"بونج جون.هو" مخرج الفيلم الكوري الجنوبي Parasite "طفيلي" والحائز على جائزة أوسكار أفضل إخراج وأفضل فيلم وأفضل فيلم أجنبي وأفضل سيناريو

التجربة الكورية: كيف دعمت الحكومة صناعة السينما حتى فازت بالأوسكار؟

من خلال نموذج السينما الكورية تبدو الديمقراطية عامل أساسي في ازدهار أي مساحة فنية، ومهما صاحبت الديكتاتوريات نية صادقة لتطوير الفنون، تواجهها دائمًا معضلة التسييس.

ظن كثيرون أن الاهتمام بالسينما الكورية هو نتاج الفوز المفاجىء والاستثنائي لفيلم "Parasite" الذي حصد أربع جوائز للأوسكار منهم "جائزة أفضل فيلم" التي تمنح لأول مرة لفيلم غير ناطق بالإنجليزية، فعادة قُدرت الأفلام الأجنبية بمنحها جائزة أفضل فيلم أجنبي. لكن "Parasite" الذي حقق أيضًا الجائزة الكبرى بمهرجان كان الفرنسي، هو ثمرة سنوات من دعم قدمته الحكومة الكورية لصناعة السينما والمحتوى الترفيهي بشكل عام، لتساعد في إطلاق موجة الثقافة الكورية حول العالم.

في عام 1999 وصفت مجلة "كينج. نيان بو" الصينية شعبية الثقافة الكورية من أفلام وأغاني غزت الصين والعالم بـ"موجات البرد المفاجئة"، صكّت المجلة كلمة جديدة ستقترن للأبد بتلك الصيحة وهي "هاليو"، الكلمة المشتقة من رمزين صينيين تعني "موجة برد مفاجئة".

قبل موجة الهاليو والـ "K-pop"، غناء البوب الكوري، لم تكن كوريا الجنوبية إلا دولة كدول العالم النامي تستورد معظم محتواها الترفيهي من الخارج، لا تقدم من الإنتاج المحلي إلا ما يتوافق مع توجهات حكومة عسكرية انقلبت على الحكم الديمقراطي منذ بداية الستينات حتى نهاية الثمانينيات.

يشرح ميليام كيم، الباحث في معهد دراسات الاتصال والإعلام، والمدرس بجامعة كيو وجامعة ساجامي، في دراسة له عن دور الحكومة الكورية في دعم الصناعات الثقافية، كيف تغيرت الأمور فجأة، تبدل حال صناعة الترفيه في أقل من عشر سنوات من مستورد ومستهلك للمحتوى الأجنبي إلى منتِج ومصدّر لأسلوب حياة كامل مرتبط بالهوية الكورية انعكس على تعزيز صادراتها الصناعية، بحسب الإحصائيات.

يتشابه تاريخ السينما في كوريا الجنوبية مع العديد من الدول النامية، عرض أول فيلم عام 1906، وتعطلت السينما بعد احتلال اليابان للبلاد عام 1910، واستمرت السينما الكورية في تقديم أفلامًا مقاومة للاحتلال الياباني، وإن كانت رمزية في معظم الأحيان كما سيكون الحال بعد سنوات إبان الانقلاب العسكري، قبل أن يؤتي التحول الديمقراطي ثماره بحلول العام 1995 تقريبًا، وتبدأ معها السينما الكورية في الخروج من صراعها ضد السلطة لأفق الانتشار العالمي، والمنافسة في مهرجانات العالم الكبرى.

خلال السنوات من 2004 حتى 2020 قدمت الحكومة الكورية عبر مجلس صناعة السينما مئات الملايين من الدولارات في شكل دعم مباشر للصناعة، بدأ من تطوير العناصر المرتبطة بها من أفراد وإداريين وأكاديميات وتقنيات وتوزيع وحتى جودة دور العرض، وساهمت الإدارة الواعية لتلك الملايين في دفع صناعة السينما الكورية لتحقق ما لم تحققه سينما أجنبية أخرى في العالم حتى الآن.

