جدارية لإبليس في فلورنسا - الصورة من ويكيميديا

كورونا والمعنى: الكبر

"أأسجد لمن خلقت طينًا".

الخطيئة الأولى في ذاكرتنا هي خطيئة إبليس؛ الكبر. تخيلوا معي لو كان إبليس سجد، ألن يكون كل شيء على غير ما هو عليه الآن؟

لكن إبليس استكبر، لنتعلم نحن الدرس. الكبر يعمي، الكبر يضل، الكبر يبعد الإنسان عن الرحمة ويلحقه بالغضب.


ذُكر السجود لآدم خمس مرات في التنزيل الحكيم، بداية من ثاني سور المصحف، البقرة، وانتهاءً بسورة طه (20)، ولم يذكر مرة أخرى.

هذا السجود دائما ما يبدأ بـ "قلنا للملائكة اسجدوا لآدم". دائما هذه هي الجملة المفتاحية. هنا الله سبحانه قال وللملائكة فقط أن يسجدوا لآدم. هنا نذكر معها آيات أخرى لدلالة القول عند الحق سبحانه "بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون" (البقرة: 117). فقول الله لا يستطيع أي من المخلوقات مخالفته. القول هو الذي تنتج عنه كلمات الله، وكلمات الله هي مخلوقاته من مجرات وشموس. فالكلمة عند الله هي عين المدلول.

فالله قال للملائكة اسجدوا ولم يقل لإبليس أن يسجد، بل أمره.

"قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" (الأعراف: 12).

هنا الحق أمر وإبليس عصى، بينما مع الملائكة قال. وقوله الحق لا يستطيع أي مخلوق مخالفته، بينما يمكن للمخلوقات مخالفة أوامره.

لكن ماذا حدث وماذا كانت النتيجة، وما السبب في حدوثها؟

نعلم جميعًا أن إبليس رفض وكانت النتيجة طرده من رحمة الله وتوعده ذرية آدم.

قديما كان السؤال الأهم بالنسبة لي كان لِمَ حدث؟ لماذا تكبر إبليس على السجود؟ ألم يكن من الأسهل للجميع أن يسجد وينتهي كل العذاب عند هذه اللحظة؟

حسنا، عندما لم يسجد، ألم يكن من الأفضل بدلا من غضبه وتوعده بني آدم، أن يستغفر ربه؟

كنت أحارب الدنيا بسيف وهمي وأتلقى الطعنات من الوهم أحيانا وبسيوف حقيقية أحيانًا أخرى. كنت ضحية أحدهم وجلادًا لآخر.

هنا كانت دائما معضلتي الحقيقية والتي كانت إحدى أسباب كثيرة أخرجتني من هذا الدين. لِمَ حدث كل هذا؟

في مرحلة ما من عمري كنت شغوفا بالإجابة عن كل الأسئلة التي تؤرقني؛ سبب الخلق، ولماذا نحن هنا، ولِمَ كل هذا الظلم، ومن أنا، وهل هناك تناسخ حقا؟ وكيف يَظلِم من كان مظلومًا، وكيف يغتصِب من أُغتَصَب.. إلخ.

كنت أحارب الدنيا بسيف وهمي وأتلقى الطعنات من الوهم أحيانا وبسيوف حقيقية أحيانًا أخرى. كنت ضحية أحدهم وجلادًا لآخر، ولم أعِ أبدًا أنه يمكن أن أكون ضحية وجلادًا في الوقت نفسه، إلى أن وعيت إلى أني أفعل ذلك بنفسي، أضحي بنفسي، وأجلدها في نفس اللحظة.

ما أفعله بنفسي هو ما أفعله بالأخرين، تلك الازداوجية التي نعاني منها كبشر يحملون شفرة تدميرهم بداخلهم، إلى أن يصلوا إلى تلك النقطة التي يجد الإنسان نفسه فيها أتى على أخضره ويابسه. ولولا رحمة ربك عليك، لكنت في الدرك الأسفل من الانحطاط.

