إبراهيم عيسى

إبراهيم عيسى.. هل يسقط "لاعب الترابيز" عن حبال السياسة والصحافة؟

بمقاييس العقل والمهنة أوتي إبراهيم عيسى من المهارات، ما أثبت به على مدار عقدين وأكثر، تمكّنه من ممارسة الصحافة، بأداء لاعب ترابيز هو الأمهر بين أقرانه في التمكن من اللعبة.

على مسرح فسيح، جلس الإعلامي إبراهيم عيسى، أواخر أكتوبر/ تشرين أول 2016، بين رجال الدولة وأصحاب الحظوة الثقات، لحضور "المؤتمر الوطني الأول للشباب". ترددت أصداء ضحكاته وهو يمازح النقيب الأسبق للصحفيين، بينما تنضح نبرات صوته بالثقة والفخر، وهو يعدد أمام رأس الدولة، ما حصل عليه من جوائز.


في ذلك الوقت، لم يظهر ثمّة ما يُنذر بأن بداية العام الجديد ستشهد فراقًا مفاجئًا بينه وبين قناة "القاهرة والناس"، بتوقف برنامج "مع إبراهيم عيسى". هذا التوقف الذي أعلنت إدارة القناة له سببًا دبلوماسيًا، بادعائها أنه كان بناءً على طلب الإعلامي، "كي يتفرغ لمشروعاته الكتابية والإبداعية".

قبل وبعد بيان القناة، ذهب المتابعون في تأويل أسباب الانفصال كل مذهب، فألمح البعض إلى تدخل "جهات عليا" بعينها، بينما اختار مطّلعون على بواطن الأمور، كالبرلماني أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق، أن ينفي تمامًا أي تدخل من أجهزة الدولة، مبررًا توقف البرنامج بـ"شعور طارق نور بوجود أزمات، [قد] تنتج عن استمرار البرنامج".


أما الإعلامي نفسه، فصدّم الجميع بأسباب مخالفة صراحة لبيان القناة، لكن دونما تجريح، بقوله في بيان مقابل: إن برنامجه تعرض لـ"أعباء وأنواء" وأحيط بـ"ضغوط". وأنه "كما ساهم في اتساع عقول، تسبب كذلك في ضيق صدور"، تاركًا التأويل للجمهور، الذي رأى "عيسى" محتفيًا بمالك القناة، في العرض الخاص لفيلمه "مولانا".

مع مالك قناة القاهرة والناس، بعد أيام من إعلان توقف برنامجه عليها- المصدر: صفحة فيلم مولانا

قفزات "الدستور"

بمقاييس جسمانية، لا يمكن للإعلامي المولود في نوفمبر/ تشرين ثان للعام 1965، أن يؤتى مهارات لعبة الترابيز، من سير على حبال وقفز في الهواء مع التعلق بحلقات ضيقة صغيرة، ثقة في نجاة تضمنها المهارة والممارسة. لكن بمقاييس العقل والمهنة؛ أوتي عيسى من المهارات، ما أثبت به على مدار عقدين وأكثر، تمكّنه من ممارسة الصحافة بأداء لاعب ترابيز هو الأمهر- إن لم يكن الوحيد- بين أقرانه في التمكن من اللعبة.

هي مهارة حازها؛ فجعلت إنتاجه دائمًا مبهرًا للجمهور، ويتحلى بجماليات مهنية، مكنته من الانتقال بثبات -وفي ظرف 8 أعوام- من موقعه كصحفي في مجلة روز اليوسف، التي التحق بها عقب تخرجه من كلية الإعلام عام 1987، ليصبح أصغر رئيس تحرير صحيفة مصرية ذات ملكية خاصة: "الدستور". وكانت تلك القفزة المنطوية على مخاطرة ترك العمل الحكومي المضمون إلى غياهب مجهول القطاع الخاص، أولى القفزات الماهرة للصحفي الموهوب، ومتى؟ في منتصف عهد مبارك.

