أسامة بن لادن. الصورة: تصميم المنصة

أسامة بن لادن أو السوبر مان الإسلامي

وعلى النقيض، في العالم العربي، ساد الحزن بين صفوف أعضاء الحركات الإسلامية المتشددة، أو حتى بين أناس عاديين رأوا في "بن لادن" الرجل الذي أذل غرور أمريكا.

قبل 18 عامًا، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية وشاهد العالم كابوسًا حقيقيًا، عندما شنت مجموعات انتحارية هجمات متزامنة في 11 سبتمبر/أيلول 2001، على عدة أهداف باستخدام طائرات مدنية، تمثلت هذه الأهداف في برجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وسقط نتيجة هذه الهجمات نحو 3 آلاف قتيل، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين.

لاحقًا اتهمت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، تنظيم القاعدة وعلى رأسه أسامة بن لادن بالوقوف وراء الهجمات، وأعلنت الحرب على أفغانستان التي تأوي التنظيم وبن لادن، وأعلنت حربًا طويلة وواسعة على الإرهاب ورمزه الجديد، الذي كان اغتياله على يد قوة أمريكية خاصة في باكستان حدثًا جللًا يستدعي أن يعلنه الرئيس باراك أوباما في خطاب خاص لجموع الأمريكيين، متباهيًا بالثأر لضحايا 11 سبتمبر.

وعلى النقيض، في العالم العربي، ساد الحزن بين صفوف أعضاء الحركات الإسلامية المتشددة، أو حتى بين أناس عاديين رأوا في "بن لادن" الرجل الذي أذل غرور أمريكا، باعتبارها "الشيطان الأعظم"، الذي يعادي المسلمين والإسلام.


ويبقى السؤال؛ لماذا يظل بن لادن مثيرًا للجدل حتى بعد موته؟ لماذا لا ننظر إليه مثل أي قائد آخر لجماعة مسلحة، مجرد إرهابي يمكن صب اللعنات عليه وعلى سيرته؟

ابن مجتمع مهزوم

كان أسامة ابنًا للمجتمعات العربية، وهي مجتمعات مؤهلة لأن تكون مُحبّة لأمثال بن لادن، بسبب ما يعانيه أفرادها من إحباطات سياسية واقتصادية تؤثر بالسلب على الجميع، وخاصة الشباب، بحسب علي سالم، مدرس علم النفس السياسي والاجتماعي بجامعة حلوان.

نحو نصف عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين يرغبون في الهجرة، لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والفساد.

في يونيو/حزيران الماضي، أجرت شبكة بي بي سي استطلاعًا موسعًا للرأي على مستوى الدول العربية، وأظهرت النتائج عدة مؤشرات مثيرة، منها أن نحو نصف عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين يرغبون في الهجرة، لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والفساد.

هل كان يعاني من مرضٍ نفسي، أو هوس بالقتل؟ يجيب سالم؛"لا أعتقد ذلك، كان بن لادن يتمتع بدرجة عالية من الذكاء، ويتحدث بهدوء الواثق، وتلقى قسطًا وافرًا من التعليم، ولديه موارد مالية كبيرة، وكل تلك المقومات ساعدته على جذب وقيادة عدد كبير من الأتباع".

ويضيف؛ "الميل للربط بين قادة الجماعات الإرهابية والمرض النفسي به الكثير من الاستسهال، والسطحية. القضية أكبر من ذلك بكثير، ولها أبعاد أخرى غير الحالة النفسية للشخص. ليس باستطاعة المجنون أن يقنعك باتباعه والموت في سبيل قضية ما".

ويوضح "أسامة بطل الصدفة السياسية، مثلما حدث مع الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في حرب لبنان ضد إسرائيل العام 2006، وقتها كان نصر الله بطلًا شعبيًا بامتياز ورُفعت صوره في عدة بلدان عربية وإسلامية، باعتباره قاهر إسرائيل. المصالح تلتقي فيصبح عدو عدوي صديقي ،أو بطلًا إن شئت".

ضد السوفيت

في 1979 غزت قوات قوامها 100 ألف جندي سوفيتي أفغانستان، لمناصرة النظام الحاكم الشيوعي الذي تعرض لاضطرابات واسعة من قاعدة إسلامية كبيرة في البلاد، ووجدت واشنطن في المغامرة السوفيتية فرصة لرد الصفعة التي تلقتها في حرب فيتنام، فحشدت الجهود لاستنفار العالم الإسلامي والحلفاء في الشرق الأوسط وعلى رأسهم السعودية ومصر تحت غطاء الجهاد من أجل إغاثة بلد مسلم يغزوه "الكفار".

