بوريس جونسون. الصورة: Matt Brown - فليكر

بوريس: الفتى الذي حلم بأن يصبح ملكًا على العالم

على مدى عامين تبوأ فيهما منصب وزير الخارجية، برهن بوريس أنه الأكثر إثارة للمشكلات والأقل كفاءة لهذا المنصب.

يدخل بوريس جونسون إلى البيت العاشر في دوانينج ستريت وهو يدرك أن البريطانيين لم ينتخبوه، وأن أي إخفاق منه في المرحلة الأخيرة من ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يحرم حزبه من الحكم لجيلٍ كامل. لكن ذلك ليس مهمًا بالنسبة لبوريس.

بوريس يعد من السياسيين القلائل الذين يشار إليهم باسمهم الأول وليس اسم العائلة. وهو أيضًا من السياسيين القلائل الذين لديهم سيرة ذاتية حافلة بالأحداث والمواقف، التي تجعل التساؤل حول نزاهته وصدقه أمرًا مطروحًا في كل لحظة.

ملك العالم

ولد بوريس لعائلة تنتمي للشريحة العليا من الطبقة الوسطى البريطانية. والده كان يدرس الاقتصاد في جامعة كولومبيا بنيويورك، عندما أنجب بوريس عام ١٩٦٤. من ناحية الأب، لدى بوريس جد تركي شركسي مسلم اسمه علي كمال، كما أن لديه أجدادًا إنجليز وفرنسيين، ومن بينهم من ينحدر من نسل الملك جورج الثاني، الذي حكم بريطانيا في القرن الثامن عشر، أما من ناحية الأم، فلدى بوريس جد روسي يهودي.

بوريس إذن هو نقطة التقاء الأديان الإبراهيمية الثلاث.

تخرج بوريس في مدرسة إيتون، وبعدها درس في جامعة أوكسفورد، والتي خرجت أبرز زعامات حزب المحافظين ومن بينهم دافيد كاميرون، رئيس الوزراء الأسبق، تيريزا ماي، رئيسة الوزراء السابقة، جيرمي هنت، ويليام هيج، مايكل جوف.. وآخرين.

بوريس مرةً أخرى هو التطور الطبيعي والمتوقع لفتى ينتمي للشريحة العليا من الطبقة الوسطى، تم إنتاجه داخل مصنع النخب السياسية والثقافية والاقتصادية في بريطانيا وهي إيتون، ثم تدرب على السياسة والحكم في مصنع إنتاج رؤساء الحكومات وهي أوكسفورد.

ربما لهذا تقول عنه أخته الصغرى، راتشيل صبيحة جونسون، إن إجابة بوريس وهو طفل عما يتمنى أن يفعله عندما يكبر كانت دائمًا "أريد أن أكون ملك العالم".

بالنسبة لاسم راتشيل الثاني وهو صبيحة، فإن اختياره جاء من اسم الزوجة الثانية لجدها وجد بوريس التركي علي كمال، الذي كان وزيرًا للداخلية في حكومة محمد فريد باشا، رئيس الوزراء قبل الأخير للدولة العثمانية، كما أن صبيحة الجدة كانت ابنة الفيلد مارشال "المشير" محمد زكي باشا، أحد أهم القادة في جيش الدولة العثمانية خلال حروب البلقان والحرب العالمية الأولى وآخر رئيس أركان لجيش الدولة العثمانية قبل سقوطها.

أحد أبطال الفبركة

بعد تخرجه خاض تجربة الزواج للمرة الأولى، سيخوضها لاحقًا مرةً أخرى، واختار مصر مكانًا لشهر عسله، والذي خرج منه على بيت الزوجية في أحد الأحياء الراقية بغرب لندن، وبسبب نفوذ عائلته دخل صحيفة التايمز كصحفي متدرب، وكتب موضوعًا عن اكتشافٍ أثري، ونسب مقولةً ألفها لجده المؤرخ كولين لوكاس. بالطبع عندما علم رئيس التحرير آنذاك شارلز ويلسون، خرج بوريس من التايمز مطرودًا.

لكن الصحفي الذي فبرك مقولة ونسبها لجده، لم يكن ليجلس في حديقة منزله عاطلًا، فورًا استطاع أن يصبح صحفيًا في الديلي تلجراف، بسبب معرفته برئيس تحرير الصحيفة المحافظة آنذاك، الصحفي والمؤرخ المعروف ماكس هاستينجز. خلال عامٍ واحدٍ فقط انتقل بوريس لمكتب الصحيفة في بروكسل وأصبح مراسلًا مختصًا بتغطية شؤون المفوضية الأوروبية، والتي كان كارهًا لها إلى درجة أنه كتب أن المفوضية الأوروبية تخطط لمنع رقائق البطاطا بطعم الجمبري، وتخطط لمنع النقانق الإنجليزية، وتخطط أيضًا لتحديد حجم الواقي الذكري، وهي كلها أكاذيب جعلت كريس باتن، آخر حاكم عام بريطاني لهونج كونج، يصف بوريس بأنه "أحد أكبر أبطال صحافة الفبركة".

