أحمد رشوان - بإذن خاص للمنصة
حاتم علي في مهرجان روتردام للفيلم العربي 2009 وإلى جواره المخرج هيثم حقي.

حاتم علي: للموت تجلٍّ مختلف

منشور السبت 30 يناير 2021

ذاك اليوم، الذي لن أنساه أبدًا، كنت في منزلي الذي انتقلت إليه مؤخرًا. وكعادتي خلال انتقالاتي الكثيرة التي تجاوزت الخمسة في السنتين الأخيرتين، كان عليّ تجميل الشقة بما يتناسب مع قلقي واهتماماتي. 

مع انتصاف النهار، رغبت في أخْذِ استراحةٍ من طرق النجار على الشبابيك والأبواب ذات الطراز المصري القديم، والتي بدا أنها، أي الطَرقات، لن تنتهي ولن تثمر، وأيضًا من الفوضى العارمة التي أحدثتها السيدة التي تساعدني في تنظيف المنزل. أشعلت سيجارة وبرفقة كوب قهوتي البارد تصفحت فيسبوك، علّني أنفض عن رأسي بعض التوتر.

أول منشور ظهر لي كتبه صديقي مهندس الصوت أحمد عصام. أعدت قراءته أكثر من مرة، أخذت مع الجملة الأولى نفسًا عميقًا من سيجارتي، ولم أخرجه إلا بعد وقت، لم أعلم حينها إذا كان هذا ما أدمع عينيَّ أم الخبر الذي حمله عصام؛ موت المخرج والمنتج السوري حاتم علي، الذي استدعيته لحظتها بصورة الممثل الشاب الذي أدّى دور محمود؛ الأخ الطيب المثقف الهادئ المغلوب على أمره، في مسلسل بسمة الحزن المقتبس عن رواية دمشق يا بسمة الحزن للأديبة السورية الراحلة إلفة الإدلبي.

صورة ضوئية لغلاف رواية دمشق يا بسمة الحزن - طبعة منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية 1980

عُرِض المسلسل، وهو من سيناريو وحوار رفيق الصبان وإخراج لطفي لطفي، عام 1992، أي حينما كان عمري ثماني سنوات، ومع صغر سني حينها لكنني أحببت محمود كثيرًا، ربما لجمال طلته، ومؤكد لتعاطفه مع صبرية أخته، بطلة الرواية والمسلسل والتي أدت دورها الممثلة السورية رنا جمول.

استرجعت في أجزاء من الثانية الكثير مما أحاط بتلك المرحلة من حياتي؛ بعض صفحات الرواية التي اقتنتها أمي في مكتبتها، وقد شكّلت هذه المكتبة أول معرفتي بالكلمات في الأدب لما احتوته من روايات لنجيب محفوظ وإلفة الإدلبي وإحسان عبد القدوس وأجاثا كريستي وغيرهم، وشاشة التلفاز التي كانت متنفسنا الأعظم، مع الكتب، في فترة التسعينيات.

لا شعوريًا رحت أكتب في تعليق على منشور صديقي كلمات عبثية وأحذفها، ثم اتصلت به.

كان سؤالنا الأول أنا وهو عن عمرو نجل حاتم ودفعة أحمد في معهد السينما، كانت كلماتنا مرتبكة نحاول فهم ما حصل، لا يهم كيف حصل بقدر ما تساءلنا لماذا وأين، وما حال عمرو؟

أخبرني أحمد أن الفاجعة حصلت في فندق ماريوت الزمالك حيث كان حاتم يقيم، وحيث أملت أن ألقاه خلال شهر مضى لأتعرف عليه، وأطرح عليه وعلى عمرو مشروعي الوثائقي الجديد.

أمضيت الساعات السبعة التالية في حالة فوضى فكرية، أتواصل مع أحمد، الذي توجه مباشرة إلى فندق ماريوت وأسأله عن حال عمرو، أطلب منه أن يخبرني ما يحدث بالتفصيل، وكأن ما يحدث يمكن أن يعيد حاتم إلى الحياة.

