البابا تواضروس وعدد من اﻷساقفة. الصورة: المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية اﻷرثوذكسية- فيسبوك

جذور أزمة الكنيسة: ملامح الصراع بين الحرس القديم وطموح البابا

ومن ملامح الأزمة الواضحة، تضخم ذات ومكانة رجل الدين المسيحي لتصل إلى حافة القداسة.

تشهد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أجواء أزمة على أثر تعمق الخلافات بين أساقفة الكنيسة، وظهورها للرأي العام، وتبادل النقد الحاد إعلاميًا حول قضايا عقائدية وتعليمية وإدارية، للمؤسسة الدينية الأقدم في مصر.

ملامح الأزمة بدأت في الوضوح مع حادث قتل رئيس دير أبو مقار الأنبا إبيفانيوس خلال يوليو/ تموز 2018، ثم تزايدت حدتها مع إدانة راهبين بقتله، ووقوع جريمة أخرى داخل إحدى كنائس محافظة القليوبية بطلها هذه المرة عامل قتل كاهن الكنيسة بداخلها.

أطراف لها مصالح

وتداولت وسائل الإعلام مذكرة قدمها أربعة أساقفة أعضاء بالمجمع المقدس، تتضمن مخالفات عقائدية وإدارية لأساقفة آخرين، للنظر فيها خلال الاجتماع السنوي للمجمع المقدس للكنيسة القبطية (الذي عُقد في 14 يونيو/ حزيران الجاري).

وهو ما رد عليه سكرتير المجمع المقدس اﻷنبا دانيال، في لقاء مع قناة سي تي في التابعة للكنيسة، قائلًا إن هناك أطراف لها مصالح شخصية تسعي لضرب وحدة الكنيسة واستقرارها، منتقدًا تسريب المذكرة لوسائل الإعلام قبل مناقشتها داخل المجمع، وهو سلوك لم تعتاده الكنيسة القبطية، لاسيما أن الانتقادات تطول شخص البابا، وتصف آراء بعض الأساقفة الآخرين بالمخالفات العقائدية البالغة.


وخرج المجمع المقدس بقرار تشكيل لجنة للمراجعة الإيمانية، تكون مسؤولة عن مراجعة أي تعليم خاطئ ينشر، سواء على الميديا أو على المنابر، وهو مؤشر لتأجيل التعامل الجاد مع الأزمة الحقيقية التي تعيشها الكنيسة وجذورها، والتي لا يفيد تجاهلها والسكوت عليها، بحجة أن الأقباط يقدرون ويحترمون رجال الدين ولا يخرجون عليهم، أو أن الوقت كفيل بإرسال الأزمة إلى طي النسيان.

تخسر الكنيسة كثيرًا إذ تركت الأمراض التي أصابت الرهبنة والتعليم والرعاية داخل الكنيسة تتكاثر، وتتسع دوائر تأثيرها بدون تدخل جراحي عاجل وناجع.

كنيسة واحدة وتياران

للأزمة ملامح لا تخطاها عين، في مقدمتها اشتعال حدة الخلافات بين تيارين فكريين داخل الكنيسة، الأول محافظ وتقليدي شعبوي يقوده تلاميذ البابا شنودة، وهو تيار كان مسيطرًا ونافذًا أثناء البابا السابق، ويميل أنصار هذا التيار إلى أحادية الرأي، وهو يخلط بين النص المقدس وتفسيراته، وله موقف متشددة تجاه الطوائف المسيحية غير الأرثوذكسية، ومساحة التعاون بين الكنائس العالمية.

أما التيار الثاني فهو أقل تشددًا؛ وأنصار هذا التيار مع حل الملفات المعلّقة من فترة بابوية البابا شنودة، مثل الأحوال الشخصية، وعدم معاقبة الأقباط الذين يحجّون إلى القدس، كما أنهم منفتحون على الكنائس العالمية والتعاون معها.

خطوات إصلاحية

واتجه البابا تواضرس في عمله نحو التيار الثاني والإبتعاد عن أفكار البابا شنودة الثالث، بداية من حديثه المتواصل عن ترتيب البيت من الداخل، واتخاذ خطوات للإصلاح الإداري بالكنيسة، ومحاولة معالجة الملفات الشائكة كملف الأحوال الشخصية، والانفتاح تجاه الكنائس العالمية، وتعزيز العلاقات والحوارات اللاهوتية بينها، وكان من آثر ذلك استبعاد عدد من قيادات التيار المتشدد من مركز صناعة القرار بالكنيسة، ومن المناصب القيادية بالمجمع المقدس.

