حسام الحملاوي- فليكر برخصة المشاع الإبداعي.
من إضراب مصورين صحفيين أمام النقابة (فبراير 2007).

حرية الصحافة في مصر: صحفيون في السجون ومواقع محجوبة

منشور الاثنين 4 مايو 2020

 أمام مرآة منكسرة، تعكس صورته بتشويش، وهو يهندم ثيابه، ثاني أيام عيد الفطر، يركب سيارة الترحيلات متلهفًا للنسائم المتسللة عبر شباك نافذتها، يدخل قفص المحكمة، بينما عيناه تتجولان بحثًا عن شقيقه، بين عشرات الحضور، انقبض قلبه، بعد أن لمح الحزن يكسو وجه أخيه، يعلم أن والدته التي أصيبت في حادث، في حالة حرجة، يخشى أن يصيب ظنه، أخبره أخيه بوفاة والدته، تجمدت ملامحه، ولم تخرج شفتاه كلمة، عاد وحيدًا لزنزانته، بسجن طره تحقيق، يستوعب وفاة أمه بين جفاء الجدران. هكذا وصف ياسر الحسيني استقبال أخيه، الصحفي المسجون حسين الحسيني صدمة وفاة والدته، التي لم يمكنه توديعها لمثواها الأخير.

ظروف عمل خانقة

في 3 مايو/ أيار، اليوم العالمي لحرية الصحافة، تراجعت مصر ثلاثة مراكز على مؤشر حرية الصحافة، عن العام الماضي، لتصل للمركز 166 من بين 180 دولة، بحسب منظمة مراسلون بلا حدود التي وصفت مصر بأنها أحد أكثر دول العالم حبسًا للصحفيين. وهو ما رصدته الشبكة العربية لحقوق الإنسان في تقريرها عن حالة حرية التعبير في مصر، خلال عام 2019، وقالت إن عدد المسجونين من الصحفيين وصل إلى 39 صحافيًا، فيما تم تسجيل 17 حالة اعتقال جديدة بحق صحفيين وعاملين بالصحافة بأنواعها المختلفة في عام 2019 وحده.

يعاني الصحفيون في مصر من ظروف عمل خانقة، فهناك 547 موقعًا تم حجبها، منذ استخدام السلطات لسياسة الحجب في مايو 2017، حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بالإضافة لغلق عدد كبير من الصحف، وتسريح العمالة بها، إلى جانب الملاحقات الأمنية للصحفيين، في 2018 صنفت لجنة حماية الصحفيين مصر من أكثر أربعة دول سجنًا للصحفيين. يقول ياسر الحسيني عن أخيه "يوم 16 مارس/ أذار 2018، قوات أمن وقفت حسين في الشارع، وأخدته، أخفوه بعدها 30 يوم قسريًا، مانعرفش عنه حاجه، لحد ماظهر يوم 17 أبريل/ نيسان في نيابة أمن الدولة، عرفنا بعدها من المحامين أنه ممسوك على ذمة لقضية 441 حصر أمن الدولة، ودي أغلب الصحفيين الممسوكين بينزلوا عليها". الحسيني، الذي ألقي القبض عليه منذ عامين، بالكاد أكمل وقتها عامه الثامن عشر، كان يعمل مصورًا صحفيًا تحت التمرين بموقع المصري اليوم، فهو كان هاوٍ للتصوير، وينتظر أن يجتاز الثانوية العامة، ليكمل دراسته في الإعلام، لكن سُجنت أحلامه بين أربعة جدران.

كان بيحب التصوير 

يقول ياسر "الحسيني كان بيحب التصوير والشغل جدًا، كان صغير لكن عقله كبير، يادوب احتفلنا بعيد ميلاده الـ18، وقرب يخلص ثانوية عامة اتمسك، وبعد شهر حاولنا بكل الطرق إنه يمتحن في السجن، لكن كان فيه تعنت في دخول الكتب والملازم له، وطبعًا مع حالته النفسية السيئة، والتحقيقات كل شوية، ومافيش جو مهيأ للمذاكرة، مقدرش يحصل أكتر من 50% في المجموع، راح حلمه في دخول الكلية طبعًا، دورنا على معهد خاص يقبله، وفعلًا قدمناله في معهد في إسكندرية".

