مُتَرجَم | رسالة إلى أبي: مصر في 2016

على الرغم من انكسار قلبي على مغادرتك يا أبي فأنا ممتن جًدا أنك لم تشهد الكثير من أحداث 2016. تشير كل الأشياء إلى أن عام 2017 سيشغل المحللين من كل الاتجاهات. من أجل الشعب الذي يستحق أكثر من ذلك بكثير، دعنا نأمل أن تهب رياح المنطق على القصر الرئاسي.

نشرت النسخة الإنجليزية من المقال في صحيفة ميدل إيست آي

ترجمة المنصة


عندما أنظر إلى عام 2016، أرى دمعتين تذرفان من عينيك يا أبي؛ واحدة لأنك تركتنا لتذهب إلى عالم أفضل، والأخرى لأن مصر التي عرفتها لم تعد كما كانت. البلد الذي تصورته، كصحفي وكمواطن، تبكي على نفسها.

في العام الذي بدأ بمقتل باحث إيطالي وانتهى بتفجير كنيسة ومقتل 27 شخصًا، استمر السيسي، الذي لا يعرف سوى طريقة الجيش، في سحق المصريين وإخضاعهم.

ليس هذا من قبيل المصادفة يا أبي: إذ حيثما يتحرك هذا الرجل تظهر الدماء. لقد كانت رحلة سوداء مفعمة بموجة بعد أخرى من الفشل، سواء كان فشلًا في الحكم أو الأمن أو الاقتصاد أو الصحة أو التعليم.

إذا كان هذا القارب السنوي الذي يبحر في النيل تصاحبه موسيقى تصويرية، ستكون هذه الموسيقى أغنية أم كلثوم الحزينة "للصبر حدود".

التحليق على طيران آلي

أفضل شيء نستطيع أن نستوعب به روح العام الماضي هو أن نفكر في طيّار يعتقد أن العمل على نظام طيران آلي هو كل المطلوب لإنجاح الرحلة. وبشكل أوضح، لا يقع الخطأ هنا على الطيار فقط ولكن أيضًا على كل من يعملون على الطائرة المصرية، بداية من أطقم التنظيف وحتى مساعدي الطيار.

حبيبات الرمال المتحركة عبارة عن مزيج من سوء الإدارة الاقتصادية وعدم ثقة جماعة العسكريين في كل ما هو مدني من جهة، إلى جانب السيطرة السياسية للنخب الحاكمة، وفوق كل ذلك الميل منقطع النظير للفساد وعدم القدرة على تحقيق الأمن.

ما الذي يحدث عندما تعتنق إحدى الحكومات أسوأ ما في الأوتوقراطية الإسلامية – أشير هنا إلى السلفي بداخل السيسي، هذا التيار الذي يجري في المستويات العليا من الجماعة العسكرية بالبلد، هل يقود هذا إلى دكتاتورية عسكرية؟ انظر إلى عام 2016.

بدأ العام بإرهابيين يطعنون ثلاثة سائحين في فندق بالغردقة في يناير/كانون الثاني. وجاء ذلك في أعقاب تفجير طائرة روسية قبل عدة أسابيع. كان هذا استمرارًا موحيًا لنمط العمليات الإرهابية الناجحة والإخفاق الأمني المنظم.

في خلال 75 يومًا، بداية من 30 أغسطس/آب وحتى 22 أكتوبر/تشرين الأول، شهدت القاهرة اغتيال ضابط برتبة عالية وهو العميد أركان حرب عادل رجائي، بالإضافة إلى محاولتين لاغتيال المفتي السابق علي جمعة، ومساعد النائب العام زكريا عبد العزيز، وإن فشلت المحاولتان.

تلك المحاولات، التي تبناها لواء الثورة وحركة حسم، لها دلالتها لأن هاتين الجماعتين ليستا جزءًا من حركة تنظيم الدولة الإسلامية، ولكنهما نمتا محليًا وظهرتا كرد فعل للعوامل الداخلية.