لم أكن الوحيدة التي أتابع ولم يكن صديقي الوحيد الذي ذهب. لقد امتلأت ردهة استقبال الفندق مثل مدخله بعشرات الفنانين والصحفيين والمحبين، وأولهم الممثل جمال سليمان رفيق درب حاتم والذي جسد الكثير من شخصياته، أيضًا الممثل سامر المصري والفنانة أصالة نصري، التي يعرفها المصريون باسم "أصالة". 

على صعيد آخر تواصلت مع أصدقاء سوريين بعضهم في سوريا ومنهم من يقيم في مصر. صفحات فيسبوك العامة والشخصية بدأن تغص وتختنق بخبر وفاة حاتم وصوره، ليس فقط المتخصصين في المجالات الفنية، بل إن الأمر تعدى ذلك لينعاه كل من شاهد بعض أو كل أعماله، كل من أحس يومًا أن هناك على الأقل مرحلة أو شخصية واحدة في أعمال حاتم علي تلمسه أو تمثله بشكل أو بآخر. لم يكن السوريين وحدهم في هذا المشهد الذي استمر عدة أيام، بل شارك في النعي والحزن والصدمة شعوب عربية.

في كل يوم مرّ لاحقًا شاهدت فيه فيديو على موقع يوتيوب وُثّق فيه عزاءا حاتم؛ في دمشق وذلك الذي أقيم في دبي، لم أستطع غض النظر عن تلك التعليقات المحبة من العراق، الجزائر، المغرب، مصر التي أسلم روحه تحت سمائها، وفلسطين التي صنع لنا من أجلها عملًا دراميًا وضع فيه من ذكرياته المشابهة، وخبراته الحياتية والفنية الكثير، ليظهر مسلسل التغريبة الفلسطينية صادقًا بكل ما للكلمة من معنى، متمثلًا بصورة مذهلة من الألم. بل إنها تكاد تكون الصورة الأشمل والأوضح للنزوح الفلسطيني الذي بدأ قبل 73 سنةً وما زال مستمرًا، بدءًا من شارة المقدمة بكلماتها المؤثرة للشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان وألحان طاهر ماملي وصوت عامر الخياط.

تلك الشارة التي رافقت بعض كلماتها مراسم جنازة حاتم يرافقها تصفيق حار، زغاريد وعراضة شامية بينما تحمل الأكتاف نعشه في دمشق التي غاب عنها طويلًا لكن اتضح أنها يومًا لم تنسه. تابعت كل هذه المشاهد وأنا أردد أبيات طوقان.

لا تلوموه قد رأى ** منهج الحق مظلمَا وبلادًا أحبها ** ركنها قد تهدَّما

تتوالى بعد الشارة مشاهد، ومن ثم حلقات المسلسل الثلاثون، لتسرد علينا صورة واضحة لكل ما تعملناه وكثيرٍ مما جهلناه، حول القضية الفلسطينية خصوصًا في مراحلها الأولى.

تحدَّث حاتم في كثير من المناسبات حول تجربته المبهرة في هذا المسلسل، لكن أكثر ما لفت نظري جملة ختم بها مقالًا كتبه في الجريدة الفلسطينية حق العودة حيث قال "كنت حينها، أود لو أصرخ لكن خجلي منعني: هاقد أصبحت أخيرًا، فلسطينيًا".

بالنسبة للسوريين، فإني لم أشهد على مر السنوات العشرة الأخيرة حزنًا لف الجميع، وأقصد بالجميع هنا طرفيّ الصراع بالإضافة إلى أولئك الذي يسميهم الآخرون بالرماديين لعدم انحيازهم بالحقد على طرف دون آخر.