لكن أكاذيب بوريس المخلوطة بطريقته الجذابة في الكتابة، جعلته الصحفي المفضل لدى رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت ثاتشر.

إلى التليفزيون والسياسة

لكن أكاذيب بوريس المخلوطة بطريقته الجذابة في الكتابة، جعلته الصحفي المفضل لدى رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت ثاتشر، بينما لم يحبه رئيس الوزراء الذي خلفها في الحكم جون ميجور. هذه المشاعر المتناقضة من قيادات المحافظين لم تؤثر على مسيرة بوريس في الصعود داخل الديلي التلجراف ليصبح مساعدًا لرئيس التحرير ومعلقًا سياسيًا، ولاحقًا رئيسًا لتحرير الأخت الصغرى للصحيفة وهي مجلة "ذا سبكتيتور".

وبالتوازي انطلق بوريس نحو عالم التلفزيون والبرامج السياسية الساخرة، كما كتب عن السيارات في مجلة مخصصة للرجال، وتحول خلال سنوات التسعينيات والنصف الأول من عقد الألفية الأول إلى شخصية عامة، معروفة بآرائها الغريبة وبخفة دمها وسخريتها تلفزيونيًا.

في ٢٠٠١ قرر بوريس أن يبدأ أولى خطوات تحقيق حلمه في أن يمتهن السياسة بالإضافة إلى الصحافة. ترشح عن حزب المحافظين وفاز بمقعد في مجلس العموم عن دائرة "هنلي"، التي استمر نائبًا عنها حتى عام ٢٠٠٨، عندما خاض انتخابات عمدة لندن وفاز بها أمام العمدة الذي ينتمي لحزب العمال كين ليفنجستون.

وخلال سنوات قيادته للمدينة التي امتدت لدورتين أشرف على استضافتها للأولمبياد في ٢٠١٢، كما غير في شوارع المدينة كي تكون أكثر ملائمة لراكبي الدراجات، خاصةً وأنها وسيلته المفضلة للتنقل داخل العاصمة. وفي ٢٠١٦ قرر بوريس عدم خوض انتخابات عمدة لندن لدورة ثالثة، ليركز على مسيرته داخل حزب المحافظين.

لعبة الخروج من الاتحاد

قبل ذلك بعام، قرر بوريس أن يعود إلى مجلس العموم، وحينها كانت التكهنات أنه عاد من أجل منافسة ديفيد كاميرون على زعامة الحزب ورئاسة الحكومة. في تلك اللحظة كان كاميرون قد قرر أن يخوض معركة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من أجل أن يقطع الطريق على أحزاب اليمين المتشدد، التي بدأت في التنافس على استقطاب التيار اليميني المتشدد داخل القاعدة الحزبية للمحافظين.

كان كاميرون داعمًا للبقاء ضمن المنظومة الأوروبية، ولم يكن يريد بوريس أن يكون ضده، خصوصًا وأن كاميرون يدرك كاريزما بوريس الكبيرة بين ناخبي المحافظين. لكن بوريس قرر أن يتصدر معسكر الداعين للخروج بالرغم من تصريحات سابقة له بأنه يؤيد البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.

حسابات بوريس كانت أن استفتاء الخروج سوف ينتهي بانتصار تيار البقاء، ولكن النسبة التي سيحققها معسكر الخروج المضاد لكاميرون سوف تكون كفيلة بتعزيز حظوظه مستقبلًا كي يكون رئيسًا للوزراء. لكن حساباته أخطأت وفاز معسكر بوريس.

وجد بوريس نفسه فجأة اسمًا يتداوله أعضاء الحزب من أجل المنافسة على زعامة الحزب بعد استقالة كاميرون. ذكاء بوريس جعله يدرك أن أي رئيس وزراء قادم سيفشل في مهمة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، وأن عليه أن يخرج من سباق المنافسة على زعامة الحزب. لذلك دعم "أندريا ليدسوم" التي نافست تيريزا ماي على زعامة الحزب قبل أن تنسحب وتفوز ماي بالتزكية.