تلك النقطة يدركها فقط من لمسها، ولا يستطيع أحد وصفها لأن وصف بعض اللحظات دائما ما يدنسها ويفقدها قدسيتها.

تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك لا تهتم بإجابات عن أسئلة لن تصل بك إلى شيء، ولن تغير شيئًا. تلك اللحظة التي تدرك فيها أن قدوتك في الحياة ليس ذلك المفكر أو الفليسوف أو المناضل أو الثائر، بل هي ببساطة جدتك؛ ببساطة إيمانها وطيبتها وروحها التي تلمسك في لحظات ضعفك. رائحتها ورائحة الأشياء التي تحبها.

اللحظة التي تدرك فيها (ليس فقط "تعرف" أو "تعلم") أن كل الشعارات إلى زوال، وأن كل الأفكار ستنتهي، وأن العالم في حد ذاته زائل كزوال حياتك وحياة من تحب، وأنه بعد موتك لا يهم أن يتذكرك أحد أو أن تخلد بكتاب أو في كتاب ما، وأن لا دائم إلا ذلك الكيان الذي كانت تحبه جدتك وأمك ويدعونه لك، كي يحفظك ويرعاك.
أن لا دائم إلا الله.

عندما نرى الخطيئتين الأكبر لإبليس نتعامل معهما غالبًا بترفع. نحن لا نغضب لهذا الحد، وبالتأكيد لا نتكبر إلى هذا الحد. لكن تراكم الخطايا الصغرى دائما ما يؤدي، إن لم نستدركها ونتواضع معها، إلى الخطايا الأكبر


لكن إبليس استكبر.

خطيئته الأكبر كانت أن ذاته استعلت والإيجو تضخم، ورفض.

عندما ننظر إلى أخطائنا الكبرى في الحياة، سنجد في أغلب الأحيان أن سببها هو الإيجو.


الدرس الأول لأبينا آدم ونحن من بعده هو الكبر، وضرب المثل بإبليس. هنا تثور نفس الأسئلة، لم إبليس، ولمَ هذا الدور. لكن هذه الأسئلة لن تفيدني شخصيا في شيء. الأسباب لا تهم إلا لتفهم أفعال الشخصية وأنا لست مهتمًا بذلك، اهتمامي ينصب على النتائج. هتلر له دوافع، ابن لادن له دوافع، ويزيد بن معاوية كانت لديه دوافع وأسباب.

فهم دوافع هتلر لن يمحي آثار الحرب العالمية الثانية، وكذا فهم دوافع ابن لادن لن ينقذ الأرواح التي أزهقت بسببه، وفهم دوافع يزيد لن يعيد رأس الحسين إلى مكانه، وكذلك الأمر بالنسبة لإبليس ودوافعه.

الكبر، أورث إبليس الغضب والعناد الممتد من بعد لحظة نفخ الروح في آدم حتى يوم الحشر.


عندما نرى الخطيئتين الأكبر لإبليس نتعامل معهما غالبًا بترفع. نحن لا نغضب لهذا الحد، وبالتأكيد لا نتكبر إلى هذا الحد. لكن تراكم الخطايا الصغرى دائما ما يؤدي، إن لم نستدركها ونتواضع معها، إلى الخطايا الأكبر، فما كبيره خطأ صغيره خطأ.

كبر إبليس منعه من السجود؛ "أأسجد لمن خلقت طينا" (الإسراء: 61)، وغضبه منعه من الإستغفار عندما قال له الحق "فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج فإنك من الصاغرين (13) قال أنظرني ليوم يبعثون (14)" (الأعراف: 13، 14)

هنا والله أعلم، كان ممكنًا لو لم يدفعه كبره إلى الغضب أن يطلب المغفرة، السماح، لكن غضبه أعماه تماما فكان طلبه أن يُنظر إلى يوم أن نبعث، وعندما استجاب له الحق "قال فإنك من المنظرين" (الأعراف: 15).

"قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين" (الأعراف 16، 17).

خطيئته الكبرى أدت إلى تماديه في الخطايا؛ الكبر فالغضب فالعناد.