يكشف "يونج. أيل لي" وهو كاتب وناقد سينمائي كوري في كتابه الشهير "تاريخ السينما الكورية" كيف تقاطعت السياسة مع صناعة السينما، وظل كل تغير سياسي يعقبه تأثر عميق في الصناعة ما بين انخفاض حاد في إنتاجها وإيرادتها أو ارتفاع قياسي فيهما، ولم يتوقف الأمر على السينما فقط، لكنه امتد نحو الثقافة العامة للشعب الكوري، فإما مستقبل للثقافة الغربية والأجنبية أو ملهم ومصدر للثقافة حول العالم.

سينما مناهضة للاحتلال

بوستر فيلم Arirange

بعد الاحتلال الياباني للبلاد منعت كليًا الأفلام الناطقة بالكورية واستبدلت بأفلام باللغة اليابانية تروج للإمبراطورية فقط، بين عامي 1909 و1920 أُنشئت عدة مسارح لعرض الأفلام والمسرحيات في أنحاء كوريا، كان معظمها مملوكًا لرجال أعمال يابانيين بهدف عرض أفلام أوروبية وتحقيق عوائد مالية.

صنعت دور العرض جمهورًا متحمسًا للسينما وتشجع بعض الشباب الكوري لتصوير أول فيلم سينمائي كوري بعنوان الثأر العادل عام 1919، حتى جاء شاب كوري متحمس للسينما بعمر الخامسة والعشرين فقط ويدعى نا يون-كيو أنتج وأخرج ومثّل فيلمًا بعنوان أريرانج Arirang عام 1926، متناولًا فيه شخص مضطرب نفسيًا ينتقم من ابن أحد رجال الشرطة اليابانية ويقتله.

اعتبر الفيلم مناهضًا للاحتلال الياباني، وصارت موسيقاه فيما بعد جزء من حملة الاستقلال الكوري عن اليابان.

مع صعود جيل كامل من الشباب الكوري المهتم بصناعة السينما والمناهض للاحتلال الياباني اشتدت الرقابة اليابانية، فعززت اليابان قبضتها على الصناعة، ووجهتها لتصبح دعائية لمصلحة الإمبراطورية حتى أعلنت منع أي فيلم باللغة الكورية منذ عام 1942، ودُمجت كل شركات الإنتاج السينمائي في شركة واحدة لتخفيض النفقات والسيطرة بسهولة على الصناعة، إلى اليوم الذي استسلمت فيه في الحرب العالمية الثانية عام 1945.

سنوات التأثير الأمريكي والعصر الذهبي الأول

بوستر فيلم Viva Freedom

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انقسمت شبة الجزيرة الكورية، وفي غضون خمس سنوات وبحلول العام 1950 غزت كوريا الشمالية نظيرتها الجنوبية في المقابل دخلت الولايات المتحدة البلاد بدعوى إنهاء الحرب الأهلية وفرضت سيطرتها هي الأخرى لخمس أعوام إضافية حتى العام 1955.

منذ بداية التواجد الأمريكي في كوريا وحتى انتهاء الحرب الأهلية بين الكوريتين بوقف إطلاق النار لم تنجُ إلا خمسة أفلام فقط، كان أشهرها فيلم المخرج شوي. أون جاي شايومانسا Viva Freedom 1946 الذي قدم فيلمًا مناهضًا للثقافة اليابانية وكل تأثير لها في كوريا.

يرى الباحث الأمريكي، برايان إم ياسيز، في دراسته عن تأثير سنوات الاحتلال الأمريكي على صناعة السينما الكورية، أن القوات الأمريكية في مسعاها للتخلص من إرث الاحتلال الياباني الديكتاتوري للبلاد عرض مئات الأفلام الهوليودية، واستغل العاملون في الحقول الفنية الإمكانيات الأمريكية من أجل كسب خبرات تقنية والحصول على معدات متقدمة، إلا أن العمل في ظل تلك الفترة كان شبه متوقف نظرًا لحالة الحرب، فظهرت مكتسبات من تلك الفترة بعد انتهائها.

