صورة مجمعة للكندي وبوئثيوس

بين بوئثيوس والكندي: ألاعيب فلسفية لمواجهة الحزن

بعدما كان بوئثيوس حزينا على ماوصل إليه من حال، وجد أن عقلة يدفع له بأن ماوصل إليه ليس مجرد إلا ما كان يصبو إليه ويرضيه، وفقا لمنظومته القيمية، والتي حتما لن يكون سعيدًا لو كان خالفها وسار عكسها وخان مبادئه وقناعاته.

يعتقد فلاسفة كبار أن الفكر قادر على مواجهة الحزن والتعامل مع المشكلات، وأن بإمكان الفلسفة أن تخرج عن التصور المعتاد عنها كنصوص عاجية جامدة، لتصبح، بخطوات سلهة وبسيطة، دليلًا يساعد على تعزية النفس ودفع الهم، وهو ما ورد بشكل واضح فيما صاغه الفيلسوف اليوناني بوئثيوس في كتابه عزاء الفلسفة، وذكره الكندي في رسالته المعنونة الحيلة في دفع الحزن.

تنطلق هذه الفكرة من أن "الإنسان سيد نفسه"، وأنه الأقدر على التعامل مع هزائمه وكبواته بقواه الداخلية التي يمتلك مفاتيحها بالفعل، مع إبراز أهمية العقل كركيزة أساسية لتوفير الأمان في مواجهة الألم النفسي، محذرين إجمالًا من الوقوع تحت "سطوة الحزن".

بالتالي فإن أنجح الطرق وأكثرها فعالية في هذا السياق هي التمكن من فصل العقل واعتباره مستقلًا عن عالم الحس أو المتغيرات من حوله، وألا نغفل ميزة العقل الأساسية، أي تمتعه باستقلالية تعرف الثبات والدوام وتبتعد عن التقلب والتذبذب الذي تتسبب فيه الأحوال السيئة والنكبات، ليتمكن في النهاية من أن تكون له السيطرة والكلمة العليا في مواجهة "الظروف من حولنا".

وفي رحلة إثبات قدرة الفلسفة على علاج الحزن، يشير فلاسفة بحجم بؤثيوس أحد كبار فلاسفة العصور الوسطى، وابن إسحاق الكندي الملقب بفيلسوف العرب، إلى أهمية وجود "منهج" في بحث ظاهرة الحزن، وألا يكون الأمر اعتباطيًا، مع إمكانية أن يستعين بذلك الأشخاص العاديون وليس كبار الفلاسفة فقط في مواجهة الظروف والشدائد.

قدم بوئثيوس و الكندي مجموعة من الحيل التي اعتمدا عليها، عندما جمعت بينهما تجارب ذاتية متشابهة، فكلاهما ينحدر من عائلة ارستقراطية مقربة من دوائر السلطة الرفيعة، وكلاهما عرف طعم الصعود وبلوغ المجد السياسي والاقتصادي، حتى أحاطت بهما المكائد، وانتهى بهما الحال بالعزل والتجريد مما وصلا إليه، فانعزل الكندي تماما وواجه بوئثيوس محنة أشد عندما عليه بالإعدام.

بؤثيوس: تسلية السجين

اشتدت محنة بوئثيوس عندما انتهى به الحال إلى حكم الإعدام، وبطبيعة الحال من يكتب بين جدران السجن منتظرا للموت، ليس كمن يأسف على مجد انقضى واختار عزلته بنفسه كما الحال للكندي الذي سيأتي بعده، وهو ما يميز تجربة بوئثيوس حيث اكتظت نصوصه بنبرات الحسرة والألم، كما جاءت أطول نسبيًا بالمقارنة مع الكندي.

لا يملك السجين وسائل تسلية سوى الكتابة.

ما كتبه بوئثيوس حول هذا الأمر لا ينفصل بطبيعة الحال عن السياق الذي عاش فيه، في روما عام 480 ميلادية. كان بوئثيوس يؤمن بالطبيعة متقلبة القدر، أو ما يعرف بعجلة الحظ، ولم يتخلَّ قط عن مشروعه الذي تلخص في كونه محاولة متعمدة للحفاظ على المعرفة الكلاسيكية الخاصة بالفلسفة القديمة، نال مكانة رفيعة أوصلته إلى منصب الوزارة في عهد ثيودريك ملك القوط الشرقيين في إيطاليا، غير أن ثيودريك لم يلبث أن اتهمه بالخيانة فغدر به وأعدمه.

