تصميم: يوسف أيمن - المنصة

ما وراء "العلاج بالأحضان": المواثيق الغائبة في علاقة الطبيب النفسي بمرضاه

كشف تواتر شهادات العديد من الفتيات حول تحرش طبيب نفسي في طنطا بهن أثناء الجلسات العلاجية بدعوى اتباعه ما قال إنه "أسلوب علمي" يدعى "العلاج بالأحضان"، عن قصور في فهم القواعد التي ترسم شكل العلاقة بين الطبيب النفسي والحالات التي يتابعها، وتضع الحدود التي لا ينبغي لأحد تجاوزها، في مجتمع طالما عانى فيه المرضى النفسيون من الوصم.

وتخضع عيادات الطب النفسي لمعايير ومواثيق دولية، باعتباره التخصص الطبي الوحيد الذي يحظر فيه تواجد شخص ثالث من مساعدي الطبيب كالممرضة أثناء تقديم العلاج حفاظًا على خصوصية المريض، خاصة وأن العلاج النفسي يبدأ بالحكي، كالكود الأخلاقي للطبيب النفسي في انجلترا، وميثاق الجمعية الأمريكية للأخصائيين النفسيين، واللذين يحددان طبيعة وحدود العلاقة بين الطبيب النفسي والمريض.

ماذا يفعل بنا الوصم؟

الطبيبة والمعالجة النفسية المصرية المقيمة في لندن هند عادل توضح للمنصة أنه لا توجد خطوط واضحة لحماية المرضى أو المعالجين النفسيين في مصر، بعكس العديد من البلاد "في إنجلترا يخضع المعالج والطبيب النفسي لتدريب طويل قبل مزاولة المهنة، وأيضا المعالجين النفسيين يخضعون قبل العمل لجلسات علاج نفسي وأغلب الجامعات تطلب شهادات من الأطباء الذين خضعوا أمامهم المتدربين أو الدارسين للعلاج قبل الالتحاق والعمل بها، وهو الأمر الذي لا يتم في مصر".

ويعاني المرضى النفسيون في مصر من وصم مجتمعي ترسخ طوال سنين وبدت الكثير من آثاره في الأعمال الفنية التي تعد انعكاسًا لموروثات شعبية ترى في المرض النفسي عيبًا.

ويحصل المعالجون والأطباء النفسيون في الخارج، وفقا لهند، على شهادة "تشبه الفيش والتشبيه في مصر، تثبت أن الطبيب لم تصدر ضده أية أحكام". وتضيف "أيضا يحصل الأطباء والمعالجون على شهادة أخرى توضح إمكانية تعاملهم مع كبار السن، وهي الفئة التي ربما تحتاج للتلامس في العلاج مثلا عند مساعدة كبار السن في التحرك، وبدون هاتين الشهادتين لا يمكن للطبيب أو المعالج النفسي التعامل طبيا مع الأطفال أو كبار السن، فلا يحق له التطوع في جمعية خيرية لمساعدة الأطفال أو الخروج معهم في رحلات، لأن عدم حصوله على الشهادة يعني أنه غير قادر على اكتساب ثقة تلك الفئة، وهو الأمر الذي لا يحدث في مصر".

غياب الخطوط الواضحة التي تحدد حقوق المرضى وتوفر لهم الحماية، فضلًا عن وضوح هذه المعايير على نطاق واسع في المجتمع، تعود لأسباب عديدة قد يكون من بينها مخاوف كثير من المصريين من العلاج النفسي خاصة مع الوصمة المجتمعية السائدة ضد من يحتاجون استشارات نفسية من متخصصين حتى وإن لم يكونوا مرضى.

رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي والرئيس السابق للجمعية العالمية للطب النفسي أحمد عكاشة ذكر في تصريحات تليفزيونية سابقة منذ عامين، أن عدد الأطباء النفسيين في مصر يبلغ ألفي طبيب تقريبًا بمعدل طبيب لكل 50 ألف شخص، بينما هناك 8600 سرير في المستشفيات النفسية بمعدل سرير لكل 64 ألف نسمة، وهي معدلات أقل مما حددته منظمة الصحة العالمية بضرورة وجود طبيب نفسي لكل 20 ألف شخص وسرير واحد لكل 10 آلاف شخص.

ويعاني المرضى النفسيون في مصر من وصم مجتمعي ترسخ طوال سنين وبدت الكثير من آثاره في الأعمال الفنية التي تعد انعكاسًا لموروثات شعبية ترى في المرض النفسي عيبًا. وما زال هذا الوصم حاضرًا في عناوين الصحف وبيانات المؤسسات الرسمية في الدولة.

مشاكل قانونية أخرى

من جانبه يرى الدكتور أحمد حسين بمستشفى العباسية، والعضو السابق بمجلس نقابة الأطباء، أن واحدًا من أسباب غياب الخطوط الواضحة لحماية المرضى هو قانون الصحة النفسية والعلاج النفسي الذي تم تعديله وتمريره والموافقة عليه من قبل البرلمان مؤخرًا، والذي يسمح للطبيب النفسي بعد الحصول على الدراسات العليا مباشرة، بممارسة العلاج النفسي.

