چون: فصل من رواية "عاصفة السيوف"

لم يبدُ ملك ما وراء الجِدار كالملوك على الإطلاق، ولا كهمجي لهذه الدَّرجة حتى، مجرَّد رجلٍ متوسِّط الطُّول ناحل القوام حاد الملامح، عيناه بنِّيَّتان ثاقبتان وشَعره طويل بنِّي حالَ أغلبه إلى الشَّيب، لا يعتمر تاجًا ولا تُحيط الحلقات الذَّهبيَّة بذراعيه أو الجواهر بعُنقه.

كان العالم ظُلمةً رماديَّةً تعبق بروائح الصَّنوبر والطَّحالب والبرد، وخيوط الضَّباب الشَّاحبة الرَّقيقة تتصاعَد من الأرض السَّوداء، بينما يشقُّ الرَّاكبون طريقهم وسط الحجارة المتناثرة والأشجار الضَّامرة، نحو بؤر النَّار الحَفِيَّة الموزَّعة في قاع وادي النَّهر أسفلهم، بؤر نارٍ أكثر مما يستطيع چون سنو أن يُحصيها، مئات منها، آلاف، نهر ثانٍ من الأضواء المتذبذِبة بطول ضفَّتي (النَّهر اللَّبني) الأبيض بياض الجليد.

وبلا إرادةٍ منه انفتحَت أصابع يده حاملة السَّيف وانغلقَت.

نزلوا الأُخدود بلا أبواقٍ أو رايات، لا يقطع الصَّمت إلَّا خرير مياه النَّهر الآتي من بعيد، ووقع حوافر الخيول، وطقطقة العظام في دِرع ذي القميص المُخشخِش إذ تحتكُّ ببعضها بعضًا. في مكانٍ ما أعلاهم حلَّق نسر بجناحين كبيرين يمتزج فيهما الأزرق والرَّمادي، وفي الأسفل سارَ البَشر والكلاب والخيول وذئب رهيب أبيض واحد.

ضربَ أحد الحوافر العابرة حجرًا فأسقطَه متواثبًا على المنحدَر، ورأى چون جوست يُدير رأسه إثر الصَّوت المفاجئ. كعادته تبعَ الذِّئب الرَّاكبين من مسافةٍ لا بأس بها طول النَّهار، لكن حين ارتفعَ القمر فوق أشجار الصَّنوبر الجُندي، أسرعَ يقترب والوهج في عينيه الحمراوين، فحيَّته كلاب ذي القميص المُخشخِش بجوقةٍ من الزَّمجرة والزَّوم والنِّباح العنيف -كما يَحدُث دائمًا- إلَّا أن الذِّئب الرَّهيب لم يُعِرها انتباهًا. قبل ستَّة أيامٍ هاجَمه أكبر كلاب الصَّيد حجمًا من الخلف فيما خيَّم الهَمج ليلًا، لكن جوست دارَ وانقضَّ، ولم يلبث الكلب أن فَرَّ منه بفخذٍ دامية، وبَعدها حافظَت بقيَّة كلاب القطيع على مسافةٍ مأمونة بينها وبينه.

اقرأ أيضًا: صراع العروش | العدو قادم من شمال الشمال

صهلَ حصان چون سنو الصَّغير بخفوت، لكن سرعان ما هدَّأته لمسة وكلمة رقيقة، وتمنَّى چون لو أن مخاوفه هو من الممكن أن تهدأ بهذا اليُسر. كان يرتدي الأسود بالكامل، أسود حَرس اللَّيل، لكنه في المنتصَف، ومن أمامه وخلفه الأعداء. هَمج، وأنا معهم. ارتدَت إيجريت معطف كورين ذي النِّصف يد، ولاينل قميصه المعدني، والزَّوجة الحربة[1] الكبيرة راجوايل قُفَّازيه، وأحد الرُّماة حذاءه، أمَّا خوذته ففازَ بها القصير القبيح المسمَّى رايك ذو الحربة الطَّويلة، لكنها لم تُلائِم رأسه الضيِّق، فأعطاها لإيجريت هي الأخرى، بينما وضعَ ذو القميص المُخشخِش عظام كورين في جرابه، بالإضافة إلى رأسٍ دامٍ اعتادَ أن يستقرَّ على كتفَيْ إبِن، الذي كان قد خرجَ مع چون لاستطلاع (الممر الصَّادح). كلهم ماتوا، كلهم إلَّاي، والعالم يحسبني في عداد الموتى.

كانت إيجريت تتحرَّك وراءه مباشرةً، بينما يركب رايك ذو الحربة الطَّويلة أمامه، وقد عيَّن سيِّد العظام كليهما لحراسته، ولمَّا تحرَّكوا قال لهما محذِّرًا وهو يبتسم من وراء الأسنان المعوجَّة في جمجمة العملاق التي يرتديها كخوذة: «إذا طارَ الغُراب سأسلخُ اللحم من على عظامكما أيضًا».

صاحَت إيجريت فيه ساخرةً: «هل تُريد أن تَحرُسه بنفسك؟ إذا أردتنا إن نَحرُسه، فدعنا وشأننا وسنفعل».

فكَّر چون: إنهم شعب من الأحرار حقًّا. قد يكون ذو القميص المُخشخِش قائدهم، لكن لا أحد منهم يستحيي من الرَّدِّ عليه نِدًّا لنِد.

ثبَّت عليه قائد الهَمج نظراته العدائيَّة، وقال: «ربما نجحت في خداع هؤلاء الآخَرين أيها الغُراب، لكن إياك أن تحسب أنك ستخدع مانس. سيُلقي نظرةً واحدةً عليك ويعرف أنك محتال، وعندها سأصنعُ لنفسي معطفًا من فروة ذئبك، وأفتحُ بطنك الطَّري هذا وأخيِّطُ ابن عرسٍ في داخله».

فتحَ چون يده حاملة السَّيف وأغلقها ليثني أصابعه المحروقة تحت قُفَّازه، لكن رايك ذا الحربة الطَّويلة اكتفى بالضَّحك، وقال: «وأين ستجد ابن عرسٍ وسط الثُّلوج؟».

