كيف يفوز ريال مدريد في سان سيرو؟

في النهاية، لا يهتم دييجو سيموني بالطريقة التي يفوز بها فريقه، طالما يفوز، وهذا من حقه، ولكن طريقته تجعل كرة القدم في مأزق صعب، وعلينا أن نختار، الفوز أم المتعة؟

كيف يفوز ريال مدريد في معركة سان سيرو يوم السبت القادم في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام أتلتيكو مدريد الذي يملك أقوى دفاع في أوروبا؟ سؤال إجابته بـ 15 مليون يورو، قيمة المكافآة المالية لبطل دوري الأبطال، للإجابة على هذا السؤال يجب أولًا معرفة لماذا الفوز على أتلتيكو مدريد أصبحت مهمة في غاية الصعوبة؟


السر وراء الدفاع الحديدي

لا توجد أي فرصة لك أمام فرق الصف الأول في أوروبا كبرشلونة وبايرن ميونخ وريال مدريد، خاصة وإن كنت مديرًا فنيًا لنادي مثل أتلتيكو مدريد لا ينفق الكثير من الأموال لشراء النجوم، وتعتمد فلسفته الكروية على اللعب الدفاعي، لذلك كان على مديرهم الفني الأرجنتيني دييجو سيميوني إيجاد طريقة لعب تتوافق مع فلسفة النادي الكروية وبالتأكيد مع أوضاعه المالية والأهم من ذلك أن تثمر هذه الطريقة وتجعل النادي ينافس على البطولات.

كان على سيميوني أولًا معرفة نقاط ضعف منافسيه، وكانت تلك المهمة السهلة في مشواره مع أتلتيكو، يمكن القول إن معظم فرق الصف الأول في أوروبا جائعة، تريد أن تسيطر تمامًا على الكرة طيلة التسعين دقيقة، ومع السيطرة يمكن خلق الفرص والتهديف أكثر من مرة، إذن كيف تضرب الاستحواذ وتهزمه؟ بالدفاع العميق. يمكننا أن نكتب كثيرًا عن فوائد الاستحواذ على الكرة ومميزات هذه الفلسفة الكروية، لكن هناك عيب واحد فقط، وهو ما استطاع سيميوني أن يحدده ويبني على هذا العيب طريقة لعبه، وهو التوقع وفقدان مبدأ المفاجأة، فأنت تعرف من أين تهاجم برشلونة، ومن هم مفاتيح اللعب الذين يستطيعون أن يمرروا تمريرات فارقة.

بغض النظر عن التشكيلة التي يلعب بها سيميوني سواء كانت 4-4-2 أو 4-3-3 بتفريعاتهما المختلفة، تبقى المباديء الأساسية لطريقة اللعب، وهو أولًا وقبل كل شيء العمق الدفاعي، لكن المفتاح الأهم الذي يضمن نجاح هذا العمق هو المراقبة. تفادى سيميوني أخطاء غيره ولم يحاول مراقبة لاعب مثل ميسي أو نيمار، لأن هذا أمر يحتاج أكثر من لاعب، فاعتمد على مراقبة وتغطية المساحات خلف وأمام منطقة الدفاع، بالإضافة للانضباط الدفاعي وعدم الارتجال، والضغط العنيف على لاعبي الخصم حتى قبل استلام الكرة يجعل من عملية التحضير للهجوم للخصم أمرًا في غاية الصعوبة، ويجعل أتلتيكو مسيطرًا تمامًا على مساحات اللعب في وسط الملعب.

نموذج لدفاع آتلتيكو مدريدمن موقع spielverlagerung

يلعب سيميوني أيضًا بنظرية أن المهاجم أول المدافعين، لذلك نجد دفاع أتلتيكو مدريد مُقسّم لثلاث مراحل، المرحلة الأولى وهي في الثلث الأخير من الملعب، في مناطق دفاع الخصم، لاعتراض بناء الهجمات في مراحلها الأولية، ويمكن ملاحظة أن رغم الضغط من أعلى الملعب يظل الفريق متماسكًا ولا يسمح بوجود أي مساحات في منطقة وسط الملعب، ليجبر الفريق المنافس للذهاب للمساحات الواسعة على أطراف الملعب. ويحاول الفريق جاهدًا ألا يصل لمرحلة الدفاع الثانية في وسط الملعب أو الثالثة وهي التي على حدود مناطقه الدفاعية.

