سلمى حسين. صورة بإذن خاص منها

باحثة اقتصادية: الديون تلتهم 50% من إيرادات مصر بالموازنة الحالية

منشور الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

قالت الصحفية والباحثة الاقتصادية سلمى حسين إن معدل نمو الاقتراض الخارجي لمصر بلغ 17% خلال العام الماضي، وهو الأعلى في المنطقة العربية، لافتة إلى أن الوضع الاقتصادي في مصر "زاد هشاشة" بعد جائحة كورونا.

وأضافت في تصريحات للمنصّة بمناسبة حلول الأسبوع العالمي للتعبئة من أجل إلغاء الديون أن "مصر صارت خلال هذا العام، رسميًا، ثاني أكبر عميل مقترض من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين".

ويقول صندوق النقد الدولي إنه خلال السنة المالية 2019، بلغ مجموع المبالغ المنصرفة من حساب الموارد العامة في إطار اتفاقات التمويل 2.47 مليار دولار أمريكي، وحصلت اﻷرجنتين ومصر وأوكرانيا على أكثر من 93 %من هذه المبالغ. 

كانت مبادرة إلغاء الديون وإسقاط اتفاقيات التبادل الحر بالمنطقة العربية (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) نظمت ندوة عامة إلكترونية تحت عنوان "في ظل تداعيات وباء كورونا: هل آن أوان تحرير شعوبنا من ربقة الديون؟" بمشاركة سلمى حسين والخبيرين الاقتصاديين هشام صفي الدين من لبنان ونجيب أقصبي من المغرب، تناولت أوضاع الديون في الدول النامية.

وتهدف المبادرة، التي أطلقتها أكثر من مائة جمعية ومنظمة من المنطقة العربية، إلى إلغاء الديون العمومية عن الدول النامية، وإسقاط اتفاقيات التجارة الحرة، ومقاطعة  البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية.

ديون خارجية وداخلية

ذكرت الباحثة في الندوة أنه "بعد 2013، كانت هناك إغراءات شديدة لمصر أن تقترض من الخارج"، وأضافت أن "مؤشرات الدين الخارجي تدهورت مؤخرًا بشكل عام في كل الدول النامية، ومصر ليست استثناءً، إذ يُشكل الدين أربعة أمثال الصادرات المصرية، وصار نصيب الفرد منه ألف دولار، ويماثل حاليًا حوالي 38% من الناتج المحلي"، مشيرة إلى أن "25% من اﻹيرادات المحلية في موازنة مصر 2020/ 2021 تذهب لسداد القروض، ومثلها للفوائد"، وهو ما وصفته بأنه "نسبة رهيبة غير مسبوقة".

أمام هذه النسب، تقول حسين للمنصّة "لهذا فإن النداءات الآن تخص تجميد سداد الفوائد لفترة معينة. ففي حالة مصر مثلًا تكلفها سنويًا نصف تريليون جنيه، وهو ما يعادل 3 أضعاف الإنفاق على التعليم. والتجميد لن يسبب خسارة للدائنين ومعظمهم بنوك مصرية، ﻷنهم في النهاية سيستردون أموالهم".

 

مؤشرات متدهورة للدين الخارجي. المصدر: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

بخلاف أزمة الفوائد، لفتت الباحثة إلى أن "الدين المحلي هو اﻷغلبية من تركيبة الدين في مصر"، مستدركة "وعلى الرغم من ذلك، إلا أن ربعه كان بالدولار قبل أزمة كورونا، لأسباب من بينها إقبال اﻷجانب على شراء أذون الخزانة المصرية ﻷوراق الدين قصيرة الاجل؛ وبالتالي صار الوضع أن لدينا ما يبدو أنه دين محلي وهذا شيء مطمئِن، لكنه يخلق ضغطًا كبيرًا جدًا على الجنيه".

واستعرضت خلال الندوة تقسيمة أولويات الموازنة العامة، والتي بيّنت أن "الجزء اﻷكبر منها يذهب لفوائد الدين وسداد القروض، وبعدهما تذهب نسبة قليلة لبقية البنود من صحة وتعليم وأجور وحماية اجتماعية وخدمات عامة"، معلّقة "إذن، هناك إزاحة رهيبة جدًا لعبء الدين (فوائد أو قروض) على حساب البنود الأخرى؛ ومن ثَم نجد ضغطًا شديدًا جدًا على الإنفاق العام على الصحة واﻷجور وغيرها".

بحثًا عن براح

حول مبادرات إسقاط الديون، تقول الباحثة للمنصّة "إن التجارب العالمية السابقة لم تشهد نداءات كثيرة منظمة ﻹسقاط الديون، وكانت مؤيدة من صندوق النقد كهذه الفترة، ﻷن العالم لم يمر بأزمة مماثلة. لكن شهدت بداية الثمانينيات أزمة كبيرة لدى الدول النامية التي اقترضت أموالًا، كان أغلبها من بنوك وليس من دول ومؤسسات، ثم ارتفعت أسعار الفائدة على قروضها؛ فبدأ عدد منها في إعلان إفلاسه".

