لقطة من فيلم تجيبها كدة تجيلها كدة هي كدة وتدور أحداثه في مكتب حكومي - انتاج سنة 1983

رمضان الموظفين.. نوم ومصاحف وتناقضات درامية

هل تتخيل يوما للعمل مدته 3 ساعات أو أقل تحصل فيه على راتبك كاملاً؟.. لا داعي لأن تجهد نفسك في التخيل، فتلك الحالة ليست افتراضًا خياليًا يسعى هذا المقال لاستعراض جوانبه، بل هو واقع يستمر 29 أو ثلاثين يومًا سنويًا بحسب ما ينتج عن استطلاع هلال شوال.

ثلاث ساعات يوميًا هو الوقت المحدد للعمل خلال شهر رمضان في المكتب الحكومي الذي أعمل به. يبدأ العمل في العاشرة صباحًا، وينتهي في الواحدة ظهرًا. ورغم أن موعد العاشرة أصلاً هو موعد متاخر ساعة كاملة عن المواعيد الرسمية خارج رمضان، التي تبدأ من التاسعة وتنتهي في الثانية ظهرًا؛ فلا تتوقع أن يحضر الموظفون في العاشرة تمامًا. مما يعني عمليًا تقلُّص ساعات العمل إلى أقل من ثلاث ساعات، يقضي الموظفون جزءًا معتبرًا منها في الإمساك بالمصاحف التي تظهر فجأة خلال هذا الشهر الفضيل، وتزداد كثافة ظهورها كلما اقتربنا من نهايته.

لكن لظهور المصاحف فضل آخر غير التدبر في معاني الكتاب الكريم وجمع الحسنات، فوجودها في أيدي الموظفين وانشغالهم في قراءتهم الصامتة لها؛ يضفي على المكتب هدوءًا نادرًا ما نحظى به في باقي أيام العام، التي لا يكفون فيها عن أحاديثهم التي لا تنقطع في السياسة والنميمة. بالإضافة للحظات الهدوء المصاحبة لإرهاقهم الذي لا يسمح لهم بكثرة الكلام، أو لحظات النوم المختطفة فوق أسطح المكاتب: "ياه الواحد ملحقش ينام، يادوب ساعتين وقمت علشان أصلي الفجر حاضر".

وفي رمضان تظهر أسباب جديدة للحصول على إجازات، مثل إجازة أول يوم رمضان "لصعوبة بدء الصيام". بينما تطلب الموظفات إجازات لأسباب متنوعة منها: "عازمة بنتي و جوزها ع الفطار"، أو "معزومة عند أختي في 6 أكتوبر". ويسيطر على الأداء العام لكثير من الموظفين حالة من التوتر المكتوم، وتحذير الزملاء من أية محاولة للاستفزاز، وتظهر جمل مثل: "الواحد صايم" و"الدنيا صيام والجو حر"، بينما لا ينقطع ذكر عبارة "اللهم اني صائم" بشكل فيه تهديد أو تحذير.

وبالطبع يؤدي غياب وجبة الإفطار والشاي الصباحية إلى مزيج من الإرهاق والتوتر. كما يزداد الإقبال على أداء صلاة الظهر جماعة، وفور سماع الآذان حتي لمن كان يتكاسل في الأيام العادية. وبالطبع يزداد الوقت الذي تستغرقه الصلاة وأداء السنن المختلفة قبلها و بعدها، لتتوزع الساعات الثلاثة للعمل بين التوتر والصلاة وقراءة القرآن والنوم. ولكن في بعض الأيام النادرة نشهد أحاديثًا مكررة لا تخلو من طرافة لا تبتعد عن وصف أحوال الموظفين في الشهر الكريم.


حوارات رمضان

تتمحور أحاديث الموظفين في رمضان حول عدد ساعات الصيام الكثيرة وحرارة الجو ومكونات وجبات الفطور والسحور. وأحيانًا تدور الأحاديث حول تخوفهم من الأثر الصحي لصعوبة الصيام والعطش مع ارتفاع حرارة الجو. ولكن دائما هناك صوت الطُمأنينة الذي يأتي من موظفة تقول: "ربنا هيخلي الجو حلو في رمضان".

وهناك حديث "الطب الرمضاني" المتصل بكيفية المحافظة على الحالة الصحية في رمضان، خاصة أن عددًا كبيرًا من الموظفين يعاني من أمراض مثل السمنة والسكر. وهناك دائمًا من يتبرع للقيام بدور "الناشط الطبي" الذي يعطي النصائح والإرشادات، كما حدث في هذه المحادثة:

موظف 1: أبويا فوق السبعين وعنده القلب، وبيقولي الدكتور قال له يصوم، بس أنا مش مصدقه.

موظف 2: آه الصيام كويس للمرضى

موظف 1: بس مش للسن ده!

موظف 2 مؤكدًا: للسن ده.