لقد رحل في السنوات القليلة الماضية بعض مثقفينا الذين تشكَّل وعينا الأدبي والثقافي بسببهم، نحن الجيل الذي وُلد في الثمانينيات ومن سبقنا وبعض من تبعنا، بالإضافة لبعض الفنانين. أذكر جيدًا في السنوات الأخيرة وتحديدًا في عام 2013 رحيل الشاعر سليمان العيسى الذي عرفناه بدايةً من كتاب القراءة المدرسيّ، وكنا كلما ألقينا قصائده التي توجب علينا حفظها ختمناها باسمه وكأنه شطر يختتم القصيدة. عام 2017 رحل فنان الشعب رفيق سبيعي أو أبو صياح كما كنا نلقبه، وفي العام الذي تلاه توفي الأديب السوري حنا مينة  والممثلة مي اسكاف. لقد تركوا جميعهم إرثًا كبيرًا وخلّف رحيلهم على الكثيرين حزنًا لا يوصف، لكن لموت حاتم تجلٍّ مختلف. لم يأت على ذاكرتي حزن مشابه سوى ذاك الذي آلمنا بالرحيل الصادم والمفاجئ للمخرج التونسي الكبير شوقي الماجري.

رحل حاتم دون أن تتبعه كلمة شماتة واحدة، لم يأت من بعده من انتقد أو غضب أو كفّر من يترحم. وكسوريين كان موت حاتم وحده فقط ما جمعنا، بعد عشر سنوات من تفرقنا جغرافيًا، فكريًا وإنسانيًا.

بدأت حياة حاتم من الجولان حيث ولد عام 1962 في بلدة الفيق، ليعيش صراعات الحرب قبلنا كجيل عاصر صدمة واحدة فقط، وأظنها كافية، من خلال حياة قاسية على الصعيد الاجتماعي، عاشها في طفولته التي أتمها في مخيم اليرموك بعد نزوح عائلته إلى هناك إبان حرب 1967، ذلك الحي السكني الذي جمع أبناء سوريا وفلسطين في ظروف قاسية، وزرته خلال فترة دراستي الجامعية عام 2002 برفقة بعض الأصدقاء الذين يقطنون هناك ويروّجون له بكون إحدى شوارعه تحتوي على محال تجارية يبيع بعضها أفضل وأرخص أنواع الملابس. لم أكرر تلك الزيارة التي شعرت خلالها بعدم الارتياح من الزحام الخانق الذي لم أعتد عليه لوجود منزل عائلتي في أحد أحياء ريف دمشق، والذي وإن لم يكن أكثر رقيًا، لكنه كان أكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا وفوضى.

بدأت موهبة حاتم تتطور لينتقل بعد تخرجه في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة دمشق إلى دراسة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية ويتخرج فيه عام 1986. مثَّل على المسرح وكتب القصة، ثم أدى أول أدواره على الشاشة الصغيرة في مسلسل دائرة النار عام 1988 للمخرج هيثم حقي.

توالت أعمال حاتم في التمثيل لينتقل إلى العمل بالإخراج منتصف التسعينيات، مواصلًا الظهور كممثل في عشرات الأعمال التليفزيونية.

آخر عمل لحاتم قدمه في مصر عام 2019 وهو مسلسل أهو ده اللي صار، في مصر أيضًا كان يحضِّر لعمله القادم سفر برلك* الذي كان مقرراً عرضه في موسم رمضان 2020، لكن توقف العمل عليه لفترة بسبب انتشار الجائحة.

حاتم من الفنانين الذين استهلكوا العمل أو ربما هو ما استهلكهم حتى آخر نفس، فبحسب ما صرّح في رثائه عبر فيسبوك صديقه الناقد ماهر منصور أنه قبل يوم فقط من الوفاة، وصل إلى القاهرة ليتسلم ملاحظات حاتم حول تعديل بعض المشاهد من الحلقة العاشرة في مسلسل يعملان عليه. كان منصور قد ترك على مكتب حاتم السيناريو وطلب منه أن يعدّل هو بنفسه أحد المشاهد، لكن حاتم رحل قبل أن يفعل، قبل أن يكمل مسيرته الزاخرة والتي كُللت بإخراج 47 عملاً للتليفزيون والسينما، وشارك بالتمثيل في الكثير منها، كما نال العديد من الجوائز على بعضها.