اجعل أعدائك أقرب

ماي التي كانت قد قالت، قبل أن تصبح رئيسة للوزراء، إنها لن تضع يدها في يد بوريس، فاجأت الجميع وعينته وزيرًا للخارجية، عملًا بنصيحة الدون مايكل كورليوني في الجزء الثالث من فيلم الأب الروحي "اجعل أصدقائك قريبين منك، لكن اجعل أعدائك أقرب". كما أن ماي أرادت أن تجعل جونسون خارج البلاد بحكم منصبه، وبالتالي يصعب عليه أن يحرك معارضيها داخل الحزب ضدها.

على مدى عامين تبوأ فيهما منصب وزير الخارجية، برهن بوريس أنه الأكثر إثارة للمشكلات والأقل كفاءة لهذا المنصب. كان قد فاز بجائزة عن شعر نظمه في هجاء رئيس تركيا رجب طيب إردوغان قبل توليه المنصب، كما سخر وانتقد فرنسا وألمانيا وإدارة أوباما.

عندما أصبح وزيرًا حاول أن يتجاهل هذا الماضي المزعج بتركيزه على التحالف البريطاني السعودي وبدعمه للسعودية في حرب اليمن، لكنه صرح لاحقًا بأن السعودية وإيران منخرطتان في حروب بالوكالة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وهو ما دفع رئيسته تيريزا ماي للقول بأن آراء وزير خارجيتها لا تمثل حكومة جلالة الملكة.

زلة لسان

وخلال شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية حول اعتقال إيران للمواطنة البريطانية، ذات الأصل الإيراني نازنين راتكليف، نسى بوريس أن يقرأ التقرير الذي أُعد له وقال إنه يعتقد أنها كانت في إيران لتدريب الناس على الصحافة، بينما كانت نازنين راتكليف تقول إنها زارت إيران لأسباب عائلية. زلة اللسان تلك، اعتبرتها السلطات الإيرانية دليلًا جديدًا على أن نازنين كانت جاسوسة بريطانية.

في يوليو ٢٠١٨، ومثل كلب الصيد الماهر، أدرك بوريس أن ماي قد تم إنهاكها خلال مفاوضات الخروج مع الاتحاد الأوروبي، وأنها أصبحت الآن قريبة من السقوط. قرر بوريس ترك مقعد وزير الخارجية والعودة إلى الصفوف الخلفية في مقاعد المحافظين داخل مجلس العموم من أجل تنظيم انقلاب حزبي، وطعن ماي من الخلف.

حكومة جديدة

بعد أن تم ضرب اتفاق ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي بضراوة في مجلس العموم من قبل المعارضة، ومن قبل أعضاء حزبها، وتحديدًا من هم في الصفوف الخلفية، استقالت تيريزا ماي في السابع من يونيو/ حزيران وأعلن بوريس عزمه الترشح لزعامة الحزب، ليفوز على منافسه وزير الخارجية جيرمي هنت ويصبح رئيسًا للوزراء.

خرج ١٧ وزيرًا من الحكومة واستبدلهم بوريس بأكثر الشخصيات ولاءً له أو من يتوسم فيهم الولاء المطلق، عين لأول مرة مسلمًا ذا أصلٍ باكستاني، ساجد جافيد، وزيرًا للخزانة، وهو المنصب الأهم في الحكومة بعد رئيس الوزراء. وبالطبع عين دومنيك راب، وزير البريكست السابق، وزيرًا للخارجية خلفًا لجيرمي هنت.

التشكيلة الحكومية لبوريس جعلت المعلقين السياسيين في بريطانيا يصفون ذلك بأنها حكومة جديدة، ليست على صلة بسابقتها كما هو معتاد عند تغيير زعيم الحزب فقط مع بقاء الحزب في السلطة. وكأن بوريس اختار حكومة جديدة تعبّر عنه هو، ولا تعبر عن حزب المحافظين بتياراته المختلفة.

تشرشل

في ٢٠١٤ كتب بوريس كتابًا كبير الحجم عن شخصيته المفضلة رئيس الوزراء الراحل ونستون تشرشل. قارن بوريس نفسه بتشرشل أكثر من مرة واعتبر أنه سوف يصبح مثل تشرشل، الذي لم يكن ناجحًا أو متفوقًا في المناصب التي تولاها قبل رئاسة الحكومة، لكنه أنقذ بريطانيا من الهزيمة أمام النازية في الحرب العالمية الثانية.

ربما ينتمي بوريس وتشرشل إلى ذات الطبقة المحظوظة داخل المجتمع البريطاني، والتي تجد الطريق سالكًا أمامها لتولي المناصب الكبيرة رغم كثرة حماقاتها. لكن الفارق بين بوريس وتشرشل أن الأخير كان مدركًا لعواقب سياساته، بينما يبدو بوريس مستعدًا أن يذهب إلى آخر العالم من أجل أن يصبح ملكًا عليه.