ويكمل "إدارة السجن منعت من تنفيذ قرار المحكمة أنه يأدي امتحاناته، كان المفروض هيروح يمتحن في سجن الحضرة، وكل امتحان المعهد يبعت مندوب ومراقب، ميلاقيش حد، ونسأل يقولوا ماترحلش للامتحان، دي السنة التانية لأخويا، لو مادخلش الامتحان هيتحرم من التعليم الجامعي كله".

لم يكن حلم الالتحاق بالجامعة فقط هو مافقده الحسيني بحبسه، لكنه فقد والدته، التي توفيت يوم 6 يونيو/ حزيران، إثر حادث سير، أثناء خروجها من زيارته في سجن طره، ولم يسُمح له وداع والدته الأخير، على الرغم من محاولات المحامين وشقيقه الحصول على استثناء خروج لحضور الدفن، لكن قُوبلت كل المحاولات بالرفض.

وجهت للحسيني، عدة تهم، من بينها الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. على الرغم من نفي رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد، اعتقال الصحفيين في قضايا تخص النشر، في مؤتمر صحفي عقد يوليو/ تموز الماضي، إلا أن أغلب الصحفيين المحبوسين توجه لهم تهم تخص نشر الأخبار الكاذبة، وهو ما يؤكده منسق برنامج الشرق الأوسط وأفريقيا، التابع للجنة حماية الصحفيين، شريف منصور، في تصريحات سابقة، مشددًا أن تهمة نشر أخبار كاذبة تستخدمها السلطات المصرية كأداة قمع للصحفيين في مصر منذ عام 2013.

صور كورة وماتشات

في زنزانة أخرى بنفس السجن، يؤدي المصور الصحفي بجريدة فيتو إسلام جمعة الامتحان، في محاولة لإنقاذ مستقبله، بعد أن ألقت قوات الأمن القبض عليه في 29 يونيو 2018.

تقول والدة إسلام للمنصة "إسلام كان مصور رياضة وفن، ومالوش في السياسة خالص، يوم 29 يونيو من سنتين الفجر، لقينا خبط جامد على الباب، دخلوا فتشوا حاجات إسلام، وخلوه يفتح اللاب توب و الكاميرا، وكان كل اللي عليها صور كورة وماتشات، وبعدين لموا الحاجه، وأخدوا ابني مني، وفضلنا مش عارفين عنه حاجه واختفى 39 يوم كاملين، ماعرفش كان بيعملوا فيه أيه ولا كان عامل إيه". بعد 39 يومًا من القاء القبض على جمعة  ظهر في نيابة أمن الدولة العليا يوم 7 يوليو 2018، على ذمة القضية رقم 441، تلك التي يطلق عليها نشطاء وصحفيون اسم الثلاجة، لكونها القضية التي يقضي على ذمتها صحفيون وحقيوقيون فترات طويلة، قابلة للتجديد، من الحبس الاحتياطي.


اقرأ أيضًا: قضايا الباب المفتوح: تبدأ بعشرات المتهمين و"تبتلع" آخرين على مدار شهور


تكمل والدة جمعة "ابني لما أخدوه كان عنده 21 سنة، ولسه مخلص امتحانات تالتة، هو كان طالب في دار العلوم، ولما ظهر كان عندي أمل يخرج بسرعة، لكنه طوّل جدًا في الحبس الاحتياطي، ولما لقى عمره بيعدي و هو جوا قرر يدخل الامتحانات من جوا السجن، وفعلًا جرينا مع المحامين لحد ما جبنا تصريح يمتحن من السجن" تغلب الفرحة بصمود ولدها دموعها وتستطرد "ابني أخد الشهادة واتخرج حتى وهو محبوس، إسلام ابني شاطر". تقفز أعداد الصحفيين المسجونين في مصر بشكل ملحوظ، خاصة في ظل التمديد المتواصل لقانون الطوارئ، وأشارت لجنة حماية الصحفيين في أحد تقاريرها إلى وضع حرية الصحافة في مصر، بأن السلطات المصرية تستخدم مصطلح الأمن القومي، مبرر لشن مزيد من الحملات على حربة الصحافة. كانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أصدرت تقريرًا بشأن القضايا التي تضم عدد كبير من الصحفيين، بجانب عدد من النشطاء والرموز السياسية، أطلقت عليها قضايا الثقب الأسودلعل أكبر قضيتين يحتجز على ذمتهما الصحفيين، هي القضية 441 لسنة  2018، والتي تضم أكثر من 10 صحفيين، من بينهم رئيس تحرير موقع مصر العربية، عادل صبري، الذي ألقي القبض عليه من داخل مكتبه، و الصحفيان مصطفى الأعصر وحسن البنا، والصحفي معتز ودنان.