وعن هذا الوضع الحالي أضافت "هناك عدد من الدول النامية بدأت تُفكر، ومن قبل كورونا، في إعادة جدولة ديونها دون أن تكون على شفا إفلاس، وذلك بهدف خلق براح مالي لنفسها، ﻷن الفوائد دائمًا تشكل جزء كبير من العبء المالي على الدول، والتفاوض يسمح بخلق براح مالي لها لتوفير أموال للصحة والتعليم والبنية التحتية وخلافهم".

وتابعت أن هذا الاتجاه يأتي بين دول نامية "مديونة بحوالي تريليون دولار، واﻷعباء الخاصة بالدين من فوائد وأقساط تشكل حوالي 25% من إيراداتها العامة وحوالي 111% من إجمالي صادرتها و38% من مجموع الدخول القومية لها"، معلّقة "فنحن نتحدث عن لحظة صعبة جدا من حيث تراكم الديون".

محاولات 2011

لكن قبل هذه اللحظة، وتحديدًا عقب ثورة 25 يناير، انطلقت مبادرة تحت عنوان "الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر"، إلاّ أنها لم تكتمل أو تؤدي إلى نتيجة.

عن سبب إخفاق تلك المحاولة تقول حسين للمنصّة " ﻷنه كان ينقصها أن تبتناها الدولة اﻷم، لكن ما حدث أن رئيس الحكومة حازم الببلاوي، وهو من خلفية صندوق النقد العربي، رفض تمامًا تبنيها. أما أعضاء الحكومة، فلم يكن بينهم اتفاق كامل على تبني الحملة، خوفًا من أن يُقال إن مصر متعثرة في السداد؛ ما سيضر بسمعتها دوليًا".

في تصريحات له عام 2018، قال الببلاوي إن "ارتفاع الدين العام والخارجي ليس سيئا في كل الأحوال؛ لأن الاستخدام الجيد له يجعله دينًا جيدًا".

قبل هذا التصريح بأربعة أعوام، قاد الببلاوي المساعي للحصول على مساعدات كبيرة من السعودية والكويت والإمارات، والتي قدمت مساعدات بلغت قيمتها الإجمالية 12 مليار دولار لمساعدة الاقتصاد المصري على التعافي في ظل الاضطرابات التي حدثت آنذاك. إذ زار السعودية في أوائل فبراير/ شباط 2014، وأجرى مشاورات هناك من أجل زيادة المساعدات المقدمة منها لمصر للمساهمة في تعافي الوضع الاقتصادي.

في تصريحات له أمس الاثنين، ذكر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن الاقتصاد المصري "شهد تحسنًا في مؤشراته في الفترة الماضية، ومن المتوقع أن يتحسن معدل النمو بصورة أفضل، وأن تحقق الموازنة فائضًا أوليًا في الفترة المقبلة".

تعليقًا على هذه التصريحات التي أتت أمام ما استعرضته الباحثة من أرقام، قالت للمنصّة "نحن ثاني أهم عميل للبنك بعد الأرجنتين، ومن صالحه أن يشيد بموقف مصر الاقتصادي والمالي، ﻷن سمعتها من سمعته باعتباره المُقرض. وقدم الصندوق مؤخرًا استثناء ﻷنها تجاوزت النسبة القصوى للاستدانة منه، حين وافق على قرض 5.2 مليار دولار بشكل استثنائي مقابل برنامج Stand-By Arrangement".

وأوضحت الأسباب الخاصة بشهادة الصندوق، قائلة "الصندوق ليس المقرض الوحيد أو الأساسي، بل هو عرّاب المقرضين. وحين يقول إن مصر حالتها جيدة؛ فهذا يُشجع على إقراضها. أما لو قال عكس ذلك فهذا يعني إنه كجهة مخطئ، ولم يكن قراره بإقراضها أو تشجيع جهات ودول أخرى على ذلك صحيحًا".

ما بعد كورونا

"من المتوقع أن يقع 100 مليون شخص في الدول النامية تحت خط الفقر بسبب الآثار الاقتصادية لكورونا"، قالت الباحثة في الندوة عن آثار ما بعد الجائحة، مشيرة إلى أن "هجومها كان في لحظة كانت مصر تعاني بالفعل من هشاشة شديدة عند معظم العاملين، من أوجهها أن 7 من كل 10 عاملين بالقطاع الخاص يعملون بشكل غير رسمي".