يعتبر عزاء الفلسفة أحد الأعمال الفلسفية الأكثر شعبية وتأثيرًا في العصور الوسطى، لعمقه فلسفيًا ودرامية حواراته وصدق عواطف مؤلفه بوئثيوس. ترجم العمل إلى الإنجليزية ترجمات عديدة، فالملك ألفرد ترجمه إلى اللغة الإنجليزية القديمة، وأيضًا الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر أيضا، كما أمرت الملكة إليزابيت الأولى بترجمته في القرن السادس عشر.

"فض بما في داخلك". بوئثيوس أجرى في محبسه محاكاة جعلت من الفلسفة شخصًا حيًا يحادثه ويخاطبه، يشكو إليها فترد عليه كطبيبه النفسي، ليؤكد على الأهمية القصوى لأن يسرد الإنسان حتى لو لنفسه كل ما يعتريه من حزن ومكامن ضعف، مؤكدًا على نجاح وفاعلية ذلك حين قال "أفض بدخيلتك ولاتكتمها في نفسك، وثق أن ذلك نصف العلاج، فالتشخيص الصحيح لن يتأتى إلا بالمكاشفة بينك وبين ذاتك"، ثم "إن كنت تبتغي عون الطبيب، فعليك الكشف عن موضع الألم".

"العقل القائد" هو الحيلة الثانية من حيل بوئثيوس الذي يجعل من العقل سيدًا. وعليه، يكون العقل متحكمًا ومدركا لحقيقة النفس وموطنها الأصلي. يرى بوئثيوس أن العقل القوي فعلا لن يغتر بأتفه الغنائم، كالثروة والمنصب والشهرة، بل سيضعهم في حجمهم الطبيعي، مذكرًا أنهم لم يتمكنوا يوما من مساعدة شخص على أن يكون خالدا أو خاليا من الألم.

عند تطبيق ذلك على نفسه، وبعدما كان بوئثيوس حزينا على ماوصل إليه من حال، وجد أن عقلة يدفع له بأن ماوصل إليه ليس مجرد إلا ما كان يصبو إليه ويرضيه، وفقا لمنظومته القيمية، والتي حتما لن يكون سعيدًا لو كان خالفها وسار عكسها وخان مبادئه وقناعاته.

"التعافي بالمآسي" وهو ينطوي على ذكر ما عاناه آخرون كانوا على النهج الصحيح، فالمعاناة ليست حكرًا على شخصك فقط، فلست وحدك من يجذب إليه المتاعب، وأن سرد مآسي الآخرين ومقارنتا بإمكانها أن تواسي وثبت الفؤاد. ترجمت البشرية هذا المفهوم لاحقًا في المثل الشعبي أن من يرى مصائب الناس تهون مصيبته.

كان بوئثيوس يذكر نفسه دائمًا "فهذا انكساجوراس فيلسوف أثينا قد واجه النفي الإجباري من وطنه، وذاك سقراط تجرع السم تنفيذا للإعدام، وزينون مخترع الجدل الفلسفي قد تعرض للتعذيب".

"غاية الأشياء" آلية أخرى تنبع من عميق الإيمان، ولها طابع روحي مجرد، فيها ذهب بوئثيوس إلى أن العالم لا تسيّره المصادفات والأحداث العشوائية، وأنه عليه ألا ينسى أن الكون من حوله ينطوي على مبدأ ما، وأنه عند نسيان ماهيته لأي سبب، فأنه سيتوه عن ماهية الأشياء، حتى يحسب أن التافهين والمجرمين سعداء وأقوياء، ويغفل الطرائق التي تسير العالم، ويظن أن ضربات الحظ تتخبط هنا وهناك بغير ضابط ولا حكمة للإرادة الكلية، محذرا من أن ذلك لايفضي إلى الحزن والمرض وحده وإنما إلى الموت المحقق.

الكندي: حيل ضد الحزن

جاء الكندي ليتناغم تماما مع ما ذهب إليه بوئثيوس، ورغم اختلاف السياق التاريخي بين الاثنين، وكذا طبيعة المنتج الفلسفي لكليهما، إلا أن ثمة أوجه شبه بين التجربتين. فبالنظر إلى السياق التاريخي للكندي، سنجده تعرض خلال فترة بزوغه إلى ما شكّل محنته، حيث تم إزاحته عن المشهدين الثقافي والسياسي، وصودرت مكتبته "الكندية"، فدخل في عزلة إجبارية، وتوالت عليه مجموعة من المصائب نتيجة الأحقاد والضغائن، فلجأ إلى البحث عن خلاصه في الفلسفة.

لكل من الكندي وبؤثيوس أفضال على تطور الفلسفة باعتبارها علمًا تراكميًا، فبينما كان لبوئثيوس تأثير جليل على فلسفة العصور الوسطي، جاء الكندي ليفتح نافذة جديدة للعقل في دائرة الحضارة العربية والإسلامية.