هذا الاختلاف كان يمكن أن يكون عامل ثراء ونهضة فكرية داخل الكنيسة، في حال لم تصل حدة الاختلافات إلى إتهامات بالهرطقة والخروج عن تعاليم الكنيسة، فقد سعى أنصار التيار المتشدد لاحتكار ميراث البابا شنودة، واتهام من يخالفه بأنه قد خرج عن المسيحية، مستخدمين في تحقيق ذلك قنوات ومواقع دينية مسيحية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدعم عدد من الأساقفة، لترهيب المخالفين لهم فكريًا وتشويهم صورتهم لدى المجتمع المسيحي.

معصوم

ومن ملامح الأزمة الواضحة، تضخم ذات ومكانة رجل الدين المسيحي لتصل إلى حافة القداسة، والتي جعلت البعض يتصور أن رجل الدين معصوم من الخطأ، وإذا أخطا فلا يجب مراجعته أو الحديث علانية عن خطأه.

وفي تسجيل مسرّب منسوب للراهب المشلوح إشعياء المقاري، المدان بقتل اﻷنبا إبيفانيوس، تحدث عن هذا الخلل مع أحدهم قائلًا "طول ما انت بالجلابية السودا قول اللي انت عاوزه، لو قلت الحاجة، ورجعت تاني يوم قلتلهم عكسها، هيقول انت أكيد ظهرلك رؤية، أو الروح القدس نطق على لسانك، أو هم مكانوش فاهمين المعنى من اللى قلته امبارح، كل يوم تعك أي عك في الكلام بجلابية سودا مبيفتكروش، ولا يرجعوا وراك انت بتقول إيه".

وعقب صدور حكم محكمة جنايات دمنهور بالإعدام، للراهبين المتهمين بقتل رئيس دير أبو مقار ساد اتجاهان، الأول يرى أصحابه أن المتهمين مدانين، فلا توجد مصلحة من وراء إخفاء الحقيقة أو معاقبة بريئن بتهمة لم يرتكباها، وبين قطاع آخر لا يزال يرى أن هناك أيادٍ خفية تحاول إغلاق القضية بتقديم الراهبين كبش فداء، وكان أبرز هذه الأصوات الأنبا أغاثون أسقف مغاغة والعدوة، الذي أكد أنه ليس حكم ضد الراهبين بل ضد الرهبان والرهبنة القبطية والكنيسة كلها.

وجاء في بيانه المعنون"فاجعة الحكم على راهبين من دير القديس أبو مقار الكبير ببرية شهيت" أن هذا الحكم تسبب في فاجعة لا مثيل لها للرهبان جميعًا والاكليروس خصوصًا، ولبقية الأقباط بصفة عامة في الداخل والخارج.

وأكد أن "هذا الحكم له آثاره السلبية التي تمتد على الرهبان والرهبنة والكنيسة القبطية كلها، ولسنوات طويلة مستقبلية". ثم أعقبه ما تم تداوله عن وجود تحركات داخل المجمع المقدس للإعلان عن رفض سياسات البابا تواضروس الثاني، وإداراته للكنيسة ومراجعته فيها بشكل جدي، وهو ما عقّبت عليه لجنة الإيبارشيات بالمجمع بنفي هذه الأخبار والتأكيد على دعمها للبابا تواضروس الثاني، وكذلك فعل المجلس الملي المنتهية مدته ودوره منذ 2011.

نمط مشوّه

هذا الخلل أنتج نمطًا مشوهًا من العلاقة بين رجل الدين والشخص المسيحي العادي، يجعل من الأخير اتكاليًا، يسأل رجل الدين في تفاصيل حياته اليومية، يسأله عن الكلية التي يدخلها، والزوجة التي يختارها، والعمل الذي يلتحق به، وغيرها من القرارات المصيرية، والتي قد لا يملك فيها رجل الدين أي خبرات، وليس مطلوب منه أن يمتلكها.

إصلاح حقيقي

الكنيسة القبطية في الوقت الحالي في أشد الاحتياج إلى إصلاح حقيقي، كعلاج جذري، وتصحيح شامل للمعادلة التي تحكم علاقة الإكليروس بعموم الأقباط.

أتفهم أن هناك عقدة تاريخية من مفهوم الإصلاح، حيث اقترن لفظ الإصلاح عند البعض بأنه هدم للعقيدة والموروث الديني، وأنه سيكون مثيلًا لما قام به مارتن لوثر في أوروبا، حيث كان بابا روما يملك السلطتين الدينية والسياسية وأساء استخدامهما، وقام بمنح صكوك الغفران وطارد العلماء.

