جانب من اجتماع ممثلي شركات تكنولوجيا المعلومات مع المفوضة الأوربية لشئون العدالة Image Courtesy: Věra Jourová

مخاوف حقوقية من "مدونة السلوك الرقمي" الأوروبية

فور الإعلان عنها، أثارت مدونة السلوك التي أقرتها المفوضية الأوروبية لشؤون العدالة أمس، قلقًا لدى المنظمات المدنية المعنية بحرية التعبير والحقوق الرقمية، باعتبارها تتبنى "مصطلحات فضفاضة"، قد تدعم جهود الحكومات الراغبة في تقييد حرية التعبير لمواطنيها.

وبمجرد الإعلان عن المدونة، قامت منظمتا "Edri" للدفاع عن الحرية الرقمية، و"Access Now" المعنية بحرية تداول المعلومات والوصول إليها، بإصدار بيان صباح الثلاثاء؛ أعلنتا فيه انسحابهما من منتدى المفوضية الأوروبية لتكنولوجيا المعلومات، احتجاجًا على نص وبنود مدونة السلوك التى تم الاتفاق عليها.

جاء ذلك عقب الاجتماع الذي عقدته مفوضية الاتحاد الأوروبي لشؤون العدالة صباح أمس الثلاثاء، في العاصمة البلجيكية بروكسل، وضم شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى، والذي انتهى بإعلان مدونة سلوك تحت عنوان "مدونة سلوك لمكافحة خطاب الكراهية غير القانوني على شبكة الإنترنت".

ويأتي وضع المدونة في ضوء قرار حماية البيانات الرقمية، الذي أصدره البرلمان الأوروبي في يناير الماضي. وأعلنت التشيكية فيرا جوروفا مفوضة الإتحاد الأوروبي لشئون العدالة عبر حسابها الرسمي في تويتر؛ عن التوصل إلى اتفاق "ضمني" مع شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى وعلى رأسها فيسبوك وجوجل وتويتر ومايكروسوفت والشركات التابعة لهم، لتطبيق مدونة السلوك عبر منصاتهم وخدماتهم المختلفة.

وقالت جوروفا في كلمتها: "الإنترنت هو مكان لحرية التعبير، وليس موضعًا لبث خطاب الكراهية. لقد اتفقت شركات تكنولوجيا المعلومات اليوم على مدونة قواعد السلوك ضد خطاب الكراهية عبر الإنترنت. وتنص على أن التحريض العلني على العنف أو الكراهية لا مكان له على الشبكة الدولية".

وبيَّنَت أن الاتفاق مع الشركات، يعني ضمنيًا قيامها بحذف خطابات الكراهية المقدمة عبر مواقعها وخدماتها على شبكة الإنترنت.

بنود مثيرة للجدل

وتنص مدونة السلوك التي اتفقت عليها شركات الإنترنت العملاقة مع المفوضية الأوروبية لشئون العدالة، على مراجعة "أغلبية" المحتوى المتواجد على مواقعها في غضون 24 ساعة من الموافقة على المدونة، وإزالته أو منع الوصول إليه إذا لزم الأمر.

ونصت مدونة السلوك أيضًا على مشاركة شركات تكنولوجيا المعلومات، مع المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء بالإتحاد الأوروبي على الإلتزام بمواجهة خطاب الكراهية غير القانوني على الإنترنت، على النحو المحدد من قبل إطار القرار رقم 2008/913 / JHA والصادر في 28 نوفمبر لعام 2008، بشأن مكافحة مظاهر العنصرية وكراهية الأجانب طبقًا للقانون الجنائي الدولي والقوانين الوطنية.

وعرفت المدونة خطاب الكراهية بأنه: "كل سلوك يحرض علنًا على العنف أو الكراهية الموجهة ضد مجموعة من الأشخاص أو أحد الأفراد، استنادًا إلى العرق أو اللون أو الدين، النسب أو الأصل القومي، أو الإثني".


وقالت فيرا جوروفا عقب التوقيع على مدونة السلوك: "إن الهجمات الإرهابية الأخيرة ذكرتنا بالحاجة الملحة إلى معالجة خطاب الكراهية على شبكة الإنترنت". وأضافت أن: "وسائل الإعلام الاجتماعية أصبحت واحدة من الأدوات التي تستخدمها الجماعات الإرهابية لجذب الشباب نحو التطرف. واستخدامها في دعوات عنصرية تعمل على نشر العنف والكراهية". ورحبت الدبلوماسية التشيكية بالتزام شركات تكنولوجيا المعلومات في جميع أنحاء العالم لإعادة النظر في صالحية الإخطارات لإزالة خطاب الكراهية في أقل من 24 ساعة، أو تعطيل الوصول إلى هذا المحتوى، إذا لزم الأمر".