بدلًا من تقديم حل أمني، يصنع النظام المصري إرهابه الخاص. مع زيادة معدل بطالة للشباب الذي يعتبر من أعلى المعدلات في العالم، إذ يصل إلى 42%، والمسارات سياسية التي يقطع النظام عليها الطريق، وهو النظام الذي يضع قبضته الخبيثة على البرلمان، من خلال أذرعه الأمنية المتنوعة، هذا غير وجود أزمة اقتصادية غير مسبوقة، هل يمكن أن نتعجب إذن من ازدهار المنظمات الإرهابية بداخل الحدود المصرية؟

ربما أكثر الأمور إزعاجًا هي انتهاء عام 2016 بتطور كارثي، وهو تفجير كاتدرائية العباسية التي خلفت 27 قتيلًا.

إمكانية أن يضرب تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تبنّى الهجوم، هدفًا مدنيًا في قلب القاهرة في وضح النهار، لا بد أنه يقلق جميع المعسكرات السياسية، ويمكن أن ينذر بأن يكون عام 2017 مميتًا لنظام السيسي "في وقت ضعفه الأكبر" وفقًا لتصريح محللة إسرائيلية في الأسبوع الماضي.

أي شخص يقول أن مصر آمنة بشكل كبير باستثناء سيناء، حيث اندلع التمرد منذ انقلاب 2013، يعيش في سراب. وحتى في سيناء، فحمام الدماء اليومي لا يتوقف، مع الهجوم الكبير الذي قتل 12 جنديًا منذ عدة أسابيع.

اقتصاد الإنقاذ

ولكن الإخفاقات الأمنية، بينما تزعزع الاستقرار وهي مشكلة مكلفة للغاية من جهة الخسائر التي تؤدي إليها في مجال السياحة، هي عَرَض أكثر منها أساس المشكلة الوطنية نفسها.

هل تعرف يا بابا، لقد صار من الواضح في هذا العام أن الزعيم المصري مهتم بشكل أكبر بازدهار سلفيته الجديدة على حساب اهتمامه بتعقيدات الاقتصاد التي يمكن أن تخنق الاقتصاد المصري لعقود قادمة.

السيسي الذي لا يتمتع بالخبرة، والذي كان رَفَض سابقًا تكليف بالعمل كملحق عسكري بالولايات المتحدة كنتيجة لإصرار الحكومة المصرية على أن لا ترتدي زوجته الحجاب، واجه مشكلات أكثر تعقيدًا في 2016.

مع ارتفاع معدل البطالة، وزيادة التضخم، وأزمة العملة الساحقة، التي أدت لارتفاع الدولار عن السعر الرسمي بمعدل الضعف في السوق السوداء، بينما نما الاقتصاد بنسبة 4%، اتجه السيسي إلى صندوق النقد الدولي باعتباره حبل إنقاذ.

ولكن تعبير "حبل الإنقاذ"، يشير إلى أنك أقرب للموت منك للحياة، وبدلًا من أن يكون صندوق النقد بمثابة النجاة، يمكنه أن يكون الجرس الذي ينذر بحلول الموت السياسي. يؤدي خفض قيمة الجنيه، وتقليص دعم الطاقة وإقرار ضريبة القيمة المضافة، في الوقت الذي يحصل فيه الموظفون الحكوميون على مرتبات مجمدة، إلى ظهور تحدٍ هائل أمام أي نظام مستقر، فما بالك بقيادة السيسي المتعثرة.

بمصطلحات بسيطة، وفيما يتعلق بالحصول على 12 مليار من صندوق النقد – العديد منهم سيوّجه لدفع الدين الخارجي – اتخذت الأوتوقراطية المصرية خطوات في هذا العام رفعت الأسعار بالفعل لأكثر من 30%، هذا الذي يرفع احتمالية عدم الاستقرار الاجتماعي.

المستوى الذي يقدم فيه عدم الاستقرار نفسه في 2017 كنتيجة مباشرة للاتفاق سيحدد ما إذا كان يمكن لنظام السيسي أن ينجو في هذا العام. ارتفع معدل التضخم بالفعل لنسبة 19,4% في نوفمبر/تشرين الثاني، بينما قفزت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 21,5%، وكلها أرقام يمكن أن تكون بالفعل نذيرًا للثورات.

الزنّ في الآذان وكتم الأفواه

ما زاد من سواد عام 2016 هو الهجوم المستمر على حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني بشكل عام. إنها حكومة لا تريد سوى أن يتردد صدى صوتها في آذان المصريين، وانتقلت إلى السعي لكتم الأفواه الأخرى باستخدام القوانين، بل أحيانًا تتجاوز الأطر القانونية. ويصير الحوار في مصر، التي تشغل المركز الثالث على العالم في حبس الصحفيين، مجرد محض خيال.