هذا السياق مختلف تمامًا عما مرت به الكنيسة الأرثوذكسية القبطية، باعتبارها كنيسة أغلبية تحولت إلى كنيسة أقلية مضطهدة عبر مئات السنين، وعلى الرغم من ذلك فإن تاريخ الكنيسة القبطية غني بقصص بابوات أنجزوا نهضة كنسية، من أبرزهم البابا كيرلس الرابع، الملقب بأبي الإصلاح، والذي اهتم بالتعليم وأنشأ عددًا من المدارس للفتيات، وأدخل المطبعة، وتسامح مع الطوائف اﻷخرى.

البابا كيرلس السادس يستلم رفات مرقس الرسول. الصورة: صفحة المتحدث باسم الكنيسة

دور العَلمانيين

ولم يكن غريبًا خلال العقود الأخيرة أن يتوارى الحديث عن البابا كيرلس الرابع مقابل بابوات آخرين، مثل البابا كيرلس المشهور عنه الصلاة والمعجزات، والبابا شنودة الثالث المشهور عنه التوسع في إنشاء الكنائس وتحويل الكنيسة لمؤسسة متكاملة متجاوزة دورها الديني، والاهتمام بأقباط المهجر، و لعب الاثنان دورًا لا يستهان به في القضاء على المشاركة الحقيقية والمستقلة للنخب العلمانية القبطية، في إدارة شؤون الكنيسة، خصوصًا في ظل نظام يوليو الشمولي.

ويطلق مصطلح "العلمانيين" في الكنيسة على غير رجال الدين الذي يطلق عليهم "إكليروس".

يتطلب الإصلاح وجود مجلس من العلمانيين يشارك رجال الدين إدارة شؤون الكنيسة، مشاركة حقيقية، لا قوائم مصطنعة أو انتخابات شكلية، مجلس يملك مسؤوليات وصلاحيات واضحة في الإشراف على الكنيسة، كمؤسسة لم يعد دورها تقديم الخدمات الدينية والروحية فقط، بل توسعت أنشطتها الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لتجاوز دورها الديني، فهناك مدارس ومستشفيات وأندية وشركات نقل وأراضٍ زراعية، وليس من المنطق أن يدير رجل دين كل خبراته في اللاهوت ممتلكات الكنيسة، وأنشطتها الاقتصادية بعيدًا عن شعب الكنيسة وبدون رقابته.

الرقابة المطلوبة ليس رقابة مؤسسات الحكم، لكن رقابة ذاتية من أعضاء الكنيسة، فالدولة نفسها لا تقدِم أي دعم مالي للكنيسة، كما أن تجاربها في هذا المجال سيئة، وتدخلاتها تكون بغرض السيطرة والتحكم، وهو أمر خطر على جميع الأطراف.


اقرأ أيضًا: أكبر من مجرد تقويم: لماذا يتصارع المسيحيون الآن على توحيد الأعياد؟


مراجعة الخطاب الكنسي

يتطلب الإصلاح مراجعة للخطاب الكنسي، ووضع الحدود الفاصلة بين ما يدعي أنه دور وطني، وبين أية أدوار سياسية، فطالما انتقد الأقباط ورجال الدين المسيحيين وجود أية أدوار سياسية للجماعات الإسلامية، كما أن التورط في أي أدوار سياسية لها يجعل رجال الدين عرضة للابتزاز السياسي والضغط عليهم، وعدم استقلال قراراتهم، كما أنه يحمّل الأقباط المسؤولية عن مشكلات وسياسات لم يكونوا طرفًا فيها، ولم يحصلوا على منافع منها، فاتورة يدفعونها بدون سبب.

لعبت قيادات الكنيسة، خلال السنوات الأخيرة، أدوارًا سياسية ما كان يجب أن تتورط فيها، وإذا كانت هذه القيادات قد دُفعت في لحظة تاريخية ما لأن تصبح جزءًا من دعاية النظام السياسي ومؤسسات الحكم، فكان يجب عليها أن تدرك أنه أمر مؤقت لا يمكن أن يستمر، وأن استمرار هذا الدور السياسي مؤذٍ لجميع الأطراف.

ليس عيبًا أن يدرك رجال الدين الأخطاء والخطايا التي تترتب على أدوارهم، فالتراجع عن الأخطاء ضرورة لا تحتمل أي تأجيل.