ساعدت الولايات المتحدة كوريا في الاعتماد على التقنيات الحديثة المرتبطة بالسينما ومعداتها، وظهر جيل جديد من صناع السينما ممن شكلوا نهضة حقيقية في تاريخها، تعتبر العصر الذهبي الأول في كوريا، قبل أن تعطل السياسة تلك المسيرة بانقلاب عسكري.

لم يتخط الإنتاج المحلي قبل العام 1954 ثمانية أفلام في العام الواحد، لكنه ارتفع ليصل إلى 108 فيلم في السنوات الأربعة فقط من عام 1954 حتى عام 1959، وحققت فيهم بعض الأفلام أرقامًا قياسية محلية فنجح فيلم "شونهيانججيون" Chun Hyang 1955 في بيع 200 ألف تذكرة في بلد تعداد سكانها في ذلك الوقت لم يتخطَ المليوني نسمة، وكذلك فيلم مدام حرية madame freedom 1956 المأخوذ عن رواية نشرت في أحد المجلات المحلية قبلها بعام حقق نفس الرقم تقريبًا.

قدمت تلك الحقبة واحدًا من أهم المخرجين في تاريخها السينمائي، وهو كيم كي يونج، مخرج فيلم الخادمة The Housemaid عام 1960 وهو واحد من أهم الأعمال الكورية في تاريخها. يحكي الفيلم عن خادمة تتلاعب بسيدها وكل مصائر الأبطال في الفيلم، وأصبح الفيلم واحدًا من أشهر الأفلام في كوريا بعد عرضه مباشرة وظل كذلك حتى اليوم.

انقلاب ضد الفن

بوستر فيلم الخادمة

كان كيم قد قدم أكثر من عشرين فيلمًا وثائقيًا لصالح أجهزة أمريكية عاملة في كوريا، واستفاد كيم من المعدات التي تركها له الأمريكيون بعد تصويره لتلك الأفلام الدعائية لهم، وبدأ تطوير أفلامه وتقنياته إلا أنه لم يستطع استكمالها، فبعد عام على عرض فيلم الخادمة وقع انقلاب عسكري فرض بالقوة سياسات رقابية ومحظورات، وخفضت من الإنتاج بشكل مذهل في سنوات قليلة جدًا.

قدم كيم عدة أفلام حتى نهاية السبعينيات، بعضها كان له تأثير كبير على الأجيال التالية، والتي بدأت العصر الذهبي الثاني للسينما الكورية، لكن ما تعرض له من رقابة أثرت بشكل كبير على إنتاجه.

يقول كيم سو يونج، المخرج المعتزل، 90 عامًا، في حوار له مع وكالة أخبار كورية "لولا الرقابة المشددة على الأفلام السينمائية لربما شهدنا هذا التطور في السينما الكورية قبل 30 أو حتى 50 عامًا، كان من الممكن ظهور أشخاص مثل بونج، منذ خمسين عامًا، لولا ما عانيناه".

لم يرغب الجمهور الكوري في مشاهدة أفلام صُنعت خصيصًا لدعم الدولة أو تعرضت لحذف وتقليص مخل لتتراجع بذلك الصناعة كلها.

قدم كيم سو خلال مسيرته الحافلة أكثر من مائة فيلم ويقول عن أفلامه "منذ أن قدمت فيلمي الأول عام 1958 ربما قد يصل حجم ما تم حذفه من أفلامي لأكثر من 300 كيلو متر كالمسافة بين سيول وبوسان، كان علىّ الخضوع للرقابة ومحاولة الهروب من تشددها، لم يكونوا مهتمين أبدًا بالتنوع".