عندما أعود لمشاهد الجنازة أرى أن معظم الذي حضروها، بعيدًا عن زملائه الفنانين، هم ممن تشكلت معرفتهم بالدراما من خلال أعماله التي لا تنسى ببساطتها وواقعيتها وقربها من تفاصيل حياتنا اليومية، مثل مسلسل الفصول الأربعة بجزأيه الأول والثاني، ندى الأيام، عصي الدمع، وطبعًا الزير سالم الذي شاهده كل السوريين تقريبًا، بالإضافة لغيرها الكثير من الأعمال.

ربما لو كنا نحيا في زمن أفضل وكان عبور الحدود ليس بالأمر المستحيل الذي يستدعي قوانين وموافقات وآلاف الدولارات لكنا مشينا في شوارع دمشق، في ذاك المشهد بجانب من يحملون جنسيات عربية أخرى، جمهور عربي عرف جزءًا هامًا من التاريخ بسبب رباعية الأندلس وهي سلسلة من أربع مسلسلات تحكي قصة الأندلس منذ تأسيسها وحتى سقوطها، كتبها الكاتب الفلسطيني وليد سيف وأتم حاتم علي إخراج ثلاثة مسلسلات منها؛ صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف بينما لم يكتب لمسلسل سقوط غرناطة سوى أن يبقى نصًا على ورق وحديثًا للإعلام دون أن يُنتج.

في زمن أفضل، كان سيمشي بجانبنا من مصر الكثير ممن شاركوا حاتم أعماله ونجاحاته، وآخرون شاهدوها على الشاشة كمسلسل الملك فاروق الذي كان له حين عرضه الأول نصيب كبير من المشاهدة والجدل والجوائز، إذ حصد من مهرجان القاهرة للإعلام العربي في دورته الثالثة عشر ستة جوائز ذهبية.

لقد كان موت حاتم بالنسبة لي هو أيضًا موت محمود في مسلسل بسمة الحزن، لينضم إلى صبرية التي استسلمت للانتحار بعد كل الصبر والنضال لأجل الحب والعائلة والوطن. صبرية التي أراها دائمًا بين سطوري التي أكتب، وأرى بسببها الموت هو الشيء الوحيد الذي تنتهي به القصص الجميلة.

هناك مشهد آخر من جنازة حاتم لا أستطيع نسيانه وتتردد كلماته في ذاكرتي كثيرًا، تلك السيدة التي مشت بين الجموع وبصوتها الدافئ أخذت تنادي "كتر خيرك يا حاتم"، "الله معك". نعم، كتر خيرك يا حاتم بعيدًا عما قَصدَتهُ تلك السيدة ولا أستطيع الجزم به، لكن كتر خيرك، جمعتنا كما لم يستطع أحد أن يفعل، فعلت ما عجز عنه رجال السياسة والسلاح، تجار الموت والواعدون بالسلام، أبكيتنا وأحزنتنا كلنا، أنت الذي طوال مسيرتك الفنية أسعدتنا، أمثالك لم يقدموا للحياة سوى كل ما هو إيجابي، ورحلوا قبل أن يكملوا المشوار، كاد مشوارك ليكون طويلًا مستمر بالإبداع والعطاء لكنها مشيئة القدر.


* سفر برلك seferberlik باللغة التركية تعني الترحيل الجماعي، ولكنها تستخدم عادةً في الشام وشبه الجزيرة العربية للإشارة إلى الحرب العالمية الأولى، حيث جمعت الدولة العثمانية الرجال قسرًا من هذه المناطق عام 1914 وجندتهم وأرسلتهم إلى الحرب.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.