ونوّه حسين إلى أهمية التفرقة بين الطبيب النفسي والمعالج النفسي، فالأطباء النفسيين يمكنهم تشخيص الحالات ويحق لهم وصف الأدوية النفسية "وفقا لدراستهم والمقابلات والاختبارات التي يجرونها في الدراسة وبعدها، ولكن المعالج النفسي هو الذي يجري جلسات علاجية وهي تتنوع وفقا للمدارس المختلفة، ومنها العلاج الجدلي أو العلاج السلوكي وغيرها".

من حق متلقي الخدمة العلاجية الاطلاع على شهادات الطبيب والسؤال عنه جيدًا، ومن حقه أيضًا سؤال الطبيب عن المدرسة العلاجية التي سيتبعها في علاجه، والبحث عنها عبر الإنترنت.

ومع التعديل أصبح من حق الطبيب إجراء جلسات علاجية، وهنا يصبح الأمر خطرا على المريض وعلى الطبيب أيضا، مضيفا "مش عيب إن الدكتور النفسي يقول مبعرفش أدي جلسات علاجية وده أحسن له وللمريض، لأنه لو أدى جلسات مش صح هتأثر على سمعته لما المريض ميلاقيش تحسن أو استجابة"، كما أن العلاج من خلال جلسات العلاج النفسية لا تدرس بالقدر الكافي في الجامعات المصرية، وتختلف من جامعة لأخرى.

يخضع الأطباء في الخارج لإشراف جمعية طبية تشرف على مزاولتهم المهنة، وتقدم تقيما للأطباء كل عام، وكل العاملين في مجال الصحة النفسية يخضغون لإشراف من أطباء صالحين للإشراف الطبي، وفي مصر تقول هند عادل إن تطبيق ذلك "بدأ من فترة لكن على نطاق ضيق، ومفيش جهة تؤكد أن الأطباء صالحين للإشراف، ولكن هناك مجموعة من الأطباء لديهم قدر من الخبرة وحصلوا على العديد من التدريبات، يتطوعون للإشراف على عدد من المعالجين النفسيين، فيتم الأمر دون غطاء حكومي أو رسمي".

وأوضحت هند أن "ذلك يؤدي لظهور العديد من المشاكل، أبرزها التحرش، فلابد من دور توعوي تقوم به الجهات المعنية في مصر، يكون تعريف بالعلاجات النفسية، ومن له الحق على القيام بالعلاج النفسي وجلسات العلاج، وخضوع الأطباء لتدريبات عديدة قبل العمل في هذا المجال، لحفظ حقوق المرضى وحفظ حقوقه هو أيضا".

وأضافت أن من حق متلقي الخدمة العلاجية الاطلاع على شهادات الطبيب والسؤال عنه جيدًا، ومن حقه أيضًا سؤال الطبيب عن المدرسة العلاجية التي سيتبعها في علاجه، والبحث عنها عبر الإنترنت "حتى لا يتعرض المرضى لخداع من الأطباء بوجود علاجات فيها تلامس جسدي"، مشيرة إلى أنه عند وقوع حالات تحرش في عيادات الطب النفسي "تأتي أمام المريضات معضلة حماية سرية البيانات، وهناك مريضات يتعرضن لتهديد وابتزاز من الطبيب بصورهم أو الإفصاح عن أسرارهم، خاصة مع عدم وجود بنود واضحة لحماية المرضى وحماية سرية بياناتهم عند تعرضهم للتحرش في العيادات تضعها نقابة الأطباء".

ونوهت هند إلى بإطلاق وحدة مناهضة التحرش والعنف ضد المرأة مؤخرًا في جامعة القاهرة، والتي شارك بها العديد من الأطباء بأعمار مختلفة، وعملت حينها بشكل قوي، وتم استبعاد العديد من الأطباء المخالفين للمواثيق الدولية لحماية المرضى.

وبحسب هند، فإن كليات الطب حتى وقت قريب لم تكن تدرّس في مناهجها ميثاق عمل الطبيب كما هو متبع في الخارج، وهو الميثاق الذي يضع حدود علاقة الطبيب بمرضاه وكيفية تعامله معهم.

وانتقدت الطبيبة النفسية "عدم تفعيل دور المجلس القومي للصحة النفسية، الموجود في مستشفى العباسية، والذي لا يؤدي الدور المنوط به، من حملات توعية للأطباء والمرضى، والإشراف بشكل دوري على الأطباء"، مثلما انتقدت كذلك عدم تضمن قانون الصحة النفسية بنودًا توفر حماية للمرضى من التحرش "لأن العلاقة بين الطبيب النفسي والمريض يجب أن تكون واضحة للمجتمع، ففي الخارج الطبيب يعامل المريض على أنه عميل، ولا يمكن أن يعالج أحد أقربائه أو أصدقائه مثلًا، ولا يمكن أن تنشأ بين الطبيب والمريض علاقة صداقة".