حقبة الظلام

تقلصت الأفلام الكورية في تلك الفترة إبان الحكم العسكري الصارم، تراجعت العائدات رغم ما فرضته السلطة من إجراءات لمحاولة تحسين وضع السينما المحلية بفرضها قيودًا جديدة على الأفلام الأجنبية، وتقليص النسبة المخصصة لها كل عام مفسحة المجال للأفلام المحلية لتتنافس على نيل رضا جمهور لم يعد يرغب في مشاهدة أفلام صُنعت خصيصًا لدعم الدولة أو تعرضت لحذف وتقليص مخل؛ ففقدت كل معنى فني ممكن لتتراجع معه الصناعة كلها.

ومن أجل إحياء السينما أنشأت الدولة "المؤسسة الكورية للترويج للأفلام" ثم عادت وأنشأت "هيئة الأرشيف الوطني لحفظ الأفلام"، وفي الحالتين لم تساهم مبادرات الحكومة. كان هامش الحرية الموجود أضيق من أن يوفر مساحة عمل آمنة للمبدعين، فتراجع الإنتاج عامًا تلو الآخر، وحققت السينما أقل إيرادات في تاريخها مستعيدة ذكريات السينما وقت الاحتلال.

حاولت الحكومة فرض سيطرتها على شبكات التلفزيون، عملت على تقليص عددها حتى لم يبق في كوريا إلا شبكتين محليتين فقط، واضطرت لدعمهم لتقديم محتوى محلي بعد تقليص نسبة ما يمكن عرضه من برامج أجنبية.

أنتجت القيود المفروضة في النهاية موادًا دعائية، حتى أن أغلب ما قدمته تلك الشبكات مجرد برامج وثائقية عن الحكومة بشكل يدعم القومية أولًا، وعندما حاولت الحكومة تصدير تلك المواد كخطة للانفتاح على العالم الخارجي لم تلقَ أي استجابة حقيقية، وكان الدعم الذي قُدم في تلك الفترة دعمًا لنمط من الأعمال الفنية التي تضع مصلحة الحكومة أو السياسيين قبل الفن، وهو تحديدًا ما حاولت الحكومات الديموقراطية التالية في كوريا تغييره.

طفرة أولى ثم انتكاسة

بوستر فيلم ماندالا

حققت السينما الكورية طفرة صغيرة مقارنة بالأعوام السابقة، ومقارنة بحقبتها الذهبية قبل الانقلاب بظهور جيل جديد من المخرجين الذين تولوا تنفيذ مشاريع مختلفة عن المعتاد، وابتعدوا تدريجيًا عن الأفلام التجارية خاصة مع عزوف الكوريين أنفسهم عن مشاهدة الأفلام المحلية حتى مع الوجود الضعيف للأفلام الأجنبية.

كان المخرج إم كون تايك واحدًا من أشهر أبناء ذلك الجيل، رغم بدايته التجارية وتقديمه لأكثر من 70 فيلم بحلول العام 1980، إلا أنه أظهر ميلًا جديدًا للسينما الفنية ومحاولة لإعادة إدراك مكونات المجتمع الكوري، فقدم فيلم ماندالا Mandala عام 1980، وهو فيلم يتحرى وضع البوذية في المجتمع الكوري بتتبع راهبين بوذيين، ثم قدم فيلمه الأكثر شهرة سوبيونجي Sopyonje عام 1993 عن فن البانسوري الكوري، الذي تعرض لهزات عنيفة في صراعه مع التطور والانفتاح.

بدت تلك المؤشرات طفرات استثنائية لا يمكن قياس الكثير منها، لكن في العام 1988 أقدم الرئيس العسكري، رو تايوو، على تغير في سياسات الدولة تجاه الرقابة على الأفلام، وظهرت للمرة الأولى مشاهد من ثورة حوانجو أو انتفاضة 18 مايو في فيلم شيلسو أند مانسو chilsu and mansu الذي أخرجه بارك كوانج سو عام 1988، والذي قدم عددًا من الأفلام ذات الطابع السياسي في الأعوام التالية.