في تلك اللَّيلة الأولى، وبَعد نهارٍ طويل على متون الخيول، خيَّموا في حوضٍ حجريٍّ قليل العُمق على قمَّة جبلٍ بلا اسم، وتجمَّعوا بالقُرب من النَّار وقد بدأ الثَّلج يتساقَط. شاهدَ چون الرَّقائق تذوب إذ تدنو من اللَّهب، وعلى الرغم من طبقات الصُّوف والفرو والجِلد التي يرتديها، أحسَّ بالبرد ينخر عظامه. جلسَت إيجريت إلى جواره بَعد أن أكلَت، وقد رفعَت قلنسوتها ودسَّت يديها داخل كُمَّيها طلبًا للدِّفء، وقالت: «عندما يعرف مانس أنك قتلت ذا النِّصف يد، سيأخذك في الحال».

- «يأخذني باعتباري ماذا؟».

ضحكَت الفتاة بتهكُّم، وأجابَت: «باعتبارك واحدًا منا. أتحسب أنك أول غُرابٍ يُحَلِّق إلينا من فوق (الجِدار)؟ كلكم تتوقون في قلوبكم إلى الطَّيران بحُرِّيَّة».

قال ببُطء: «وعندما أصبحُ حُرًّا، هل ستكون لي الحُرِّيَّة في الذَّهاب؟».

ردَّت بابتسامةٍ لم تُنقِص أسنانها المعوجَّة شيئًا من دفئها: «بالتَّأكيد، وستكون لنا الحُرِّيَّة في قتلك. الحُرِّيَّة شيء خطير، لكن أغلب النَّاس يستسيغون مذاقها»، ووضعَت يدها المكسوَّة بقُفَّازٍ على ساقه، فوق رُكبته مباشرةً، وأضافَت: «سترى».

قال چون لنفسه: نعم، سأرى، وأسمعُ وأفهمُ، وعندما أنتهي سأعودُ إلى (الجِدار) حاملًا الأنباء. الآن يعدُّه الهَمج حانثًا بقَسمه، لكنه في قرارة نفسه لا يزال رجلًا من حَرس اللَّيل، يُؤَدِّي آخِر واجبٍ وضعَه كورين ذو النِّصف يد على عاتقه... قبل أن أقتُله.

عند سفح المنحدَر قابَلوا نُهيرًا صغيرًا يتدفَّق من التِّلال لتمتزج مياهه بمياه (النَّهر اللَّبني). بدا لهم كأنه يتكوَّن بالكامل من الحجارة والزُّجاج، وإن سمعوا صوت الماء الجاري تحت السَّطح المتجمِّد، وقادَهم ذو القميص المُخشخِش عبره محطِّمًا قشرة الجليد الرَّقيقة.

أحاطَ كشَّافة مانس رايدر بهم بمجرَّد أن خرجوا إلى الضِّفَّة الأخرى، وبنظرةٍ قيَّمهم چون. ثمانية خيَّالة، رجال ونساء، يرتدون الفرو والجِلد المقوَّى بالزَّيت المغلي، ويضع بعضهم خوذةً أو قميصًا من المعدن، وجميعهم مسلَّحون بالحِراب أو الرِّماح المقوَّاة بالنَّار، باستثناء قائدهم الأشقر اللَّحيم ذي العينين الدَّامعتين، الذي حملَ منجلًا مقوَّسًا كبيرًا من الفولاذ المشحوذ. أدركَ چون في الحال أنه البكَّاء الذي يتناقَل الإخوة السُّود عنه الحكايات، فهو هجَّام معروف على غرار ذي المقيص المُخشخِش وهارما رأس الكلب وألفين قاتِل الغِربان.

قال البكَّاء حالما رآهم: «سيِّد العظام»، ورمقَ چون وذئبه متسائلًا: «مَن هذا؟».

رَدَّ ذو القميص المُخشخِش، الذي يُفَضِّل أن يُدعى بسيِّد العظام للصَّوت الذي تُصدِره دِرعه: «غُراب مارِق. كان يخشى أن آخذ عظامه كما فعلتُ مع ذي النِّصف يد»، ورفعَ جوال الغنائم أمام بقيَّة الهَمج ورَجَّه.

قال رايك ذو الحربة الطَّويلة: «لقد قتلَ كورين ذا النِّصف يد، هو وذئبه هذا».

أضافَ ذو القميص المُخشخِش: «وقتلَ أورل أيضًا».

تدخَّلت الزَّوجة الحربة الكبيرة راجوايل قائلةً: «الصَّبي وارْج[2]، أو أقرب إلى واحد. ذئبه قضمَ قطعةً من ساق ذي النِّصف يد».

رمقَ البكَّاء چون بنظرةٍ أخرى من عينيه الحمراوين الرَّاشحتين، وقال: «أحقًّا؟ نعم، يبدو لي أن له سيماء الذِّئاب الآن وأنا أنظرُ إليه من كثب. خُذوه إلى مانس ولربما يُبقي عليه»، ودارَ بحصانه وهرولَ مبتعدًا يتبعه خيَّالته مسرعين.

كانت الرِّيح تهبُّ بقوَّةٍ وترميهم بقطرات الماء وهُم يَعبُرون وادي (النَّهر اللَّبني) ويقطعون المخيَّم في طابور. ظَلَّ جوست على مقربةٍ من چون، لكن رائحته سبقَته كالنَّذير، وسرعان ما أحاطَت بهم كلاب الهَمج من كلِّ الجهات، تنبح وتُزَمجِر. صرخَ لاينل فيها أن تهدأ، لكنها لم تستجِب له على الإطلاق، فقال رايك لچون: «إنها لا تُحِبُّ حيوانك هذا».