وعن دور المجلس القومي للصحة النفسية، اتفق حسين مع هند في أنه "لا يقوم بالدور المنوط به، فهو مبنى به موظفين دون عمل"، موضحًا أن "دوره الأساسي والذي لا يتم هو الرقابة على الأطباء والمستشفيات الحكومية والخاصة، والتأكد من وجود لجان حقوق المريض بكل مستشفى، والتي تعمل على تعريف المريض بحقوقه وواجباته، كما أن جزءًا كبيرًا من غياب الوعي بحقوق المريض وواجباته يرجع لعدم توضيح وزارة الصحة الأمر، من خلال الحملات التوعوية، وحتى عبر الموقع الرسمي لها لا يوجد حقوق واضحة للمرضى، فمن حق المرضى الإطلاع على كارنيه الطبيب والشهادات الحاصل عليها، وهو الأمر الذي يغفله قطاع كبير من المرضى".

قانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي، لا توجد به مواد لمواجهة التحرش في العيادات، ويضم بنودًا عدة حول طرق علاج المرضى، وحالات الحجز في المستشفيات أو المصحات النفسية.

حاولت المنصة التواصل مع أحد المسؤولين في المجلس القومي للصحة النفسية للتعقيب، ولكنه لم يستجب.

علاقة الطبيب النفسي بالمريض يجب أن تكون علاقة مهنية للعلاج فقط، فلا يمكن بناء علاقة صداقة بينهما، لا يمكن لأحدهما استضافة الآخر في المنزل مثلا أو الخروج للتنزه سويا.

أيضا ميثاق شرف الأطباء النفسيين، الذي وضعه الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي ورئيس سابق للجمعية العالمية للطب النفسي، لا يتضمن بنودًا خاصة بالتحرش، تضمن قواعد عامة بالممارسة الفعلية، والتزامات خاصة بالعلاقات العامة، التي تتحدث عن العلاج وكيفيته، وما يمكن التصريح به لوسائل الإعلام من قبل الأطباء.

حسين أضاف أن "العديد من الأطباء يتفقون على ضرورة دراسة وإعداد مشروع قانون لممارسة العلاج النفسي بشكل مستقل يضع في الاعتبار تصحيح التعريفات، بما يتماشى مع المتفق عليه عالميًا والفصل بين دور المعالج النفسي والأخصائي النفسي، وتحديد عدد ساعات التدريب ومتطلبات الحصول على ترخيص المزاولة، وضرورة هيكلة ممارسات مستويات الاستشارات النفسية والعلاج النفسي بهدف تقنين الممارسات، مع احترام الخلفيات المهنية للعاملين في مجال العلاج النفسي والمعمول بها عالميًا".

لا "علاج بالأحضان"

المواثيق الدولية التي تحدد العلاقة بين الطبيب النفسي والمريض، تحرص على احترام والحفاظ على خصوصية المريض، كما قال الطبيب النفسي اللبناني خالد ناصر في اتصال هاتفي مع المنصة.

ويرى ناصر أن العلاقة بين المريض النفسي والطبيب علاقة حساسة لاعتمادها على حكي المريض عما يمر به من أزمات ومشاكل، وهنا لابد من التأكيد على من يكون له الحق في علاج المريض، فلا يمكن للطبيب علاج المرضى دون الحصول على ترخيص بمزاولة المهنة، تؤكد دراستة للطب النفسي، وقدرته على علاج المرضى.

احترام خصوصية المريض، هو البند الأساسي في ميثاق الشرف الخاص بالطب النفسي في المواثيق الدولية، فلا يمكن للطبيب الإعلان عن اسم المريض أو ما يعاني منه لأحد، حتى لأقرب أقاربه.

بحسب ناصر، فإن علاقة الطبيب النفسي بالمريض يجب أن تكون علاقة مهنية للعلاج فقط، فلا يمكن بناء علاقة صداقة بينهما، لا يمكن لأحدهما استضافة الآخر في المنزل مثلا أو الخروج للتنزه سويا، لأن تلك الأشياء ستؤثر على العلاج، ومن أهم المعايير التي يجب توافرها في الطبيب أو المعالج النفسي، أن يكون محايدًا وبعيدًا عن المشاكل التي يعاني منها المريض لمساعدته، فلا يجب أن ينفعل معه مثلا عند حكي المريض، أو بكاءه، فالطبيب هنا يكون طرفًا ثالثًا بعيدًا عن المريض ومشكلاته النفسية.

"العلاج بالأحضان"، عبارة ترددت في العديد من شهادات الفتيات حول طبيب طنطا، وهي الحيلة التي كان يلجأ إليها الطبيب للمس الفتيات والتحرش بهن وفقا لتحريات النيابة. وهنا يؤكد الطبيب اللبناني أن مصطلح "العلاج بالأحضان" لا وجود له في الطب النفسي "ولا يمكن أن يكون هناك أي تلامس جسدي بين الطبيب والمريض يتجاوز المصافحة العادية".