بوستر فيلم شيلسو أند مانسو

قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات رُفع القيد للمرة الأولى عن المنتجين المستقلين حيث كانوا ممنوعين بقوة القانون من إنتاج الأفلام، ما لم يكونوا مقيدين ضمن قائمة المنتجين المسموح لهم بالعمل في كوريا.

ساهم هذا القرار في تعزيز صعود جيل من الشباب الكوري الذي عمل على إنتاج أفلام بميزانيات صغيرة لتحقيق طموحاتهم، لكن قرارًا آخر أضعف من فرص ظهورهم بفتح المجال للأفلام الأجنبية للدخول للبلاد بدون قيود، بعد سنوات من الانعزال شبه الكامل عن السينما الأجنبية.

وجد المنتجون الكوريون أنفسهم بين يوم وليلة يتنافسون مع الأفلام القادمة من هوليوود، ما أدى إلى موجة تراجع في الأرباح، بدأت من إقرار القانون عام 1988 ووصلت لذروتها عام 1993، فخسرت السينما الكورية تقريبًا كل مكسب حققته في تلك الفترة القصيرة، حيث تراجعت مبيعات الأفلام المحلية في شباك التذاكر حتى وصلت لأقل من 16% فقط من إجمالي إيرادات كل الأفلام المعروضة، واستحوذت الأفلام الأجنبية على أكثر من 84% من الإيرادات.

ولم يُفرض إلا قرار واحد لحماية السينما الكورية بضرورة عرضها لمدة لا تقل عن 146 يومًا، في السنة لكنه لم يساهم في تغير وضعها كثيرًا.

العصر الذهبي الثاني

بوستر فيلم The Day a Pig Fell Into the Well

وصل كيم يونج سام رئيسًا لكوريا الجنوبية بطموح لإرساء قواعد الديموقراطية في بلاده في العام 1993، وفي نفس العام حقق فيلم "سوبيونجي" Sopyonje أعلى إيرادات في تاريخ السينما الكورية، وخلال ثلاث سنوات فقط بدأ ظهور جيل جديد من صناع السينما في كوريا ممن سيطلقون خلال بضع سنوات موجة من الأفلام التجارية التي ستعزز الإنتاج المحلي، ثم ينطلق منها موجة جديدة من صناع الأفلام، الذين سيحوزون على اهتمام العالم.

بدأت الموجة الجديدة بفيلم The Day a Pig Fell Into the Well من إخراج هونج سانج سو، والذي كان يعمل وقتها كموظف في شبكة تلفزيون محلية، وكان ذلك هو فيلمه الأول، حقق الفيلم نجاحًا عالميًا بفوزه بجائزتين في مهرجاني روتردام وفانكوفر، يحكي الفيلم قصة أربع شخصيات تتقاطع مصائرهم معًا. وفي نفس العام قدم كيم كي داك المخرج المثير للجدل فيلمه الثاني The isle الذي حقق نجاحًا عالميًا كبيرًا في العام 2000 بدعوته لمهرجان فينسيا.

وفي العام 1997 قدم لي شانج دونج الذي اشتهر كروائي تحول لصناعة السينما، فيلمه الأول أيضًا، في عام 2002 سيفوز لي شانج دونج بجائزة أفضل مخرج في مهرجان فينسيا عن فيلمه Oasis.

يمكنك ملاحظة عدد المخرجين ممن قدموا أفلامهم الأولى فقط في عام واحد، ويعود ذلك بالأساس لإطلاق كوريا لمجلس صناعة السينما الذي وضع خطط للنهوض بصناعة السينما بمعزل عن السياسة ومتطلباتها وخلال أعوام قليلة سيوفر المجلس ملايين الدولارات كل عام لصناعتي السينما والتحريك.

مراحل تطور صناعة السينما الكورية

ومع إطلاق المجلس أول صندوق دعم مالي موجه لصناعة السينما في العام 1997 ظهر جيل جديد من صناع السينما، ربما كانت اهتماماتهم الأولى تقديم سينما تجارية ناجحة وقد تمكنوا من ذلك بجدارة فخلال عامين فقط سيتحول شكل شباك تذاكر السينما الكورية تمامًا.