قال چون: «هي كلاب وهو ذئب. إنها تعرف أنه ليس منها». تمامًا كما أني لستُ منكم. لكن عليه أن ينتبه إلى واجبه، إلى المهمَّة التي كلَّفه بها كورين ذو النِّصف يد وهما جالسان معًا عند النَّار للمرَّة الأخيرة؛ أن يلعب دور المارِق ويكتشف ما يبحث عنه الهَمج في براري (أنياب الصَّقيع) الجرداء الباردة. إنها «قوَّة ما» كما قال كورين للدُّب العجوز، لكنه ماتَ قبل أن يعرف كنهها، أو إن كان مانس رايدر قد عثرَ عليها مع كلِّ هذا الحَفر في الجليد.

كانت بؤر نار الطَّهي مشتعلةً بطول النَّهر، وسط العربات المجرورة والمدفوعة والمِزلجات، وقد نصبَ كثير من الهَمج خيامًا من الصُّوف المبطَّن وجلود الحيوانات وفروها، وأوى آخَرون وراء الصُّخور تحت سقوفٍ بدائيَّة أو ناموا تحت عرباتهم. رأى چون عند واحدةٍ من بؤر النَّار رجلًا يُقَوِّي رؤوس حِرابٍ خشبيَّةٍ طويلة ويُلقيها في كومة، وفي بُقعةٍ أخرى كان شابَّان ملتحيان يرتديان الجِلد المقوَّى يتبارَزان بالعِصِي، يثب كلاهما نحو الثَّاني فوق اللَّهب ويئنُّ عندما تُصيبه ضربة، بينما جلسَت دستة من النِّساء قريبًا منهما وعكفن على تثبيت الرِّيش في السِّهام.

سهام لإخوتي، سهام لقوم أبي، لأهل (وينترفل) و(ربوة الغابة) و(المستوقَد الأخير)، سهام للشَّمال.

غير أن تجهيزات الحرب لم تكن كلَّ ما رآه، إذ رأى أيضًا نسوةً يَرقُصن، وسمعَ رضيعًا يبكي، وأمام حصانه جرى ولد صغير تدثَّر بالفرو وتقطَّعت أنفاسه من اللَّعب، فيما جالَت الخراف والماعز بحُرِّيَّة، وتهادَت الثِّيران على ضفَّة النَّهر بحثًا عن العُشب، وتناهَت إلى أنفه رائحة الضَّأن المشوي من إحدى بؤر النَّار، وعند أخرى أبصرَ خنزيرًا برِّيًّا يدور على سيخٍ خشبي.

في مساحةٍ مفتوحة تُحيط بها أشجار الصَّنوبر الجُندي الخضراء الطَّويلة ترجَّل ذو القميص المُخشخِش، وقال لراجوايل ولاينل والآخَرين: «سنُخَيِّم هنا. أطعِموا الخيول ثم الكلاب ثم أنفسكم. إيجريت وذو الحربة الطَّويلة، خُذا الغُراب إلى مانس ليُلقي عليه نظرةً، وبَعدها سنَبقُر بطنه».

هكذا قطعوا بقيَّة الطَّريق سيرًا وسط المزيد من بؤر النَّار والخيام، وجوست في أعقابهم.

لم يرَ چون كلَّ هذا العدد من الهَمج قَطُّ، وتساءلَ إن كان قد سبقَ أن رآه أحد. المعسكَر يمتدُّ بلا نهاية، لكنها مئة معسكَر لا واحد، وكلٌّ منها أضعف دفاعًا من الآخَر. لم تكن للهَمج دفاعات تُذكَر مع امتداد المعسكَر فراسخ طويلة، لا حُفر أو خوازيق حادَّة، والكشَّافة يتكوَّنون من مجموعاتٍ صغيرة يطوف كلٌّ منها في محيطه فقط. ببساطةٍ توقَّفت كلُّ مجموعةٍ أو قبيلةٍ أو قريةٍ حيث أرادَت فور أن رأت غيرها يتوقَّف أو وجدَت مطرحًا لا بأس به. شعب الأحرار. إذا باغتَهم إخوته في فوضاهم هذه، فسيدفع عديدون منهم ثَمن هذه الحُرِّيَّة من دمه. إن أعدادهم أكبر، لكن رجال حَرس اللَّيل يمتازون بالانضباط، وفي المعارك يهزم الانضباط الأعداد تسع مرَّاتٍ من كلِّ عشر كما علَّمه أبوه ذات مرَّة.

لم يكن هناك سبيل لأن يُخطئ تعرُّف خيمة الملك، فهي أكبر ثلاث مرَّاتٍ من أكبر خيمةٍ رآها، كما أنه سمعَ أنغام الموسيقى تتسلَّل من الدَّاخل. ككثيرٍ من الخيام الأصغر، كانت مصنوعةً من جلود الحيوانات وفروها، مع فارق أن الفرو في خيمة مانس رايدر هو فرو دِببة الثَّلج الأبيض الأشعث، وقد تُوِّجَ السَّقف المثلَّث بمجموعةٍ ضخمةٍ من قرون الإلكة العملاقة، التي كانت تجوب (الممالك السَّبع) كلها ذات يوم، في زمن البَشر الأوائل.

على الأقل ثمَّة شيء من الدِّفاعات هنا، حارسان يقفان عند سديلة باب الخيمة متَّكئيْن على حربتين طويلتين، وقد ثبَّت كلٌّ منهما تُرسًا مستديرًا من الجِلد على ذراعه. عندما لمحا جوست، خفضَ أحدهما رأس حربته قائلًا: «الحيوان سيظلُّ هنا».

قال چون آمرًا: «جوست، ابقَ هنا»، فجلسَ الذِّئب الرَّهيب.

قال ذو القميص المُخشخِش: «ذو الحربة الطَّويلة، راقِب الحيوان»، ثم رفعَ سديلة الباب وأشارَ لچون وإيجريت بالدُّخول.