وتابعت "ثم أثّرت الجائحة جدًا في هذا الوضع وزادته هشاشة، فنصف السيدات وثلثا الرجال تأثرت أعمالهم بالسلب، وواحد من كل أربعة فقد عمله تمامًا، ومتوقع أن تزيد البطالة بواقع 1.2 مليون نسمة حتى نهاية 2020".

في اتساق مع الأرقام التي أعلنتها الباحثة، أفادت دراسة مسحية أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مطلع يوليو/ تموز 2020 حول أثر الجائحة على الأسر المصرية، بأن "62% من العاملين تأثرت حالتهم، منهم 26% تركوا العمل نهائيًا وحوالي 56% أصبحوا يعملون أيام أو ساعات عمل أقل من المعتاد وحوالي 18% يعملون عملاً متقطعًا. و74% انخفضت دخولهم منذ ظهور الفيروس".

وكذلك، قال وزير المالية محمد معيط في تصريحات أدلى بها قبل أيام، إن "ما لا يقل عن مليون مواطن فقدوا أعمالهم بسبب تفشي فيروس كورونا، وإن هناك ارتفاع في معدلات البطالة بعد ظهور أزمة كورونا عما كان قبلها".

بحسب الباحثة فإن مصر قبل الجائحة كان بها "33 مليون فقير و6 مليون جائع وحوالي 30 مليون مهددين بالفقر"، كما أن "كل الأسر التي تم سؤالها في إطار بحث الدخل والإنفاق في شهري مايو/ أيار، ويونيو/ حزيران الماضيين، قالت إنها اضطرت بصورة أو بأخرى لتقليل كميات طعامها أو عدد الوجبات أو اللجوء لنوعيات طعام بجودة أقل".

وهذا الأمر الأخير أكدته دراسة لجهاز التعبئة والإحصاء، أفادت بأن "اللحوم والطيور والأسماك والفاكهة في مقدمة السلع التي انخفض استهلاك الأسر لها بعد الجائحة، على العكس من الأرز والزيت والبقوليات الذين أتوا على رأس قائمة الاستهلاك".

دعم ضعيف

عن سبل الدعم في مواجهة كورونا، ذكرت حسين أن "ما خصصته مصر كان حزمة ضعيفة جدًا، وكان معظمها للشركات، في صورة تجميد سداد قروضها، ومعونات مباشرة لشركات السياحة، وإعفاءات ضريبية جديدة، منها ما كان سخيًا جدًا لعقارات فخمة مملوكة لكبرى الشركات".

 

زيادة العبء السنوي للدَّين الخارجي. المصدر: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

وأضافت "ومن أجل تمويل هذه الحزمة، فرضت الدولة مزيد من الضرائب. فمؤخرًا صدر قرار بأن أي مواطن يزيد دخله عن ألفين جنيه سيتم خصم نسبة 1% من دخله لمواجهة كورونا، وهذا بغض النظر عن وضعه الوظيفي"، معلقّة بالقول "وكأن ضريبة الدخل زادت بشكل قطعي وليس تصاعدي، وهو أمر ظالم جدًا للطبقات الأفقر".

حلول ممكنة

عما يمكن تقديمه من حلول، ذكرت حسين، التي سبق وأن نشرت بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية سلسلة أبحاث عن الدين الخارجي لمصر، أن هناك أكثر من حل من مثل تخفيض سعر الفائدة "ﻷن معظم الدائنين حتى بالسندات هم مصريين، بنوك وشركات تأمين قطاع عام. فمن الممكن الوصول لاتفاق بتجميد الفوائد أو تمديد آجال السداد من أجل خلق براح".

وأضافت أن أحد الحلول هو إسقاط ما تبقى من ديون قديمة، وضربت مثالًا على ذلك بما كان مطلع التسعينيات، بقولها "عام 1990، تفاوض مبارك لإعادة جدولة ديون، وحينها أسقط جزء من الدين وتم إعادة جدولة جزء آخر منه، وما زلنا نسدد فيه حتى اليوم".

وتابعت "فلو حسبنا قيمة ذلك الدين بفوائده؛ سنجد أن الدائنين حصلوا على أكثر مما اقترضناه بالفعل، ومازلنا مديونين. وهذا نموذج لدين ممكن بالتفاوض إسقاط ما تبقى منه، لكنه يحتاج إرادة سياسية".

وتختتم الباحثة "أفضل وسيلة لإسقاط الديون هو الشكل الجماعي عن طريق تجمع كتلة دول نامية لتفاوض الصندوق من أجل خلق "براح مالي". ﻷنه كلما كان الضغط جماعيًا وغير مقترن بأزمة قدرة على السداد؛ كلما حصلنا على شروط أفضل من المُقرضين، ﻷن التفاوض يكون من منطق قوة. ولكن أعتقد أنها فكرة حالمة نوعًا ما".