ألفية جديدة

كان العام 2001 هو بداية التحول، للمرة الأولى تتفوق الأفلام الكورية من حيث الإيرادات على مثيلاتها الأجنبية، نجح عدد لا يزيد عن 70 فيلم كوري في تحقيق إيرادات تجاوزت ما جمعه 250 فيلم من الولايات المتحدة وأوروبا، صاحب تلك الفترة تزايد وسائل وأشكال الدعم الحكومي للصناعة.

وفي العام 2004 أعيد تنظيم مجلس السينما الكوري، وأقر المجلس ثالث منحة دعم للصناعة خلال أقل من ثلاث سنوات فقط.

لم تكن تلك النقاط المعلنة من المجلس مجرد طموحات وردية، لكن يعتبر تنوعها وتغطيتها لمعظم محددات الصناعة تأكيد على الرغبة الحقيقية في إنقاذ وبناء صناعة سينما حقيقية، تستطيع بعد سنوات قليلة أن تكون صناعة ضخمة تتفوق على مثيلاتها في الغرب وفي آسيا، وهو ما تحقق بسرعة مذهلة.

يمكن تتبع الأداء العملي للمجلس، لتوضيح كيف تمكنوا من تحويل بضع سطور لأفعال حقيقية لها مردود سريع، فمثلًا في البند المتعلق بدعم البحوث والتعليم؛ أنفقت الدولة ملايين الدولارات لإنشاء أكاديميات لطلاب السينما في كوريا، وأوفدت مئات الطلاب المتفوقين للخارج، ووصل الأمر لإدراج مواد عن صناعة السينما في مراحل التعليم المختلفة، ففي المرحلة الابتدائية توجد مادة عن صناعة السينما، ووفرت الدولة للمدارس كاميرات وأجهزة مونتاج بسيطة تساعد الطلاب في تلك المرحلة العمرية المبكرة جدًا التعرف على صناعة السينما.

وبالنسبة لدور العرض، افتتح للمرة الأولى دور عرض خارج العاصمة سيول بمجمع كبير في مقاطعة ناماينجو، وارتفع إجمالي عدد دور العرض في كوريا منذ العام 1996 بنسبة 60%، ما ساهم في زيادة الطلب على السينمات في كل المقاطعات الكورية وليس العاصمة فقط.

مهرجان كان

بوستر فيلم oldboy

توج المجهود الكوري بفوز فيلم أولدبوي Old boy بالجائزة الكبرى المقدمة من لجنة التحكيم، ونجح مخرجه شان ووك بارك في الفوز أيضًا بجائزة الفيلم البريطاني المستقل كأفضل فيلم أجنبي للعام 2004، وأطلق الفيلم موجة من الاهتمام العالمي بالسينما الكورية لن تتوقف قريبًا.

في العام 2006 نجح بونج جون هو في تحقيق واحدة من أعلى الإيرادات في تاريخ السينما الكورية بفيلمه The host والذي حقق أيضًا شهرة عالمية للمخرج وللسينما الكورية بعد عامين فقط من أولدبوي، ولأول مرة تستحوذ السينما الكورية على أكثر من 64% من إيرادات شباك التذاكر متفوقة تمامًا على الأفلام الغربية.

وارتفعت عدد الأفلام المنتجة محليًا في كوريا بشكل لافت خلال الألفية الجديدة فمن 59 فيلمًا عام 2000، وصلت لـ 80 فيلمًا عام 2004 ثم 110 عام 2006 حتى 138 عام 2009، في أقل من عشر سنوات تضاعف عدد الأفلام أكثر من مرتين وبدأت السينما الكورية عصرها الذهبي الجديد"

مراحل تطور إيرادات السينما الكورية من 2000 إلى 2009

واستمر النجاح الكوري في المهرجانات وداخل البلاد، بارتفاع إيرادات الأفلام في العام 2004 من 170 مليون دولار إلى 820 مليون دولار للعام 2019.