كانت الخيمة حارَّةً مفعمةً بالدُّخان من الدَّاخل، وقد استقرَّت سلال من الفحم المحترق في الأركان الأربعة مالئةً الهواء بضوءٍ خافتٍ ضارب إلى الحُمرة، بينما افترشَ مزيد من الجلود الأرض. شعرَ چون بأنه وحيد تمامًا وهو يقف هناك مرتديًا الأسود ومنتظرًا رضا المرتدِّ الذي يدعو نفسه بملك ما وراء الجِدار. حين تكيَّفت عيناه على العتمة الحمراء الدَّاخنة، رأى ستَّة أشخاصٍ لم يُعِره أيهم أدنى انتباه، منهم شاب أسمر وحسناء شقراء يتقاسَمان قرنًا من البِتع[3]، وامرأة حامل واقفة عند المستوقَد تَطبُخ زوجين من الدَّجاج، بينما يجلس رجل أشيب في معطفٍ رَثٍّ من الأسود والأحمر مربِّعًا ساقيه على وسادة، يعزف على العود ويُغَنِّي:

كانت زوجة الدورني بهيَّةً كما الشَّمس

وقُبلاتها أدفأ من الرَّبيع

لكن شَفرة الدورني من الفولاذ الأسود

وقُبلتها شيء شنيع

عرفَ چون الأغنيَّة، على الرغم من غرابة سماعها ها هنا، في خيمةٍ متواضعةٍ من الجلود وراء (الجِدار)، على بُعد عشرة آلاف فرسخٍ من جبال (دورن) الحمراء ورياحها الدَّافئة.

خلعَ ذو القميص المُخشخِش خوذته المصفرَّة ريثما انتظرَ انتهاء الأغنيَّة، وبدا تحت دِرعه المصنوعة من الجِلد والعظم رجلًا صغير الحجم، والوجه الذي توارى وراء جمجمة العملاق كان عاديًّا؛ ذقن بارزة وشارب رفيع، ووجنتان شاحبتان غائصتان، وعينان متقاربتان وحاجبان منعقدان يمتدَّان كأنهما حاجب واحد عبر جبهته، بينما ينحسِر الشَّعر الدَّاكن بحدَّةٍ عند منتصف رأسه.

كانت زوجة الدورني تُغَنِّي وهي تستحمُّ

بصوتٍ بحلاوة الدُّرَّاق

لكن لشَفرة الدورني أغنيتها

وعضَّتها باردة قاسية كالعَلق

على كرسيٍّ إلى جوار المستوقَد جلسَ رجل قصير القامة لكن عريض الصَّدر للغاية يلتهم دجاجةً من على سيخ، ويسيل الدُّهن السَّاخن على ذقنه ويتخلَّل لحيته البيضاء كالثَّلج، وإن لاحَت على وجهه ابتسامة سعيدة، وقد أحاطَت بذراعيه الضَّخمتين حلقات ذهبيَّة منقوشة عليها حروف أبجديَّةٍ قديمة، وارتدى قميصًا ثقيلًا من الحلقات المعدنيَّة السَّوداء لا يُمكن أن يكون قد أتى إلَّا من جوَّالٍ ميت. على بُعد بضعة أقدام وقف رجل أطول وأنحف في قميصٍ جِلدي مخيَّطة به أقراص من البرونز، يُحَدِّق مقطِّبًا إلى خريطة، وعلى ظَهره في غمدٍ من الجِلد سيف عظيم يُحمَل باليدين. كان منتصِب القامة كالحربة وبارز العضلات والأوتار، وجهه حليق ورأسه أصلع، وأنفه قويٌّ مستقيم وعيناه غائرتان، وكان من الممكن أن تصفه بالوسامة لو أن له أُذنين، لكنه فقدَ الاثنتين في مرحلةٍ ما، ولم يدرِ چون إن كان السَّبب قضمة الصَّقيع أم سكِّين أحد الخصوم، إلَّا أن غيابهما جعلَ رأس الرَّجل يبدو ضيِّقًا مدبَّبًا.

من نظرةٍ رأى چون بجلاءٍ أن كلًّا من أبيض اللِّحية والأصلع مُحارِب. هذان الاثنان أخطر من ذي القميص المُخشخِش مرارًا. تساءلَ مَن منهما مانس رايدر.

وبينما تمدَّد على الأرض والظَّلام يُحيط به

وعلى لسانه مذاق الدِّماء

ركعَ إخوته إلى جواره وصلَّوا له

وابتسمَ هو وضحكَ وشرعَ في الغناء:

«إخوتي، يا إخوتي، أيامي ها هنا انتهَت

وسلبَني حياتي الدورني

لكن لا يهمُّ، فكلُّ البَشر يُدرِكهم الموت

وأنا ذقتُ زوجة الدورني!».

مع خفوت النَّغمات الأخيرة من (زوجة الدورني)، رفعَ الأصلع عديم الأُذنين عينيه عن خريطته، وسدَّد نظرةً قاسيةً شرسةً إلى ذي القميص المُخشخِش وإيجريت وبينهما چون، وقال: «ما هذا؟ غُراب؟».

رَدَّ ذو القميص المُخشخِش: «النَّغل الأسود الذي قتلَ أورل، كما أنه وارْج لعين أيضًا».

- «كان عليكم أن تَقتُلوهم جميعًا».

فسَّرت إيجريت: «هذا مُنشق. لقد قتلَ كورين ذا النِّصف يد بيده».

قال عديم الأُذنين وقد بدا أن الخبر أغضبَه: «هذا الصَّبي؟ كان يُفترَض أن يكون ذو النِّصف يد لي. ألك اسم أيها الغُراب؟».

أجابَ متسائلًا إن كان عليه أن يركع أيضًا: «چون سنو يا جلالة الملك».

ردَّد الأصلع: «جلالة الملك؟»، والتفتَ إلى أبيض اللِّحية قائلًا: «أترى؟ إنه يحسبني ملكًا».

تفجَّرت ضحكات الملتحي الكبير بشدَّةٍ جعلَت قِطع الدَّجاج تتناثَر من بين شفتيه في كلِّ اتِّجاه، ثم إنه مسحَ الدُّهن عن فمه بظَهر يده الضَّخمة، وقال: «صبيٌّ أعمى لا بُدَّ. مَن سمعَ بملكٍ بلا أُذنين من قبل؟ كان تاجه لينزلق إلى رقبته في الحال! هار!»، ومنحَ چون ابتسامةً واسعةً وهو يُنَظِّف أصابعه على سراويله، وأردفَ: «أغلِق منقارك أيها الغُراب. دُر وقد تجد من تبحث عنه».