عاش الكندي في البصرة في مطلع حياته ثم انتقل منها إلى بغداد، ضمن فترة الإنارة العربية على عهد المأمون والمعتصم، في جو مشحون بالتوتر العقائدي، ويعد الكندي أول الفلاسفة المتجولين المسلمين، و المدرسة المتجولة أو المشائية هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدت أفكارها من المؤسس المشائ أرسطو.

كان الشاغل الذي شغل الكندي في أعماله الفلسفية، هو إيجاد التوافق بين الفلسفة والعلوم الإسلامية الأخرى، وخاصة العلوم الدينية، وقد أوكل إليه المأمون مهمة الإشراف على ترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية إلى العربية في بيت الحكمة.

جاء مفهوم السبب ليساعد الكندي في الوصول إلى مراده، مستندًا إلى القاعدة الفلسفية البسيطة أن كل ألم غير معروف الأسباب غير موجود الشفاء، وبالتالي فإذا أردنا هزيمة الحزن، علينا تعريفه بشكل دقيق والبحث في الأسباب التي أدت إليه.

وفي أبسط تعريفات الحزن التي توصل إليها الكندي أنه "ألم نفسي عصيب نتعرض له مع فقد المحبوبات وفوت المطلوبات"، ليعود للتأكيد على أن من أهم صفات "المحبوبات والمطلوبات الحسية" هو طبيعتها القابلة للتبدل والتغير والفقد، وأن ثباتها على أي حال يناقض الطبيعة، وأن تعويد النفس وتوطينها على التعامل مع رغباتنا كشيء متغير غير ثابت، هو أنجح الطرق لمواجهة تقلبات الحياة ونكباتها.

ألا نريد ما لا نريد، ثاني حيل الكندي، وتعني ببساطة ألا نقدم على أفعال تجلب علينا الهموم رغم علمنا المسبق بأنها ستجلب الهموم. يقف الكندي أمام مفارقة هرولة البشر نحو ارتكاب مايعود عليهم بعواقب وخيمة، واصفا هؤلاء بـ"العدماء عقولهم"، قائلا ما مفاده "نحن لانريد أن نحزن، ومع ذلك نفعل مايحزننا"، ولكنه أكد على أن ذلك يفلح بالطبع في نطاق الأشياء التي تقع في نطاق إرادتنا، وأن هناك عوامل أخرى لا دخل لنا فيها سيعرض حلولًا لها أيضا.

أهمية التذكر ثالث وصفات الكندي حول المحزنات التي تحدث خارج إرادتنا، ليوصي بالتعامل معها على اعتبار أن المحزن ليس شيئا خالدا، وأنه لا محالة له نهاية ككل شيء في الحياة، وبالتالي فإن الحل يكمن في تقصير من مدة تأثيره، وأهمية تذكر أن ما ضرب الإنسان من حوادث كانت في وقتها "كبرى"، قبل أن يعالج مرور الزمن أمر تجاوزها وتخطيها.

وذهب الكندي إلى أن ذلك يمكن استخدامه حتى في حالات فقدان الأهل والأقارب والأصدقاء، وهو ما يتعرض له كثير من الناس، يدركون بعد فترة أن الحزن "وضع وليس طبع"، وأن أشد الحوادث ستمر لتكون مجرد "ذكرى" وأن أغلب الناس بعد تعرضهم لفقدان أو رحيل مفجع، ستجدهم بعد فترة من الزمن يعيشون حياتهم بشكل طبيعي جدًا.

مواصلة مشوار الكندي بوئثيوس

بعد عزاءات بؤثيوس والكندي، تراجع استخدام الفلسفة كعزاء، رغم محاولات على استحياء لبعض الفلاسفة تطرقوا فيها لمسألة دفع الحزن وجلب السعادة، فكان نيتشه في القرن التاسع عشر قد أشار إلي أن المصدر الأكبر لسعادتنا يقطن بالقرب من مصدر أعظم آلامنا، وأنه لا يمكن النضوج وتحقيق الذات بدون جرعات من الألم والمعاناة.

ظل الوضع هكذا حتى جاء الكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، المولود في ستينات القرن الماضي، ليحمل شعلة الكندي وبؤثيوس بشكل صريح في مؤلفه "عزاءات الفلسفة"، والذي استلهم عنوانه مباشرة من بوئثيوس، في محاولة لإحياء الفلسفة مجددًا، واستدعائها في الواقع الجديد.

وطرح بوتون فكرة أساسية مفادها أن الفلسفة توسع رؤية الإنسان للحياة، تجعلها أبسط وممكنة، بل وفي المتناول، تستطيع أن تعيش حياة كريمة وسعيدة، لكن فقط عليك معرفة معنى الكرامة وحقيقة السعادة، ووحدها الفلسفة قادرة على تعزيتك ومواساتك.


المصادر