في العام 2017 أنتج في كوريا 436 فيلمًا محلي، وعرض في نفس العام 1437 فيلمًا أجنبي، وفي العام 2018 أنتج في كوريا 501 فيلم محلي، وعرض في نفس العام 1507 فيلم أجنبي وبالرغم من ذلك تفوقت الأفلام الكورية في الإيرادات بنسبة 51%.

استمر التفوق النوعي للأفلام الكورية وتوج بفوز فيلم Parasite بجائزة السعفة الذهبية للمرة الأولى في تاريخ السينما الكورية، ثم تبعه بالفوز بأربع جوائز كبرى للأوسكار للمرة الأولي لفيلم كوري، بداية من أفضل فيلم عالمي غير ناطق بالإنجليزية ثم أفضل مخرج، وأفضل سيناريو والجائزة المفاجأة بفوزه بأفضل فيلم، وهي المرة الأولى في تاريخ الأكاديمية الأمريكية التي تُمنح فيها الجائزة لفيلم غير ناطق باللغة الإنجليزية، والمرة الأولي منذ عقود التي يفوز فيها فيلم بجائزتي الأوسكار لأفضل فيلم والسعفة الذهبية من مهرجان كان، في العام نفسه.

لم ينجح "باراسايت" فقط لكونه نتاج لأعوام من دعم السينما، لكن نجاحه يأتي أولًا من حكاياته الإنسانية التي على بساطتها تتشابه مع كل عمل فني عالمي مميز، يمكن لأي شخص من أي مكان في العالم أن يشعر أن تلك القصة قد عايشها أو شاهدها في يوم من الأيام، انطلقت السينما الكورية متمثله في "براسايت" من المحلية المفرطة للعالمية بنفس الطريقة التي تنجح بها الأعمال الأصيلة في العالم، أن تقدم حكاية حقيقية، أن يشعر كل من يشاهد الفيلم أنه صنع له وعنه.

بوستر فيلم parasite

على المستوى السياسي نجحت تجربة كوريا في التحول من متلقي ومستورد للمواد الثقافية في صورة أفلام ومسلسلات في الغالب أمريكية إلى مصدّر لها.

ورغم التفاوت الكبير في الحجم والتأثير السياسي بحكم موقع كوريا بين الصين واليابان والعلاقات التاريخية والأزمات بينهم، إلا أن كوريا البلد الصغير الذي لا يتعدى سكانه الثلاثين مليون نسمة؛ استطاع أن يخلق موجة قوية اجتاحت الصين واليابان، وأصبحت الثقافة الكورية محط جذب للمراهقين والشباب وتقدير من الكثيرين من المهتمين بالفن، لتؤكد كوريا أن التأثير الثقافي يمكن أن يحدث من بلد صغير لو توافرت فيه العوامل المؤهلة لذلك.

تبدو الديمقراطية عامل أساسي في ازدهار أي أعمال فنية، ومهما صاحبت الديكتاتوريات نية صادقة لتطوير الفنون تواجهها دائمًا معضلة الفني ضد السياسي.

ومع وجود تجربة ديمقراطية ناشئة، بالإضافة لدعم حقيقي لكل عناصر الصناعة استمر لسنوات طويلة بخطة واضحة وعمل دؤوب، نجحت كوريا في النهاية أن تصبح مثالًا يحتذى به الآن في صناعة السينما ليس بسبب فوزها فقط بالأوسكار لكن ما قدمته السينما الكورية من أفلام وأمل للعالم أن أمة صغيرة تعرضت لنكبات على مدار سنوات طويلة تستطيع أن تستعيد السيطرة على مقدراتها، وتنشئ صناعة ضخمة مقابلة لدول ذات تاريخ أطول هو أمر ليس بالمستحيل بل يحتاج توافر عناصر بسيطة ليتحقق.