ودارَ چون.

ونهضَ المغنِّي قائلًا وهو يضع عوده جانبًا: «أنا مانس رايدر، وأنت نغل ند ستارك، سنو ابن (وينترفل)».

وقفَ چون مشدوهًا عاجزًا عن الكلام لحظةً، قبل أن يتدارَك نفسه بما يكفي لأن يقول: «كيف... كيف عرفت...».

قال مانس رايدر: «هذه حكاية لوقتٍ آخَر. هل راقَتك الأغنيَّة يا فتى؟».

- «إلى حَدٍّ كبير. سمعتها من قبل».

قال ملك ما وراء الجِدار برفق: «لكن لا يهمُّ، فكلُّ البَشر يُدرِكهم الموت، وأنا ذقتُ زوجة الدورني. أخبِرني، هل ما يقوله سيِّد العظام صحيح؟ هل قتلت صديقي القديم ذا النِّصف يد؟».

- «نعم». وإن كان هذا صنيعه أكثر من صنيعي.

بنبرةٍ حزينةٍ قال الملك: «لن تعود (بُرج الظِّلال) بهيبتها السَّابقة ثانيةً أبدًا. كورين كان عدوِّي، لكنه كان أخي أيضًا ذات يوم. إذن... هل أشكرك على قتله أم ألعنك يا چون سنو؟»، وأعطى چون ابتسامةً ساخرةً.

لم يبدُ ملك ما وراء الجِدار كالملوك على الإطلاق، ولا كهمجي لهذه الدَّرجة حتى، مجرَّد رجلٍ متوسِّط الطُّول ناحل القوام حاد الملامح، عيناه بنِّيَّتان ثاقبتان وشَعره طويل بنِّي حالَ أغلبه إلى الشَّيب، لا يعتمر تاجًا ولا تُحيط الحلقات الذَّهبيَّة بذراعيه أو الجواهر بعُنقه، ولا يتحلَّى ولو بقطعةٍ من الفضَّة، يرتدي الصُّوف والجِلد، والشَّيء الوحيد المميَّز في ثيابه هو المعطف الصُّوف الأسود المهترئ، الذي رُتِقَت تمزُّقاته الطَّويلة بالحرير الأحمر الباهت.

أخيرًا قال چون: «يَجدُر بك أن تَشكُرني على قتل عدوِّك وتلعنني لقتل صديقك».

صاحَ أبيض اللِّحية بصوتٍ مدوٍّ: «هار! أحسنت الإجابة!».

عقَّب مانس رايدر: «أتَّفقُ معك»، وأشارَ لچون بالاقتراب وقال له: «إذا أردت الانضمام إلينا فيَحسُن أن تعرفنا. الرَّجل الذي حسبته أنا هو ستير، ماجنَر (ثِن). «ماجنَر» معناها «سيِّد» في اللُّغة القديمة». حدَّق عديم الأُذنين إلى چون ببرود، على حين التفتَ مانس إلى الملتحي متابعًا: «والمفترس آكِل الدَّجاج هذا هو رجلي المخلص تورموند، والمرأة...».

نهضَ تورموند مقاطعًا إياه: «مهلًا، لقد دعوت ستير بلقبه، فافعل معي المِثل».

ضحكَ مانس رايدر، وقال: «كما تشاء. چون سنو، أمامك يقف تورموند قاتِل العماليق، المِهذار، نافخ البوق، وكاسر الجليد، وهو أيضًا تورموند قبضة الرَّعد، زوج الدِّببة، ملك البِتع في (البهو القاني)، كليم الآلهة، وأبو الجيوش».

قال تورموند: «هذا يليق بي أكثر. أهلًا بك يا چون سنو. إنني مغرم بالأوْراج في الحقيقة، ولكن ليس بأولاد ستارك».

واصلَ مانس رايدر: «المرأة المبجَّلة الواقفة عند المستوقَد هي دالا»، فابتسمَت الحبلى بخجلٍ بينما أكملَ: «عامِلها كما تُعامِل أيَّ ملكة، فهي تحمل طفلي»، ثم التفتَ إلى آخِر اثنين قائلًا: «هذه الجميلة هي أختها ڤال، والشَّاب چارل الواقف إلى جوارها هو أحدث حيواناتها المدلَّلة».

قال چارل الأسمر بشراسة: «لستُ حيوانًا مدلَّلًا لأيِّ رجل».

رَدَّ تورموند أبيض اللِّحية ساخرًا: «وڤال ليست رجلًا. كان يُفترَض أن تُلاحِظ هذا من قبل يا فتى».

قال مانس رايدر: «ها نحن أولاء إذن يا چون سنو، ملك ما وراء الجِدار وبلاطه، إن جازَت التَّسمية. والآن أعتقدُ أن الوقت مناسب لأن نسمع قليلًا من الكلام منك. من أين أتيت؟».

- «من (وينترفل)، عن طريق (القلعة السَّوداء)».

- «وما الذي حملَك على الإتيان عند (النَّهر اللَّبني) بعيدًا عن دفء الدِّيار؟»، ولم ينتظر مانس إجابةً، بل التفتَ إلى ذي القميص المُخشخِش سائلًا: «كم كان عددهم؟».

- «خمسة، ثلاثة ماتوا وهذا الصَّبي، والأخير تسلَّق جانِب جبلٍ لا يستطيع حصان أن يتبعه عليه».

عادَت عينا رايدر تُلاقِيان عينَيْ چون، وسألَه: «هل كنتم خمسةً فقط، أم أن مزيدًا من إخوتك كامنون هنا أو هناك؟».

- «كنا أربعةً بالإضافة إلى ذي النِّصف يد. كورين كان يُساوي عشرين رجلًا عاديًّا».