بعد وداع "الدستور" ورحيل "آل مبارك" عن حكم مصر، أطل "عيسى" على جمهوره، من "التحرير"، اسم الميدان المدغدغ لقلوب "الينايرجية"، والذي صار اسمًا لنافذتي "عيسى" الجديدتين.

نفذ عيسى قفزته المهمة بعيدًا مطبوعات الدولة، وصار رئيسًا للتحرير، ابتعد بهيئته- الممُيزة للغاية- عن الحُلل الرسمية التي وسمت نظرائه في الصحف الحكومية. فملابسه "كاجوال"، أكثر ما يُميزها "الحمالات". وبذات القدر، ابتعدت مطبوعته في سياستها التحريرية عن الحكومية. فتحقق لهما- الصحيفة ورئيس تحريرها- الانتشار بين المواطنين، في عهد كانت وسائل الإعلام إما حزبية تصارع ماديًا من أجل البقاء، أو حكومية لا تزال على عهدها في التسبيح بقدسية النظام لعقود تلت ثورة 1952.

لن يعجز دقيقو الملاحظة، إذا ما نظروا لسيرة عيسى منذ كانت "الدستور" وليدة، عن رؤية مهاراته الأكروباتية. فالصحيفة صدرت بترخيص قبرصي تغلبًا على قيود إستصدار تراخيص الصحف، التي تقبض عليها الدولة عبر المجلس الأعلى للصحافة، وتتناول موضوعاتها رجال الحزب الوطني والحكومة، بل وعائلة الرئيس؛ فرأى فيها العامة متنفسًا لما يرددونه همسًا خلف الأبواب المغلقة، حتى كانت قفزة عيسى غير المحسوبة عام 1998، بنشره بيان للجماعة الإسلامية، وجدته الدولة ذريعة لا بأس بها لإغلاق الصحيفة، التي صدرت من جديد عام 2004.

كرر "عيسى" قفزاته الهوائية، التي كانت أحيانًا غير محسوبة، فقفز في مرّة بسلاسة حين أوكل مهام إقامة بنيان صحيفته إلى شباب صاروا مشاهيرًا فيما بعد، مثل محمد الدسوقي رشدي وبلال فضل وعمرو سليم، وقفز في أخرى بمجازفة حين أقدم على نشر مقال لـ"المغضوب عليه" من النظام حينذاك عام 2010- كما الآن- محمد البرادعي، فأقصاه رجل الأعمال ورئيس حزب الوفد السيد البدوي - مالك الصحيفة الجديد حينها- عن كرسي رئاسة التحرير.

إبراهيم عيسى ومحمد البرادعي مشاركان في ثورة 25 يناير- المصدر : صحيفة التحرير

لكن أخطر القفزات، ربما كانت تلك التي اتخذها عيسى عام 2007، بنشر أخبار عن صحة ابن محافظته- المنوفية- الرئيس الأسبق مبارك، رأتها أجهزة الأمن "كاذبة"، فحكم ضده في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه بالسجن سنة، تقلصت إلى شهرين في إعادة المحاكمة بعد عام، وانتهت بعد تسليم "عيسى" نفسه للسلطات، إلى عفو رئاسي عنه.

تصافح الغريمان السابقان "عيسى" و"مبارك"، كما كشف المحامي فريد الديب، الذي أثلجت صدره شهادة، كانت بين عوامل كتابة البراءة ككلمة نهاية للقضية.

وكانت مكافأة اللاعب الماهر مجزية مهنيًا، بحصوله في العام نفسه- 2008- على جائزة جبران تويني: "شهادة بالتزامه بحرية الصحافة، وشجاعته وقيادته وطموحه، وتمتعه بالمعايير الإدارية والاحترافية العالية".