شهد عام 2016 اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحفيين وحُكم على النقيب يحيى قلاش بالسجن لمدة عامين "للتستر على صحفيين اثنين مطلوبين". وكما قالت صحفية بالمصري اليوم للنيويوركر فالصحفيين في أغلب الأحيان هم ليسوا أكثر من "ديكور".

مع قرب نهاية العام، صاغ البرلمان مسودة قانون جديد وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه سيضع منظمات المجتمع المدني تحت رقابة الأجهزة الأمنية.

بمعنى آخر؛ حاول تحقيق تغيير سياسي أو حاول أن تنقل الأحداث من داخل مصر عام 2017، وتوقع أن تنضم إلى الصحفيين وقادة المجتمع المدني الموجودين بالفعل في السجون.

جزيرة منعزلة

لا يمكن أن تكتمل نظرتنا إلى عام 2016 بدون أن نفحص انتقال ملكية جزيرتي البحر الأحمر، تيران وصنافير، وما كشفه هذا الانتقال. أكثر من فكرة تسليم أرض مصرية، الأمر الذي يعتبر خيانة عظمى في ذاته، أظهر الانتقال شخصية السيسي الذي يتنازل بدون احترام كبير للرأي العام المصري.

بدلًا من فتح نقاش وطني عن القضية التي كان لا بد أن تفهم الحكومة أنه بإمكانها أن تؤدي لغضب عام كبير، وجد المصريون أنفسهم في مواجهة الواقع. أكثر المظاهرات الدالة أثناء حكم السيسي أعقبت التنازل عن الجزيرتين وذلك في 15 أبريل/نيسان، واستجابت الحكومة بالطريقة الوحيدة التي تعرفها، وهي سحق المعارضة عن طريق الاعتقالات قبل المظاهرات المخطط لها في 25 أبريل.

لم تنته القصة، وعلى الرغم من حكم المحكمة بأن الجزيرتين مصريتان، ربما يضيف عام 2017 فصلًا آخر إلى هذه القصة.

يعتبر تأخير تسليم الجزيرتين، بالإضافة إلى الاختلاف حول القضايا في سوريا والعراق، من ضمن العديد من العوامل التي حطمت العلاقات السعودية المصرية بالغة الأهمية، وحتى الآن، فكل المحاولات للتوسط بين البلدين باءت بالفشل، كما كتب ألان جريش في لوموند مؤخرًا.

رياح المنطق

أظهر السيسي ميولًا متناقضة بين الصدق والكذب في هذا العام، والشيء الطريف أنه أخفق في الحالتين.

عندما يؤكد رئيس دولة كبير مرتين على أنه "قعدت عشر سنين.. تلاجتي كان فيها ميه بس.. عشر سنين تلاجتي كان فيها ميّه بس". كيف يمكنه أن يفوز؟ عندما ينطق بشيء مستحيل باعتباره واقعًا وأن يقول الكذب باعتباره حقيقة، كيف يمكن أن يثق فيه الناس.

وفي المقابل أدى تصريح السيسي ببعض الحقائق لأزمة أكبر، إذ وصف مؤخرًا الشرطة المصرية باعتبارها "مافيا مكونة من مليون شخص" وذلك أثناء حديثه لمسؤول في وزارة الداخلية الأمريكية. أن تسمع الرئيس وهو يعترف بأنه لا يستطيع السيطرة على الشرطة نفسها التي تتحمل اللوم الأكبر في سقوط مبارك هو أمر مزعج للغاية – هذا التعبير الذي اُستخدِم مرارًا في العام الذي ينقضي.

على الرغم من انكسار قلبي على مغادرتك يا أبي فأنا ممتن جًدا أنك لم تشهد الكثير من أحداث 2016. تشير كل الأشياء إلى أن عام 2017 سيشغل المحللين من كل الاتجاهات. من أجل الشعب الذي يستحق أكثر من ذلك بكثير، دعنا نأمل أن تهب رياح المنطق على القصر الرئاسي، أو على أي مكان ينام فيه السيسي هذه الأيام.