وكان ذلك الدرس الأول والأكبر والأهم لآدم وذريته من بعده؛ لا تتكبروا، لا تغضبوا، لا تعاندوا.

لكننا تكبرنا، على بعضنا البعض وعلى الأرض وعلى باقي الحيوانات تناسينا أن "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم مافرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون" (الأنعام: 38).

أهلكنا الحرث والنسل، بادعاء التفوق على سائر البشر والكائنات، بما أننا فضلنا بالإرادة الحرة، تلك الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملناها نحن، الظلمة الجاهلين. "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا". (الأحزاب: 72).

عندما نغفر لمن أساؤوا إلينا، لا نغفر لهم لأننا نحمل حب العالم بين ضلوعنا أو لأن لدينا أجنحة ملائكية تمحي خطايا العالم، بل لأننا بكل بساطة نغفر لأنفسنا ما فعلناه نحن بنا.

هذا الظلم والجهل دائما ما كانت له نتيجة. وما نحن نعيشه هذه الأيام والأيام المقبلة، إن هو إلا أحد نتائج ذلك.


تحدثت في المقالين السابقين عن الرحمة والمغفرة باعتبارهما مكونين مهمين لنغير ما يحدث، ولكونهما فضيلتين. هنا سأتحدث عن الرذيلة الأكبر.

كيف يمكن أن نرحم ونغفر وذواتنا المتضخمة هي من تقودنا؟

أسلفت أن التضرع من اللين والتذلل، ولكي نتضرع لله سبحانه وتعالى لا بد أن ندرك حجمنا جيدًا بالنسبة له، وبالنسبة لرفاقنا من بني البشر. أن ندرك أننا لا شيء أمام الله، وأننا ذرة في محيط الإنسانية، لها عمر قصير نسبيًا، وأننا لا نبلغ الجبال طولًا ومهما علِمنا فلن نفهم إلا إذا كسرنا ذلك العدو -الصديق الكائن بين أضلعنا- وهو الأنا.

ذلك الكسر سيعلمنا معنى الرحمة الحق، كيف نرحم الضعيف لا لأنه ضعيف ونحن أقوياء، بل لأننا نرى ضعفنا الشخصي فيه، ونتوحد ونتعاطف معه، لا لأننا أخيار وطيبون، بل لأننا مثله تمامًا، الفرق الوحيد أن حظنا كان أفضل منه.

عندما نغفر لمن أساؤوا إلينا، لا نغفر لهم لأننا نحمل حب العالم بين ضلوعنا أو لأن لدينا أجنحة ملائكية تمحي خطايا العالم، بل لأننا بكل بساطة نغفر لأنفسنا ما فعلناه نحن بنا.

الرحمة والمغفرة ليست منا إلى الأخرين، الرحمة والمغفرة هي منا إلينا، كما المرآة، نرى فيهما انعكاس صورنا في رفاقنا من بني البشر.

الله سبحانه وتعالى يطلب منَّا أن نتضرع كي نتعلم، يطلب منا أن نتضرع كي نرى، فالتضرع كما هو لين ذلول، يحمل بين طياته الغذاء الذي يحيي الرضيع.


يتحدث الكثير من المعلمين عن موت الإيجو وكأنه لحظة تأتي بسبب كشف إلهي، أو التعرض لتجربة شديدة القسوة، وهذا جزئيا صحيح، لكن ما يلي دائما تلك اللحظات هو الأهم. لحظة التجربة مهما طالت قصيرة، الأهم هو الاحتفاظ بتلك التجربة وتذكير أنفسنا دائمًا بها، لا أن نتباهى بها بتواضع، فبعض التواضع كِبرٌ مقنع.

موت الايجو ليس لحظةً بل هو الممارسة بعد تلك اللحظة. أن نتذكر دائما ذلك الوقت، أن نتذكر مدى ضعفنا وانكسارنا، وكيف كان جبر الضعف والانكسار جميلًا، وأن لولا ذلك الضعف وهذا الانكسار، ما كنا عرفنا ذلك الجمال.