ابتسمَ ملك ما وراء الجِدار لهذا، وقال: «البعض كان يحسب هذا، لكن... صبي من (القلعة السَّوداء) مع جوَّالة من (بُرج الظِّلال)؟ كيف تأتَّى هذا؟».

كانت كذبة چون حاضرةً، فأجابَ: «حضرة القائد أرسلَني إلى ذي النِّصف يد لأتعلَّم من خبرته، فأخذَني معه في جولته».

عقدَ الماجنَر ستير حاجبيه لمَّا سمعَ الجواب، وقال: «تُسَمِّيها جولةً... لكن لِمَ يتجوَّل الغِربان أعلى (الممر الصَّادح)؟».

هذه المرَّة قال چون الحقيقة: «كانت القُرى مهجورةً، كأن شعب الأحرار كلَّه اختفى».

قال مانس رايدر: «اختفى، نعم، وليس شعب الأحرار فحسب. ومَن أخبرَكم بمكاننا يا چون سنو؟».

قال تورموند باستهانة: «إنه كراستر، وإلَّا فأنا عذراء خجول. قلتُ لك يا مانس إن علينا أن نفصل رأس ذلك المخلوق عن جسده».

حدجَ الملك الرَّجل الذي يكبره سِنًّا بضيقٍ قائلًا: «تورموند، حاوِل أن تُفَكِّر قبل أن تتكلَّم ذات يوم. أعلمُ أنه كراستر، لكني سألتُ چون لأرى إن كان سيقول الحقيقة».

بصقَ تورموند، وقال: «هار! طيِّب، هذه غلطتي»، وابتسمَ ابتسامةً كبيرةً في وجه چون وخاطَبه: «أترى يا فتى؟ لهذا هو الملك لا أنا. يُمكنني أن أغلبه في الشُّرب والقتال والغناء، وعُضوي أكبر من عُضوه ثلاث مرَّات، لكن مانس أريب. لقد نشأَ بين الغِربان كما تعلم، والغُراب طائر خدَّاع».

قال مانس رايدر لذي القميص المُخشخِش: «أريدُ أن أتكلَّم مع الفتى وحدنا يا سيِّد العظام. اترُكونا جميعًا».

سألَه تورموند: «ماذا؟ حتى أنا؟».

- «بالذَّات أنت».

قامَ تورموند قائلًا: «لا آكلُ في مكانٍ لا أجدُ ترحابًا فيه. أنا والدَّجاج مغادرون»، واختطفَ دجاجةً أخرى من على المستوقَد، ودسَّها في جيبٍ مخيَّط في بطانة معطفه صائحًا: «هار!»، وخرجَ وهو يلعق أصابعه، وتبعَه الآخَرون إلى الخارج باستثناء المرأة دالا.

قال رايدر عندما رحلوا: «اجلس إذا أردت. هل أنت جائع؟ تورموند تركَ لنا طائريْن على الأقل».

- «سيَسُرُّني أن آكل يا جلالة الملك، وأشكرك».

- «جلالة الملك؟»، ردَّد الملك مبتسمًا. «ليس هذا بالمسمَّى الذي يسمعه المرء من شفاه الأحرار كثيرًا. إنني مانس عند الغالبيَّة، المانس عند البعض. هل تشرب قرنًا من البِتع؟».

- «بكلِّ سرور».

صَبَّ الملك الشَّراب بنفسه فيما قطَّعت دالا الدَّجاجتين المشويَّتين النَّاضجتين ووضعَت نِصفًا أمام كلٍّ منهما، فخلعَ چون قُفَّازيه وأكل بأصابعه، ممتصًّا كلَّ نسيلةٍ من اللَّحم عن العظم.

قال مانس رايدر وهو يُمَزِّق رغيف خُبز: «تورموند قال الحقيقة، الغُراب الأسود طائر خدَّاع، هذا صحيح... لكني كنتُ غُرابًا عندما لم تكن أكبر من الجنين الذي في بطن دالا يا چون سنو، فاحذر من محاوَلة خداعي».

- «كما تقول يا جلالة... المانس».

قال الملك ضاحكًا: «جلالة المانس! ولِمَ لا؟ لقد وعدتك بحكاية معرفتي إياك، فهل خمَّنتها بعدُ؟».

هَزَّ چون رأسه نفيًا، وقال: «هل أرسلَ ذو القميص المُخشخِش خبرًا قبل وصولنا؟».

- «طيرانًا؟ إننا لا نملك غِدفانًا مدرَّبةً. لا، لكني عرفتُ وجهك، لأني رأيته من قبل، رأيته مرَّتين».

لم يبدُ الرَّدُّ ذا معنى في البداية، لكن چون دوَّره في ذهنه فومضَ الحَلُّ فجأةً، وقال: «عندما كنت أخًا في حَرس اللَّيل...».

- «أحسنت! نعم، كانت تلك المرَّة الأولى. كنتَ ولدًا صغيرًا وكنتُ أرتدي الأسود، واحدًا من الفِرقة المصاحبة لحضرة القائد كورجايل حين ذهبَ لزيارة أبيك في (وينترفل). كنتُ أمشي على السُّور حول السَّاحة وصادَفتك مع أخيك روب، وكان الثَّلج قد سقطَ في اللَّيلة السَّابقة، فصنعتما جبلًا عظيمًا منه فوق البوَّابة، ويبدو أنكما كنتما تنتظران مرور أحد».

قال چون بضحكةٍ ذاهلة: «أذكرُ هذا». أخٌ أسود شاب على ممشى السُّور، نعم... «وأنت أقسمت ألَّا تحكي لأحد».

- «وقد بررتُ بقَسمي، هذا القَسم على الأقل».

- «ألقينا الثَّلج على توم السَّمين. كان أبطأ حُرَّاس أبي». يومها طاردَهما توم حول السَّاحة حتى احمرَّت وجوه ثلاثتهم كتُفَّاح الخريف. «لكنك قلت إنك رأيتني مرَّتين، فمتى كانت الثَّانية؟».

