاع ثلاثة أيّام من الشهر الصغير كلّ 400 سنة، واقتطاع يوم إضافي كلّ 4000 سنة، ويوم آخر كلّ 20000 سنة. وهكذا بعد هذا التعديل سيتطابق التقويمان تمامًا، ولا يكون هناك مجال للاختلاف نهائيًّا".


أمور أخرى

هذا الاقتراح رفضه مينا أسعد، على اعتبار أن هناك أمورًا أخرى مبنية على هذا التقويم، مثل ارتباط التقويم القبطي بالمواسم الزراعية ومناخ مصر، وأنه "من هنا تكمن خطورة أي تعديلات في هذا التقويم، لأن استخدامه ليس قاصرًا علي الكنيسة فقط، بل هو ملك لكل المصريين.. فمن يريد التغيير عليه أن يصنع تقويمًا جديدًا، و لكن لا يغير في هذا التقويم".