الضغط المبكر على الخصم من موقع spielverlagerung

لكن سيميوني يعتمد على فخ بسيط ينفذه دائمًا في كل مباراة، وهو أنه رغم الانضباط، والعمل على تضييق المساحات، نجد أن هناك دائما مساحات بين الخط الهجومي ومنتصف الملعب، تسمح هذه المساحات لأحد لاعبي خط الوسط (ساول نيجيث أو جريزمان أو كوكي) ببعض الحرية في التحركات أثناء المرحلة الأولى من الدفاع، إلى جانب أنها تغري لاعبي الخصم لتمرير الكرة عبر منتصف الملعب، ليضغط لاعبو منتصف الملعب سريعًا على حامل الكرة بالإضافة إلى ضغط المهاجم من الخلف، الأمر الذي يجعل من استخلاص الكرة أمرًا غاية في السهولة، وبالتالي بناء هجمة مرتدة سريعة، وإن لم يحدث، يُجبًر حامل الكرة على تمرير الكرة سريعًا ناحية الأطراف.


إذن الهدف من كل هذا الضغط هو إجبار المنافس على اللعب ناحية الأطراف، ليسيطر أتلتيكو على منتصف الملعب ولا يسمح بتمرير الكرة بعرض الملعب، وإن حدث فغالبًا تنتهي الهجمة باستخلاص أتلتيكو للكرة وبداية الهجمة المرتدة، وحتى على الأطراف يضغط ظهير أتلتيكو بقوة على حامل الكرة لإجباره على لعب الكرة بشكل مباشر سريعًا إلى الأمام، أو التمرير إلى الخلف إلى المدافعين، وذلك هو الفخ التكتيكي الثاني الذي يلعب عليه سيميوني، حيث يكون مهاجم أتليتكو مستعدًا للضغط بسرعة على المدافعين إن تم تمرير الكرة إليهم.


إن وصلت الهجمة إلى المرحلة الأخيرة يصبح الضغط على لاعبي المنافس من قبل المدافعين أكثر عنفًا وشراسة، وتصبح المساحات أضيق، ليكون الخط الخلفي لأتلتيكو مدريد أشبه بجدار صعب اختراقه، نظرًا لعدم وجود مساحات في المنطقة الوسطى أمام مرمى أتلتيكو مدريد. لكن مع كل هذه التكتيكات الدفاعية يبقى نظر لاعبي أتلتيكو على المساحات الواسعة في مناطق دفاع الخصم التي يمكن استغلالها في حالة الهجمة المرتدة.

حسنا والآن بعد كل هذا كيف يفوز الريال على دفاع منظم ومنضبط وعنيف مثل هذا؟

لعب أتلتيكو واحدة من أفضل المبارايات الدفاعية في تاريخ الكرة الحديثة ضد برشلونة في مباراة الإياب من الدور ربع النهائي في دوري أبطال أوروبا، وكان مفتاح نجاح هذا العرض الدفاعي ببساطة هو القدرة على التعامل مع التحركات الفردية للاعبي برشلونة، الأمر الذي وضع حدًا لأسطورة الثلاثي "ميسي، نيمار، سواريز"، فلم نر تلك التمريرات السحرية السريعة والقصيرة بينهم، هذه التمريرات والتحركات التي تبدو معقدة للغاية في المساحات الضيقة، والتي استطاعت أن تنجح كل مرة في خلق مساحات في الخط الخلفي، ومن ثم انهيار الدفاع. استطاع أتلتيكو أن يتعامل مع كل هذا بذكاء في هذه المباراة، ولم نر في برشلونة الفريق الذي يستطيع خلق عشرات الفرص من اللا شيء.


لكن في مباراة بايرن ميونيخ في نصف النهائي، استطاع العملاق الألماني خلق العديد من الفرص وتهديد مرمى أتلتيكو بتحركات لاعبي البايرن غير المتوقعة، خاصة تحركات ديفيد ألابا وفيليب لام على الأطراف، وتحركات فيدال الرأسية في وسط الملعب، كل هذا بالإضافة إلى محاولات مولر في البحث عن المساحات. استطاع المدير الفني لبايرن ميونيخ بيب جوارديولا أن يستغل النظام الدفاعي المعقد لأتلتيكو في صالحه، فرأينا ظهيري بايران يتحولان إلى لاعبي وسط، هذا بالإضافة إلى التحركات الهجومية للاعبي الدفاع. كل هذا أربك دفاعات سيميوني، ورأينا كيف اضطر لاعبي أتلتيكو العودة إلى الخطوط الخلفية للحفاظ على الهيكل الدفاعي للفريق، ما أدى إلى سيطرة لاعبي البايرن على مساحات شاسعة من الملعب.