أجابَ ملك ما وراء الجِدار بهدوء: «عندما ذهبَ الملك روبرت إلى (وينترفل) ليجعل أباك يده».

اتَّسعت عينا چون بغير تصديق، وقال: «مستحيل».

- «بل واقع. لمَّا علمَ أبوك بقدوم الملك، أرسلَ خبرًا إلى أخيه بنچن على (الجِدار) كي يأتي لحضور المأدبة. ثمَّة معامَلات بين الإخوة السُّود وشعب الأحرار أكثر مما تتصوَّر، لذا فسرعان ما بلغَ الخبر مسامعي أيضًا. كانت الفُرصة أندر من أن أقاومها. لم يكن عمُّك يعرفني شكلًا، فلم أقلق من هذا الجانب، وفكَّرتُ أن أباك غالبًا لن يتذكَّر غُرابًا شابًّا قابَله بشكلٍ عابر قبل سنوات. أردتُ أن أرى روبرت هذا بأُمِّ عيني، ملكًا لملك، وأن أقيِّم عمَّك بنچن كذلك. كان جوَّالًا أول حينئذٍ، وشوكةً في ظَهر قومي جميعًا، وهكذا جهَّزتُ أسرع خيولي وانطلقتُ».

قال چون معترضًا: «لكن (الجِدار)...».

- «(الجِدار) يُمكنه أن يُوقِف جيشًا، لكن ليس رجلًا أوحد. أخذتُ معي عودًا وكيسًا من الفضَّة، وتسلَّقتُ الجليد بالقُرب من (الرَّابية الطَّويلة)، ومشيتُ فراسخ قليلةً جنوب أرض (الهديَّة الجديدة) وابتعتُ حصانًا. في المُجمل تحرَّكتُ أسرع من روبرت، الذي كان يُسافِر ومعه مركبة كبيرة ثقيلة للحفاظ على راحة ملكته، وعلى بُعد يومٍ من (وينترفل) قابلتُ رَكبه وانضممتُ إليه. دائمًا ما يضمُّ المُحارِبون غير النِّظاميِّين والفُرسان الجائلون أنفسهم إلى المواكب الملكيَّة على أمل العثور على خدمةٍ في حاشية الملك، وقد جعلَهم عودي يقبلونني بسهولة»، وضحكَ مانس مضيفًا: «إنني أعرفُ كلَّ أغنيَّةٍ بذيئة كُتِبَت شمال (الجِدار) أو جنوبه. هكذا إذن، ليلة أولمَ أبوك لروبرت، كنتُ جالسًا في مؤخِّرة القاعة على دِكَّةٍ مع عددٍ من المحاربين غير النِّظاميِّين، أصغي لأورلاند ابن (البلدة القديمة) يعزف على القيثارة السَّامية[4] ويُغَنِّي عن الملوك الموتى في أعماق البحر. أكلتُ من طعام أبيك وشربتُ من شرابه، وألقيتُ نظرةً على قاتِل الملك والعِفريت... وصرفتُ شيئًا من انتباهي إلى أولاد اللورد إدارد وجِراء الذِّئاب التي تجري في أعقابهم».

- «بايل الشَّاعر»، قال چون متذكِّرًا الحكاية التي روَتها له إيجريت في (أنياب الصَّقيع)، ليلة أوشكَ على قتلها.

- «ليتني كنتُ بايل. لن أنكر أن مغامَرة بايل ألهمَتني مغامَرتي... لكني لم أختطِف أيًّا من أختيك حسبما أذكرُ. بايل كان يَكتُب أغانيه، لكني عشتها. إنني أغنِّي الأغاني التي ألَّفها رجال أفضل مني لا أكثر. مزيد من الشَّراب؟».

- «لا. لو كان أمرك افتضحَ... وقبضوا عليك...».

هَزَّ الملك كتفيه قائلًا: «لقطعَ أبوك رأسي، على الرغم من أن حَقَّ الضِّيافة كان يحميني بمجرَّد أن أكلت على مائدته. قوانين الضِّيافة عتيقة كالبَشر الأوائل، ومقدَّسة كشجر القلوب»، وأشارَ إلى اللَّوح المنصوب بينهما وعليه قِطع الخُبز وعظم الدَّجاج، وأردفَ: «هنا أنت ضيفي، وآمِن من كلِّ أذًى مني... اللَّيلة على الأقل. قُل لي الحقيقة إذن يا چون سنو، أأنت جبان انشقَّ عن إخوته بدافع الخوف؟ أم أن هناك سببًا آخَر أتى بك خيمتي؟».

سواء أكان محميًّا بحَقِّ الضِّيافة أم لم يكن، فچون يعرف أنه في موقفٍ بالغ الدِّقَّة، كمن يمشي على جليدٍ متعفِّن؛ خطوة واحدة خطأ ويَسقُط ويغوص في مياهٍ برودتها كفيلة بإيقاف قلبه. قال مذكِّرًا نفسه: زِن كلَّ كلمةٍ قبل أن تنطقها، وأخذَ جَرعةً طويلةً من البِتع ليكسب لنفسه وقتًا للإجابة، ثم إنه وضعَ القرن جانبًا، وقال: «قُل لي لماذا انشقَقتَ وسأقولُ لك لماذا انشقَقتُ».

وكما أملَ چون، ابتسمَ مانس رايدر، فمن الواضح أن الملك رجلُّ يُحِبُّ سماع صوت نفسه، وهكذا قال: «لا شَكَّ عندي في أنك سمعت قصصًا عن تهرُّبي من الخدمة».

- «البعض يقول إنه كان من أجل تاج، والبعض من أجل امرأة، وغيرهم يَزعُم أن دماء الهَمج في عروقك».

- «دماء الهَمج هي دماء البَشر الأوائل، الدِّماء نفسها التي في عروق آل ستارك. أمَّا التَّاج، فهل ترى واحدًا؟».

قال رامقًا دالا: «أرى امرأةً».