قضايا الثقب الأسود

القضية الأخرى في ذلك "الثقب الأسود" تحمل رقم 488 لسنة 2019، والتي تجمع عددًا كبيرًا من الصحفيين، من بينهم الصحفية سُلافه مجدي وزوجها حسام الصياد، بعد القبض على صديقتهما الصحفية إسراء عبد الفتاح، وكذلك الصحفي خالد داوود. 

تقول المحامية الحقوقية هالة دومة، التي حضرت عدة تحقيقات مع صحفيين محتجزين على ذمة القضيتين إن "التهم الموجه للصحفيين تقريبًا واحدة، كلها بتدور حول الانضمام لجماعة محظورة أو أسست على خلاف القانون،  ونشر أخبار كاذبة، أو سوء استخدام مواقع التواصل الإجتماعي، واستخدام حساب خاص بهدف ارتكاب جريمة نشر الأخبار الكاذبة". تتقاطع أوضاع الصحفيين في السجون المصرية، في سوء الأحوال المعيشية، والتعنت في إجراءات الزيارة والتعامل داخل الحبس، لكن تختلف التحقيقات وجلسات المحاكمة. تقول دومة للمنصة "في دوائر بتسمع مرافعاتنا وتنظر في الأدلة، وأحيانًا بتطلب أرشيف الصحفي، وتسأله فيه، لكن في دوائر تانية مابتسمحش بكده، وبتصدر حكمها فقط، وكذلك النيابات". وتضيف "الحبس الاحتياطي قانونًا مدته سنتين، وأغلب الصحفيين، خصوصًا القضية 441 لسنة 2018، عدوا مدة الحبس القانوني، أو أوشكت مدتهم على الانقضاء، لكن مافيش أي مؤشرات عن نوايا الأفراج عنهم، حتى بعد تقديمنا لجميع الضمانات اللازمة لذلك".

بجانب الأخطار التي تحيط بالصحفيين في مصر، ينطلق يتحرك كثير من الصحفيين دون أوراق رسمية تثبت عملهم داخل مؤسسة معينة، وهو مايسهل تنصل المؤسسات من عامليها في حالة حدوث مشكلة، كما حدث مع الزميل محمد أبو زيد، الصحفي بجريدة التحرير، وأب لثلاث أطفال، بعد أن سلّم نفسه لقسم شرطة المعصرة يوم 7يونيو 2018، بعد أن هاجمت قوة أمنية منزله، لكنه لم يكن موجودًا وقتها.

يقول شقيقه أحمد أبو زيد للمنصة "محمد راح سلّم نفسه في القسم، بعد ما إدارة الجورنال اللي شغال فيه طمنته أنه إجراء قانوني وشجعوه يروح عشان يفهم في إيه، ولما راح اختفى وفضلنا نبعت تلغرافات و نسأل عنه، لحد عرفنا أنه ظهر في نيابة أمن الدولة العليا يوم 24 يونيو، واللي ادته 15 يوم حبس على ذمة التحقيق، من غير ما يحضر معاه محامي".

محمد، ترك أسرته دون مصدر دخل آخر، ولم يحاول مكان عمله مساعدة أسرته. يقول أحمد "بعد ما محمد اتحبس الجورنال نفى صلته به، وقالوا إنه شغال بالقطعة، ومحدش اهتم يصرفله راتب شهري عشان أولاده، و أنا اللي متكفل بهم، بس طبعًا الظروف قاسية على الكل، وبنحاول على أد مانقدر نوفر مصاريفنا".