أسباب وجيهة للاعتراض


في البيان المشترك الذي أصدرته منظمتا "الدفاع عن الحرية الرقمية - Edri" و"Access Now" لتفسير انسحابهما وعدم مشاركاتهما في النقاشات المقبلة التي يعتزم منتدى تكنولوجيا المعلومات الذي تنظمه المفوضية الأوروبية عقدها. قالت المنظمتان أنهما غير واثقتان في مدونة السلوك الذي تم الاتفاق عليها.


وأضاف البيان أنه منذ نهاية العام الماضي: "كان من المفترض أن يواجه منتدى تكنولوجيا المعلومات التعريف الغامض(للنشاطات الإرهابية وخطاب الكراهية على الإنترنت) الوارد في المدونة؛ إلا أن المفوضية الأوروبية عقدت نقاشات مغلقة، انحصرت المداولات فيها بين شركات الإنترنت وممثلي الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، دون إشراك أي من المؤسسات المعنية بحرية التعبير وحرية الوصول للمعلومات على الإنترنت".

وشدد البيان على أنه لم تجر دعوة منظمات المجتمع المدني في النقاشات المتعلقة بتحديد طبيعة ما يمكن اعتباره "نشاطات إرهابية على الإنترنت". ولم يُسمح لمنظمات المجتمع المدني سوى بحضور النقاشات حول "خطاب الكراهية". معتبرًا أن ما قامت به المفوضية الأوروبية للعدالة وهي هيئة حكومية تابعة للمفوضية الأوروبية -إحدى أهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي- أن استبعاد المنظمات غير الحكومية المعنية بحرية التعبير والحق في الوصول للمعلومات تم بشكل ممنهج، بغرض إفساح المجال أمام الشركات للتقدم بوثيقتها، التي تم تمريرها باعتبارها وثيقة رسمية في اجتماع الأمس.


ومؤسسة "إدري" Edri هي تجمع من جمعيات ومنظمات غير حكومية معنية بالدفاع عن الحقوق الرقمية باعتبارها جزءً رئيسًا من منظومة حقوق الإنسان. وتعمل المؤسسة على المحافظة على الحقوق الرقمية للمواطنين الأوروبيين في ظل الثورة الهائلة لتكنولوجيا المعلومات، التي أدت إلى تزايد محاولات فرض الرقابة والقيود من قبل الحكومات الساعية لتقييد الحقوق الأساسية للمواطنين.

فيما قال جوى مكانامي المدير التنفيذي لمؤسسة الحقوق الرقمية الأوروبية إن: "مدونة السلوك تعتبر بيان صريح للتأكيد على أن شركات الإنترنت ستأخذ زمام المبادرة في التعامل مع "المحتوى المثير للجدل" بالنيابة عن مؤسسات إنفاذ القانون. مضيفًا: أن مدونة السلوك ستجعلالقانون يتراجع إلى المركز الثاني في مواجهة التحريض، بعد تقدم الشركات للعب "الدور الرئيسي" حيث صارت مجبرة وفقصا لتلك المدونة على ان تنفذ شروط الخدمة اليت يوقع عليها مستخدميها. [التي تتضمن تجنب بث خطاب التحريض والكراهية].

موقف غامض للشركات

بينما أعلنت شركة مايكروسوفت في وقت سابق من الأسبوع الماضي عبر مدونتها الرسمية، عن النهج الذي ستتبعه في التعامل مع "المحتوى الإرهابي". وتتضمن إعلان مايكروسوفت نموذجًا للإبلاغ عن "المحتوى الإرهابي" الذي يظهر عبر محركات البحث والمنتجات التابعة لها.

بينما لم تشر المدونات الخاصة بشركات فيسبوك، وجوجل، ويوتيوب، وتويتر للاتفاق ومدونة السلوك، أو تفصح عن الإجراءات التي ستتبعها تلك الشركات في إزالة ما تراه خطابًا للكراهية رغم مرور اكثر من 24 ساعة عن إقرار الوثيقة الحاوية لمدونة السلوك.

وعقب ساعات من توقيع مدونة السلوك الأوروبية، تربع على خارطة الترند في الولايات المتحدة هاشتاج "Istandwithhatespeech" "أنا اقف مع خطاب الكراهية" احتجاجًا على توقيع مدونة السلوك الأوروبية.


وتناول المغردون عبر الهاشتاج أسبابهم الداعمة لرفض مدونة السلوك ومنح الحق للشركات في حذف ما تراه خطابًا للكراهية.


إذ نشطت حسابات أغلبها داعمة لرجل الأعمال اليميني دونالد ترامب الساعي القريب من مركز "المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة" في الولايات المتحدة. وطالبت تلك الحسابات بالوقوف إلى جانب "الحق في ممارسة خطاب الكراهية" باعتبار أن التعبير عن كراهية أعراق بعينها؛ هو ضمن الحق في حرية التعبير.