أخذَها مانس من يدها وجذبَها إليه قائلًا: «سيِّدتي بريئة من هذا. لقد قابَلتها في أثناء عودتي من قلعة أبيك. ذو النِّصف يد كان منحوتًا من البلُّوط القديم، لكني مخلوق من لحم، ومولع للغاية بأطايب النِّساء... وهو ما لا يجعلني مختلفًا عن ثلاثة أرباع الحَرس. هناك رجال ما زالوا يرتدون الأسود وحظوا بعشرة أضعاف النِّساء اللاتي عرفهن هذا الملك الفقير الواقف أمامك. عليك أن تُخَمِّن ثانيةً يا چون سنو».

فكَّر چون لحظةً، ثم قال: «ذو النِّصف يد قال إنك كنت شغوفًا بموسيقى الهَمج».

- «كنتُ وما زلتُ. هذا أقرب إلى الهدف، نعم، لكن ليس إصابةً مباشرةً»، ونهضَ مانس رايدر وحَلَّ المشبك الذي يُثَبِّت معطفه، ثم بسطَه على الدِّكَّة قائلًا: «ما فعلته كان من أجل هذا».

- «من أجل معطف؟».

قال ملك ما وراء الجِدار: «المعطف الصُّوف الأسود المميِّز للإخوان حالفي يمين حَرس اللَّيل. ذات يومٍ ونحن في جولة تقصٍّ صِدنا إلكةً كبيرةً ممتازةً، وكنا نَسلُخها حين اجتذبَت رائحة الدَّم قِطَّ ظِلٍّ[5] من عرينه. نجحتُ في طرده، لكن ليس قبل أن يُمَزِّق معطفي إلى شرائط. هل ترى؟ هنا وهنا وهنا؟»، وقهقهَ مردفًا: «ومزَّق ذراعي وظَهري أيضًا، ونزفتُ دمًا أكثر من الإلكة. تخوَّف إخوتي من أن أموت قبل أن يأخذوني إلى المِايستر مولين في (بُرج الظِّلال)، فحملوني إلى قريةٍ همجيَّة، حيث كنا نعلم بوجود حكيمةٍ عجوز تُمارِس العلاج. هناك عرفنا أنها ماتَت، لكن ابنتها اعتنَت بي، نظَّفت جراحي وخيَّطتها وأطعمَتني الثَّريد وسقَتني الدَّواء حتى صرتُ قادرًا على الرُّكوب من جديد، كما أنها رتقَت معطفي الممزَّق بحريرٍ قرمزي من (آشاي) وجدَته جدَّتها في حطام كوج[6] جرفَه التَّيَّار إلى (السَّاحل المتجمِّد). كان أثمن كنوزها وهديَّتها لي»، وعادَ يضع المعطف على كتفيه وهو يُواصِل: «لكن في (بُرج الظِّلال) أعطوني معطفًا جديدًا من الصُّوف من المخزن، أسود وأسود وموشَّى بالأسود، ليتماشى مع سراويلي السَّوداء وحذائي الأسود وسُترتي وقميصي الأسودين. كان المعطف الجديد خاليًا من أيِّ اهتراءٍ أو مزقٍ أو قَطع... والأهم أنه خالٍ من الأحمر، كما ذكَّرني السير دينس ماليستر بصرامةٍ كأنني نسيتُ، قائلًا إن رجال حَرس اللَّيل يلبسون الأسود فقط، وإنني يجب أن أحرق معطفي القديم... وفي الصَّباح التَّالي غادرتُ، إلى مكانٍ ليست القُبلة فيه جريمةً وحيث يستطيع الرَّجل أن يرتدي أيَّ معطفٍ يشاء»، وأغلقَ المشبك وجلسَ ثانيةً متسائلًا: «وماذا عنك يا چون سنو؟».

أخذَ چون رشفةً أخرى من البِتع مفكِّرًا: لا توجد إلَّا قصَّة واحدة قد يُصَدِّقها، ثم إنه قال: «قلت إنك كنت في (وينترفل) ليلة أولمَ أبي للملك روبرت».

- «هذا ما قُلته، لأني كنتُ هناك».

- «إذن فقد رأيتنا جميعًا، الأمير چوفري والأمير تومن والأميرة مارسلا، وإخوتي روب وبران وريكون، وأختَيْ آريا وسانزا، رأيتهم يسيرون في الممشى في منتصَف القاعة وأعيُن الجميع عليهم، ثم يجلسون إلى المائدة المنخفضة قليلًا عن المنصَّة، حيث جلسَ الملك والملكة».

- «أذكرُ هذا».

مالَ چون إلى الأمام وسألَه: «وهل رأيت أين أجلَسوني يا مانس؟ هل رأيت أين وضعوا النَّغل؟».

تطلَّع مانس رايدر إلى وجه چون طويلًا، ثم إن الملك مَدَّ يده قائلًا: «من الأفضل أن نجد لك معطفًا جديدًا».

فصل من رواية "عاصفة السيوف"، الرواية الثالثة من "أغنية الجليد والنار"، تصدر الرواية عن "دار التنوير" في خريف 2017، من ترجمة هشام فهمي.


[1] ما يُطلَق على النِّساء المحاربات من الهَمج.

[2] الوارْج كلمة ذات أصول نورديَّة وچرمانيَّة وفارسيَّة قديمة بمعنى «ذئب»، وفي عالم الرِّواية يُسَمَّى البَشري الذي يستطيع تلبُّس الحيوانات بعقله ليتحكَّم فيها «مبدِّل الجِلدة»، والأوْراج فئة نادرة من مبدِّلي الجِلدة، تستطيع تلبُّس الذِّئاب والكلاب على وجه التَّحديد.

[3] البِتع هو نبيذ مخمَّر من العسل.

[4] آلة موسيقيَّة من خيال المؤلِّف.

[5] قِطط الظِّل اسم يُطلَق على نوع من الأسود الجبليَّة في عالم الرِّواية.

[6] الكوج سفينة ذات قاعٍ مسطَّح وجوانب مستقيمة، عادةً ما يكون لها شراع واحد مربَّع، وتُبنى من خشب البلُّوط.