وصمة عار

قضايا أمن الدولة، وصمة عار، في ظل الخناق الأمني، يتحسس الجميع أنفاسه حتى لا تبتلعه الزنازين، والصحفيون، كغيرهم من السجناء، يتركون خلفهم أسر كاملة، تواجه الوصم، بالأضافة لظروف معيشية قاسية بعد فقدان المعيل، كما حدث في أسرة محمد.

يقول أحمد؛ "بعد سجن محمد كل الناس بعدت عننا، كأننا مرض معدي، والناس بتجري منه، كله خايف يكون متراقبين وس. وج. وقطعوا معانا خالص".

حصل أبو زيد على حكم بإخلاء السبيل، على ذمة التحقيقات، من محكمة جنايات القاهرة،  قابلته نيابة أمن الدولة العليا بالاستئناف، وقبلته المحكمة يوم 17 يونيو 2019، وأعادت اتهامه بنشر أخبار كاذبة. تشاركنا آية زوجة الصحفي حسام مصطفى، الذي كان يعمل محررًا رياضيًا لدى موقع بطولات، محاولاتها لإخفاء حقيقة سجن زوجها عن دوائر معارفها، هي وأسرته، فهو المعيل الوحيد لأمه المسنة، وشقيقاته الثلاث. تقول آية، وهي تعمل معلمة في مدرسة خاصة "من يوم ما أخدوا حسام وأنا بتهرّب من السؤال عنه، أوقات بقول مسافر، بيشتغل بره، تجنبًا للمشاكل والأسئلة اللي مالهاش لازمة". وتكمل "حسام هو اللي متحمل مسؤولية والدته واخواته البنات بعد وفاة والده، خصوصًا والدته مسنة ومريضة وهو اللي كان بيقوم برعايتها بنفسه، ودلوقتي هي متأثرة بغيابه وبتتعرض لأزمات صحية شديدة من غيره".


اقرأ أيضًا: "جوزي مسافر": كيف تبرر زوجات المسجونين السياسيين غيابهم


تتذكر  آية تفاصيل القبض على زوجها؛ "يوم 28 يونيو 2018، كان مر على زواجنا 10 شهور بس، وفي عز الضهر الباب خبّط، و دخلوا قوات أمن، مكناش فاهمين في إيه، أخدوا كل حاجه موبايلاتنا واللاب توب، وأخدوا حسام و نزلوا، بعدها أختفى 14 يوم، و ظهر في نيابة أمن الدولة العليا". ختمت آية حديثها مع المنصة بنبرة يائسة؛ "مش عارفة كلامكم عنه هيفيده ولا هيضره زيادة، بس أنا في حاجة لأي أمل يمكن يخرج".

علاقات عامة

"كل الأنظمة الاستبدادية على مر العصور، بتتعامل مع الصحافة على أنها مهنة العلاقات العامة، تروج أفكارها وتخدم عليها". استهل   رئيس لجنة الحريات بالنقابة العامة للصحفيين، عمرو بدر، تصريحاته للمنصة عن أوضاع الصحافة في مصر، ويقول "طبعًا الصحافة في مصر تعاني من التضيق و الحصار المستمر، سواء بغلق وحجب المواقع، أو مطاردة الصحفيين، لكن النقابة بتحاول إنها تستخدم سلطاتها في حماية ماتبقا مننا، وفي مشكلة الصحفيين المسجونين تحديدًا بنمشي باتجاهين؛ النقابة ككل بتاخد خطواتها القانونية، وأحنا كلجنة الحريات لوحدها بتبدأ تتحرك، ونصدر بيانات خاصة بينا، بشأن زملائنا". تجاوز كثير من الصحفيين المسجونين الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وعلى الرغم من الجهود القانونية للإفراج عنهم، لازالوا داخل الزنازين. يستطرد بدر  في حديثه عن الحبس الاحتياطي لأجل غير مسمى للصحفيين "للأسف الجهات الأمنية حولت الحبس الاحتياطي لعقوبة، واللجنة قامت بدورها، وأعدت قايمة بكل الصحفيين اللي تجاوزوا مدة الحبس، و قدمنا بلاغات بأسمائهم للنائب العام، لكن الإجراءات توقفت بسبب كورونا، ومازلنا منتظرين".