وفرت السعودية المال للجهاد وراحت تبارِك كل مبادرة لتقديم الدعم لأبطال الإسلام، وأوفدت أبناءها لمساندة المقاتلين في الخطوط الخلفية على الحدود الأفغانية الباكستانية، وفتحت مصر مخازن سلاحها الذي كدسته من صفقات السلاح السوفيتي طوال عقود، أمام المجاهدين، الذين استقبل الرئيس الراحل أنور السادات وفدًا من قياداتهم في العام 1980، في مسقط رأسه بقرية ميت أبو الكوم بالمنوفية.


من هو البطل؟

يرى الباحث في الفلسفة والمتخصص في تحليل الخطاب مدحت صفوت، أن "الإجابة عن تساؤل لماذا تحول أسامة بن لادن إلى بطل شعبي في أذهان البعض؟ يستدعي بالضرورة تحديد سمات البطل في الوجدان الشعبي، ناهيك عن مصداقية تسليم الافتراضية التي تقول بأن الشعوب العربية رأت في بن لادن بطلًا".

ويوضح "تتبلور أهمّ سمات البطل في الوجدان العربي، في الانتساب للعروبة والدفاع عن عقيدة ومُثل وأن تسنده قوة غيبية خارقة، ويجري أسطرة الحوادث التي تمر بها الشخصية المراد صناعتها بطلًا في المخيلة، وهو ما جرى مع بن لادن وأتباعه وقت حرب أفغانستان".

ويضيف "في أواخر السبعينيات، ومع اندلاع ما يعرف بـالحرب الأفغانية من 1979 حتى 1989، بدأت بعض النظم العربية مساندة ما سُمي بـ"المجاهدين الأفغان"، استنادًا إلى علاقات هذه النظم بالولايات المتحدة الأمريكية، بل وتبعية قرارها السياسي لواشنطن. حظي "المجاهدون" بدعم أمريكي نكاية في الاتحاد السوفيتي، وصل حد إمدادهم بنظام الصواريخ الأمريكية المضادة للطائرات ستينجر (FIM-92)، الذي رفع حجم الخسائر في القوات الجوية السوفييتية".

ويتابع "وقتها وردت الأخبار مهوَّلة عن المجاهدين الأفغان، وتوالت السرديات عن بطولات خارقة، كمواجهة دبابات السوفيت بحفنة تراب و"جنود لا يراها الناس" وغير ذلك، وتغاضت الأنظمة الرسمية عن تدقيق تلك الأخبار طالما أن المجاهدين يحاربون "أعداء الله" الشيوعيين الكَفرة، بتعبيرات الصحف والنخب اليمينية وقتها، وهي تعبيرات استخدمتها التيارات الجهادية استنادًا إلى نصوص ومعتقدات دينية، لتبرير أيّ عنف وإرهاب ضد المسلمين وغيرهم".

أعداء الله

تبارى الدعاة المسلمون في التبشير بآيات وكرامات المجاهدين، ومن بين هؤلاء الرجل الذي حرّض المسلمين من شرق إلى غرب العالم عبدالله عزام، بعد مؤلفه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" والشيخ عبدالحميد كشك، وغيره، ممن راحوا يزفون للعامة البشرى بالآيات والكرامات التي يجريها الله على أيدي المجاهدين.

سوبر مان إسلامي

"كنا نراه بطلًا أسطوريًا مثل أولئك الأبطال الذين نحفظ سيرهم وتضحياتهم ونتدبر معانيها في دروسنا الدينية. لقد ترك الدنيا بما فيها من متع من أجل قضيته، كان "الأخ أسامة" القدوة لأبناء جيلي في التسعينيات"، بحسب سمير (اسم اختاره للتعريف بنفسه)، 36 عامًا، عضو سابق بجماعة الإخوان المسلمين.

ويضيف " الأخ أسامة، كما كنا نطلق عليه داخل الصفوف، كان تجسيدًا لهذا البطل، الذي ترك حياة الرفاهية والجاه والنفوذ، وقرر أن يحيا "مجاهدًا" في الجبال من أجل قضية، رغم ضعف بنيته الواضح، لذا كان ما يفعله نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الجميع".

إرهابي قتل الأبرياء

عن ذكرياته يوم الحادث الصحفي والباحث أمير الصراف؛ "كنت أجلس في المنزل برفقة أسرتي، وكان التلفزيون المصري يذيع برامجه العادية وقتها. ما أذكره جيدًا يوم 11 سبتمبر 2001، أنني كنت مشغولًا بأحاديث مع الأسرة وغير منتبه لما يعرض على الشاشة، وفجأة وقع بصري على طائرة تصطدم بناطحة سحاب واعتقدت أنه مشهد من فيلم أمريكي. أدهشني المشهد، فاقتربت من الشاشة وبدأت أتابع ما يبثه التلفزيون من تعليقات على ما يحدث. كانت صدمة كبيرة".