حبال يناير

إبراهيم عيسى في ميدان التحرير - يوتيوب

توالت قفزات عيسى المبهرة لمتابعيه، والأهم أنها كانت دائمًا جديدة ومواكبة للتطورات. فبعد وداع "الدستور" ورحيل "آل مبارك" عن حكم مصر، أطل "عيسى" على جمهوره، من "التحرير"، اسم الميدان المدغدغ لقلوب "الينايرجية"، والذي صار اسمًا لنافذتي "عيسى" الجديدتين: صحيفة رأس تحريرها؛ وقناة ملك نصيبًا من أسهمها، وقدم فيها برنامجًا منسجمًا مع حقبة 25 يناير بزخمها الثوري، حتى في رمزية اسم البرنامج: "في الميدان".

وانتهت القفزة إلى مغادرته الصحيفة، وكذلك القناة، حتى على مستوى الملكية، إذ آلت حصة "عيسى" فيها لرجل أعمال، ثم آلت أغلب الملكية بعد قليل لرجل أعمال آخر هو سليمان عامر، المقرب من النظام السابق، ورأسه حسني مبارك.

وظلت صورة عيسى منطبعة في أذهان المصريين، باعتباره المعارض الأجرأ لمبارك حتى في أوج عنفوان نظام هذا الأخير، إلى أن كان عيسى نفسه من منقذي مبارك، حين قفز بعيدًا عن حبال الثورة في يوم 4 فبراير/ شباط 2014: ففي حين كانت المشاعر مرتبكة بين أجواء الذكرى الثالثة للـ18 يومًا، التي انتهت بإقصاء مبارك عن عرشه؛ وبين محاولة فهم وتجاوز مواجهات مُسلحة وقتلى بالمئات يتساقطون منذ 30 يونيو/ حزيران 2013؛ فوجئ الجميع بالإعلامي المعارض لمبارك سابقًا، يستهل برنامجه بالدفاع عن شهادته في "محاكمة القرن".


الحكاية ببساطة هي أن إبراهيم عيسى، الذي أفاد في أقواله أمام نيابة استئناف القاهرة، في 2 مارس/ آذار 2011، بأنه رأى يوم 28 يناير "جمعة الغضب"، اعتداءات من قوات العمليات الخاصة الشُرَطية بـ"الرصاص الحي"، على المتظاهرين السلميين الذين وصفهم بـ"شباب واعٍ ومثقف"، عاد خلال جلسة انعقدت عام 2014 في إطار المحاكمة، ليقول في شهادته عن اليوم نفسه نصًا: إنه لم ير إطلاق الشرطة للأعيرة النارية، وفقط؛ سمع عن وقائع إصابات وقتل، لم يتأكد من حقيقتها.

"بالقطع لم يوجه جهاز الشرطة إلى قتل المتظاهرين، لأنني لم أتصور [من] رئيس مصري وطني أن يفعل ذلك أبدًا". هكذا قال إبراهيم عيسى في ذلك اليوم عن "مبارك".

يومها، وفي قلب المحكمة، تصافح الغريمان السابقان "عيسى" و"مبارك"، كما كشف المحامي فريد الديب، الذي أثلجت صدره شهادة عيسى التي كانت بين أسانيد كتابة البراءة ككلمة نهاية للقضية، والتي كانت كذلك سببًا في هجوم صاحبها، الإعلامي، على منتقدي "تغيير أقواله"، عبر برنامجه ذي العنوان المُربك سياسيًا "25/ 30".

ملك إبراهيم عيسى، بفضل خِفّة قفزات الترابيز، مهارة التعامل مع الحبال المختلفة أيديولوجيًا وسياسيًا، فتعددت منصّاته المتباينة.

وعبر "25/ 30"، نفذ لاعب الترابيز الصحفي، في العام نفسه 2014، قفزته الكبرى بعيدًا عن قطاع ثوري آخر، حين عاب على نشطاء سياسيين- خص منهم بالذكر اليساريين- الاصطفاف في معسكر معارض للمشير عبد الفتاح السيسي، رجل 30 يونيو الأول، قبل إعلان الأخير اعتزامه التقدم باستقالته كوزير للدفاع والترشح للرئاسة. إذ انفعل عيسى على النشطاء الذين يشاركون في فعاليات احتجاجية، ووصفهم بـ"الأغبياء والمغفلين ومطية الإخوان وركوبة الإرهابيين".