لم يستطع دفاع أتلتيكو التعامل مع ظهيري البايرن، ولا حتى التعامل مع تحركات فيدال ومولر الحاسمة، إذن يستطيع زيدان بسهولة إرباك دفاعات سيميوني إذا استطاع أن يستخدم مبدأ المفاجأة، وتطوير التحركات الفردية للاعبيه، بالإضافة إلى وجود صانع اللعب الذي يستطيع أن يتحرك بين خطوط أتلتيكو بشكل غير متوقع.

لماذا إيسكو؟

يحتاج ريال مدريد إلى لاعب خط وسط يستطيع باتقان أن يتحرك بين خطوط أتليتكو، ويستطيع أن يقود منتصف الملعب، أثبت صانع ألعاب ريال مدريد إيسكو أنه لاعب ذكي، يستطيع التحرك جيدًا بدون كرة، تحركاته فارقة وذكية في منتصف الملعب، تلك المنطقة التي يدافع عنها أتلتيكو بضراوة، ويحاول دائما السيطرة عليها، يستطيع إيسكو بتحركاته ودقته في التمرير المباشر أن يقود خط وسط الريال من الدفاع إلى الهجوم، فقدرته على إيجاد المساحات والتمركز الصحيح وتوظيفها لصالحه، يجعل من السهل على لاعبي الريال أن يمرروا الكرة رأسيًا إلى وسط الملعب، بدلا من التمرير للأطراف والوقوع في فخ سيميوني.


هذا بالنسبة لوسط الملعب، وهي المعركة الأهم في المباراة، والتي إن فاز بها الريال استطاع تفادى مسرحية مراحل الدفاع الثلاثة التي يلعبها أتلتيكو في كل مبارياته، لكن حتى وإن تمت السيطرة على وسط الملعب يبقى ثلاثي الريال الأمامي بين فكي دفاع أتلتيكو، فكيف يحول الريال سيطرته، واستحواذه إلى فرص ومن ثم إلى أهداف؟

كما سبق وأن ذكرنا مشكلة الاستحواذ والسيطرة هو أنك تقابل فريق يلعب بدفاع عميق، إلى جانب مبدأ التوقع، إذن على الريال أن يكون سريعًا في التحول من الدفاع إلى الهجوم، بتمريرات مباشرة ودقيقة، وتحركات فردية ذكية، أو على الأقل أن يحاول استخدام أسلوب البايرن في التحركات الهجومية لخط الدفاع، وفي هذه الحالة تكون الإجابة الظهير مارسيلو!

يتملك الريال ظهيرين يعتبران الأفضل من الناحية التكتيكية، خاصة فيما يتعلق بالمساهمة في المرحلة الهجومية، يمتلك مارسيلو تحديدًا القدرة على الركض بذكاء في منتصف الملعب، تمامًا كما فعل ديفيد ألابا، لكن يستطيع مارسيلو فعل أكثر من ذلك، إذا أعطاه زيدان الحرية، كما رأينا في مباراة الكلاسيكو الأخيرة، يستطيع مارسيلو التحرك بذكاء، وبشكل غير متوقع، يستطيع المراوغة، والأهم من ذلك، تحركاته الذكية تخلق دائما مساحات يستطيع الثلاثي الهجومي استغلالها.


شاهد كيف ساهم مارسيلو في هدف تعادل الريال مع برشلونة في الكلاسيكو الأخير

كل هذا قد لا يكفي لاختراق الجدار الحديدي لأتلتيكو مدريد، يحتاج الريال إلى الهجوم بكل الطرق، حتى بالكرات العرضية، رغم صعوبة هذا الأمر لتفوق لاعبي أتلتيكو في الكرات الهوائية، لكن الريال يملك اثنين من أفضل لاعبي الهواء على الأطراف، رونالدو وبيل، والأمر جدير بالمحاولة، حتى وإن كان يبدو الأمر كمجازفة خطيرة في مباراة نهائية، لكن على الريال أن يفرض نفسه وطريقته على أرضية الملعب إن أراد الفوز، وهذا لا يعنى فقط الاستحواذ على الكرة، بل يعنى تحركات كثيرة بدون كرة وخلق مساحات في مناطق أتلتيكو، بالإضافة إلى التنوع الهجومي، وعدم الدخول في فخ سيميوني.

في النهاية، لا يهتم دييجو سيموني بالطريقة التي يفوز بها فريقه، طالما يفوز، وهذا من حقه، ولكن طريقته تجعل كرة القدم في مأزق صعب، وعلينا أن نختار، الفوز أم المتعة؟ تستطيع فرق كثيرة تأمين الفوز بدون التنازل عن اللعبة الحلوة، لكن هذا الذي يفعله سيميوني. إنه يقتل روح اللعبة، ويجعلها مجرد أرقام على جداول المسابقات.