يضيف؛ "اللقطات المتتابعة التى كان يبثها التلفزيون المصري نقلًا عن المحطات العالمية، كانت مؤلمة بالنسبة لي. كنت أتساءل ما ذنب الضحايا، وكذلك ما ذنب أولئك الذين فقدوا ذويهم. ورغم أن الدوائر الرسمية أدانت الحادث إلا أن الخطوة لم تحرض على إدانة جماعية لهذه الهجمات الإرهابية. رد الفعل في دائرة معارفي كان متباينًا بين الحزن والفرح. كانت صدمتي كبيرة وأنا أبحث عن تعاطف مع الضحايا الأبرياء في عيون الناس من حولي، لمجرد أنهم أمريكان".

ويستطرد "قبل الهجمات لم أكن أعرف أسامة بن لادن، ولا تنظيمه القاعدة، لكن عندما خرج بوش الابن متوعدًا إياه بالثأر، بدأت أشكل رؤية عنه وأتابع أخباره. كان مثيرًا للاهتمام، ولكنه يبقى مجرد إرهابي".

قائد ذكي

في رأي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، محمد بشندي "لا نستطيع الجزم بحجم شعبية أسامة بن لادن، ورأيي أن شعبيته ليست كبيرة، وهي أقرب إلى تعاطف وقتي بسبب انخراطه في نزاع مع قوى دولية، فالأمر في حقيقته يعتمد على السياق الذي ظهر خلاله بن لادن".

ويضيف "انخراطه في هجمات ضد الروس أو الولايات المتحدة قد يزيد من شعبيته نسبيًا بين الشعوب العربية والإسلامية، التي عانت من عسف النظام الدولي، لكن وقوفه وراء عمليات ضد النظم السياسية العربية والإسلامية وسقوط ضحايا خصم من رصيده بشدة".

فالرجل الذي تكلم بلطف وخجل إلى حد ما، تمتع بجاذبية مختلفة عن الزعماء الشعبويين التقليديين.

ويوضح "شعبية أسامة بن لادن، إن وجدت، قد ترجع لعدة أسباب منها توقيت نشأة تنظيمه وطبيعة خصومه، فالحرب التي خاضها ضد بعض القوى الدولية التي لا تحظى بشعبية في العالم العربي أسهمت في تكوين رؤية إيجابية عنه داخل بعض الأوساط، بمنطق أن من يحارب عدوي هو صديقي، وهو ما جعل الكثيرين يغضون البصر عن طبيعة الأدوات التي استخدمها في حربه "المقدسة"، ومدى سلامة الغطاء الفقهي الذي احتمى به بن لادن".


شخصية كاريزمية

ويتابع بشندي؛"شخصية بن لادن كاريزمية بامتياز، فالرجل الذي تكلم بلطف وخجل إلى حد ما، تمتع بجاذبية مختلفة عن الزعماء الشعبويين التقليديين مثل هتلر وتشارلز مانسون وجيم جونز، وكان لديه رؤية سياسية للنظام الدولي، وتوجه عقيدي أقرب إلى فكرة إنقاذ العالم، وليس تدميره".

يستطرد "كان يأمل في ثورة دينية كبرى، فبدا وكأنه ممثلًا أو رمزًا لقضية أكبر منه تتصل بالوضع المتردي للشعوب العربية والإسلامية وسقوطها الحضاري أمام نظيراتها الغربية، فصار التعاطف معه وكأنه أداة هروب من الواقع أو احتماء أو التماس لقوة ذاتية مفترضة غير موجودة فعليًا، أو هو نوع من التشفي في القوى الدولية الغربية أكثر منه اقتناعًا بصلاحية أفكار بن لادن وأدواته".

ويضيف "وجد حلًا تلافى به الصدام مع القاعدة الأكبر من الشعوب، بأن تحول بن لادن تدريجيًا بالتنظيم من العمل النخبوي النوعي ذي الطبيعة العسكرية المحضة إلى العمل الشعبي الإعلامي السلمي، تحت شعار تطبيق الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الإبقاء على النواة الصلبة القائمة على مبدأ الحاكمية، والبقاء خارج اللعبة السياسية.

ويتابع "كان بن لادن حريصًا على عدم الاصطدام بالمجتمعات المحلية، وعدم التوسّع في تكفير المخالفين، ودعا للبعد عن استهداف المساجد والأسواق وأماكن تجمع المدنيين، أو استهداف الطوائف المسلمة كالشيعة، وبالتالي صارت القاعدة أقل تطرفًا في نظر البعض مقارنة بغيرها من التنظيمات مثل داعش مثلًا".

ويختتم بشندي بأن طريقة قتل بن لادن والإعلان عن إلقاء جثته في البحر، ولّد بعض التعاطف معه، خاصة مع الإعلان عن استهداف نجله حمزة أحد المرشحين لخلافته على رأس التنظيم.