أخوية 30 يونيو

رغم نجاح عيسى لشهور طويلة في الاستمرار في القناة التي يملكها طارق نور، مهندس الحملتين الانتخابيتين لمبارك 2005 والسيسي 2014، وكونه لم يحجم خلال تلك الشهور عن "معارضته" التي ظنها مُدارة جيدًا لرأس النظام؛ إلا أن استبعاد عيسى المفاجئ جاء رغم هذا النجاح "المُدار"، ما مثَّل ناقوس خطر لزملائه من "أبناء 30 يونيو".


كيف يفعلها عيسى؟ السر هنا يعود للنقطة نفسها، مهارة محترفي الترابيز، التي لم تفارقه؛ ومكنته على مدار أعوام طوال، ليس فقط من الاستمرار على الساحة، وهو أمرٌ صعب في ظل التضييقات الأمنية والسياسية.. ريم ماجد التي شاركها تقديم برنامج بلدنا بالمصري، ومحمود سعد شريكه في برنامج الميدان" مثالين واضحين على تمتع عيسى بمهارة تفوق أقرانه، مكنته كذلك من النجاح في خلق مشاريع صحفية غير مسبوقة، وآخرها "المقال"- 2015، أول صحيفة متخصصة في الرأي فقط.

إقرأ أيضًا.. مُحَدّث| ليليان داوود: لن أتوانى عن أي مسعى قانوني أو دبلوماسي للعودة إلى مصر

ابراهيم عيسى على شاشة القاهرة والناس  - يوتيوب

ملك إبراهيم عيسى، بفضل خِفّة قفزات الترابيز، مهارة التعامل مع الحبال المختلفة أيديولوجيًا وسياسيًا، فتعددت منصّاته المتباينة، سواء قبل وأثناء الثورة، متنقلاً من قناة عربية مكروهة من النظام المصري "الجزيرة"، وأخرى كانت مهادنة لنظام مبارك "دريم". إلى قناتين مهادنتين للمجلس العسكري، ومعارضتين لجماعة الإخوان، وداعمتين لـ30 يونيو، هما "أون تي في"، و"القاهرة والناس".


لكن، لا تخلو القفزات- على مهارة صاحبها- من مخاطرة وشيء من خسارة. فقبل 8 أعوام، كاد "عيسى" أن يُسجَن، وهو ما كان ليلاقيه إبّان حكم الإخوان، حين تقدمت ضده بلاغات تجاوزت الـ120 بلاغًا، لم تثنيه عن موقفه المناهض لهم، والذي استمر حتى بعد عزلهم- الذي احتفل به على الهواء-. إذ اتهمهم في شهادته سالفة الذكر، عام 2014، بأنهم "الطرف الثالث، المسؤول عن أحداث العنف إبّان الثورة".

معارضة اتفاقية "تيران وصنافير" في أحد أعداد صحيفة "المقال"

وحدث بالفعل أن أضير القافز الماهر على ترابيز الصحافة، في مشاريع قليلة، وبخسائر محتملة، كحظر مؤقت لمشاريعه الأدبية- الأقل شهرة من الصحفية- مثل رواية "مقتل الرجل الكبير"، أو وقف أكثر من برنامج له، كان منهم "الـboss" بسبب انتقاد المملكة العربية السعودية، وأخيرًا "مع إبراهيم عيسى" على "القاهرة والناس".

لكن القارئ الجيد لمسيرة إبراهيم عيسى، يُدرك أن لاعب الترابيز-كعادته- سيفاجئ الجمهور بأنه لايزال قادرًا على تقديم عروضٍ جديدة مدهشة، فالمهارة باقية رغم قرارات الحظر والوقف، وتضمن له حبالاً تمتد متينة في الهواء.