بدون شاي

يشهد العمل خلال شهر رمضان غيابًا للمشروبات الساخنة التي لا تنقطع عن المكتب طوال باقي أشهر السنة. وأهمها الشاي الذي يتم عمله في المكتب باستخدام السخان الكهربائي. وفي رمضان يختفي السخان في الدولاب، وتبدأ عملية الصيانة السنوية والإحلال والتجديد للأكواب المستخدمة، بارسالها إلى المنزل حتي تعود بعد عيد الفطر.


مسيحية في المكتب

في رمضان تظهر إشكالية أخرى ترتبط بوجود موظف أو موظفة مسيحية وسط الموظفين المسلمين في رمضان، وهو ما يفرض عليها "عرفيًا" مراعاة ملابسها واستخدامها لمساحيق التجميل، حتي لا ينتقدها الزملاء والزميلات والحقيقة أن من يعانين هن الزميلات بصفة خاصة.

حيث تلجأ هذه الموظفة للتغلب على الجوع والعطش المفروضين عليها بالحضور مبكرًا لتأكل وتشرب قبل وصول الزملاء. وعلى الرغم من أن زملاءها يقولون لها: "مفيش مشكلة، كُلِي"؛ إلا أن الطريقة اليت تقال بها العبارة تحمل في طياتها رفضًا وتحذيرًا، مما يوحي بأن الجملة تقال لمجرد المجاملة، وأنها لو فعلت ذلك لتعرضت لانتقاد إن لم يكن بشكل مباشر؛ فسوف يحدث في غيابها.


مناقشات تلفزيونية

علاقة الموظفين ببرامج ومسلسلات التليفزيون هي علاقة متناقضة كأغلب الشعب المصري، فما إن يقترب رمضان وتبدأ إعلانات وتنويهات القنوات المختلفة؛ حتي يبدأ الموظفون في انتقاد القنوات والمسلسلات "التي حولت شهر العبادة إلى شهر للترفيه والمسلسلات". ولكن في نفس الوقت؛ فهؤلاء الموظفون في أغلبهم هم ممن يتابعون هذه القنوات باهتمام وشغف.

ويظهر هذا التناقض بوضوح مع برامج المقالب المنتشرة، وأشهرها البرنامج السنوي للممثل رامز جلال، حيث يبدأ الحوار باعتبار ما يقدمه "قلة أدب" و"هبوط و هيافة " ولكن مع استمرار النقاش يمكنك أن تسمع: "شوفتي لما جاب فلانة دي قعدت تشتم شتايم!"، أو "بس أنا فرحت في فلان لما عمل فيه المقلب". لتكتشف أنهم يتابعون البرنامج ويهتمون بضيوفه، ويسبونه في نفس الوقت.

وهناك أيضا من يطرح اعتراضاته الأخلاقية أو الدينية على أحد المسلسلات التي يتابعها بشغف، ويتكرر هذا مع مسلسلات مصطفى شعبان التي يراها "مثيرة للجمهور" مثل مسلسل "الزوجة الرابعة " الذي كان رأيهم فيه:

الموظف: بس مينفعش يجييوا مسلسل زي كده في رمضان

الموظفة : خلاص إحنا هنتفرج وانت انزل صلي التراويح

موظفة أخري: طلقها امبارح.

الموظف: طلق البت؟!

الموظفة: مانت بتتفرج أهو.


البحث عن هوية

وبالطبع هناك فقرة الذكريات الرمضانية عن رمضان زمان، والأجواء التي لم تعد موجودة، وعن أن: "رمضان مبقاش فيه الروح بتاعة زمان". وقد يبدأ الحوار بهذا المدخل، ثم يقود الموظفين إلى نهايات غير متوقعة.

مثلاً؛ أحد الحوارات بدأ بذكريات عن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قاريء القرآن، وعن الشيخ محمد رفعت صاحب آذان المغرب الأشهر في وجدان المصريين، ثم تحول للفوازير التي بدأتها الاذاعية آمال فهمي ليتطور على النحو التالي:

الموظفة: آمال فهمي مسيحية

الموظف: أنا مرة سمعتها في لقاء بتقول الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا شاكك في المعلومة دي .. عرفتيها منين؟

الموظفة: حد قالها ..

الموظف: مين ؟

الموظفة: حد قالها في التليفزيون

الموظف: طب ابقي اتأكديلنا من المعلومة دي

الموظفة: هاتأكد منها ازاي هاشوف بطاقتها؟

و بالطبع لا يتم مثل هذا الحوار في حالة وجود موظف مسيحي.


الخلاصة هي أن شهر رمضان يمكن اعتباره صورة مكبرة بالميكروسكوب لتناقضات الموظفين والمواطنين بشكل عام، بين قيمة العمل؛ والكسل. وبين تفضيل النوم في المكتب من أجل أداء صلاة الفجر حاضرًا،في غياب محاولات تعويض الوقت المقتطع من العمل. والتناقض بين اعتباره شهرا للعبادة أو للترفيه. بل والتناقض بين تصرفات نفس الشخص في رمضان وفي غيره، حيث يحاول للتخلص من ذنوب العام خلال أيام.