"إم تي ڨي".. أو كيف شكَّلَت قناة موسيقية العالم الذي نعيشه؟

كانت MTV عبارة عن فكرة ثورية، أساسها بسيط جدًا: دعونا نقدم للجمهور إذاعة راديو مع صُوَر، ستغير هذه الفكرة صناعة الموسيقى إلى الأبد، وستنهي تحكم شركات الإنتاج والإذاعات الكبيرة على سوق الموسيقى.

شهد النصف الأخير من السبعينيات ركودًا في صناعة الموسيقى وسوق الكاسيت في مصر، كانت فترة مأزومة توقف فيها الزمن بين جيلين، جيل الغناء التقليدي والمطولات، وجيل جديد يحاول صياغة غناء مختلف، كانت الموسيقى في تلك الفترة باهتة، رمادية اللون، لا هي ستينية تقليدية، ولا هي حديثة ومتطورة، كانت شيئًا ما في منتصف الطريق.

في الوقت نفسه في الولايات المتحدة، كان هناك أيضًا فراغ بحاجة إلى أن يملأه أحد، كان يتم الإعداد لموسيقى الحقبة الجديدة، حقبة ما بعد الديسكو. في عام 1980، حقق مايكل جاكسون نجاحًا كبيرًا تجاريًا ونال تقديرًا نقديًا وعددًا من الجوائز عن ألبومه الخامس Off the Wall، لكن رغم كل ذلك، شعر مايكل أن الألبوم لم يحقق التأثير الذي كان ينتظره، وشعر بالظلم بعدم فوز الألبوم بجائزة Record of the Year. وعزم على تجاوز التوقعات في ألبومه القادم.

بعد عامين أطلق جاكسون ألبومه السادس Thriller، تحديدًا في نوفمبر/تشرين الثاني عم 1982، وبدأ الألبوم يحقق أرقامًا جيدة بالنسبة للمبيعات، لكنه أيضًا لم يحقق التأثير المرجو منه فور صدوره، لذلك عملت الشركة المنتجة Columbia Records كل شيء ممكن لتحقيق رغبة مايكل في أن يتجاوز هذا الألبوم كل التوقعات. ذهب رئيس الشركة والتر يتنيكوف إلى قناة MTV وضغط عليهم لبث فيديو مصور لأغنية Billie Jean.

كانت MTV في ذلك الوقت قناة جديدة، معظم جمهورها من البيض الأمريكان في القرى والمدن الصغيرة، ولكنها الأشهر في مجال إذاعة الأغاني المصورة في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الشركة خائفة من ظهور مطرب أسود على شاشتها، كافحت الشركة لظهور مايكل جاكسون على شاشة MTV، ووصل الأمر للتهديد عندما صرح يتنيكوف: "قلت لـ MTV سأسحب كل شيء، كل منتجاتنا. لن أعطيهم أي فيديوهات مصورة، وسأقول للعامة عن حقيقة أنهم لا يريدون بث موسيقي لرجل أسود".

بُثت الأغنية بشكل مكثف على القناة، وبعد شهور قليلة، تحديدًا في مايو/آيار عام 1983. تابع 50 مليون مشاهد لأول مرة رقصة Moonwalk الشهيرة في عرض خاص للاحتفال بمرور 25 عامًا على تأسيس شركة Motown للإنتاج والتسجيل Motown 25 television، وفتح نجاح أغاني مايكل جاكسون المصورة مع MTV الباب للمطربين الأمريكان السود لإذاعة أغانيهم المصورة على القناة، الأمر الذي يعد نوعًا من أنواع الأعتراف بهم.


لكن لماذا أصر مايكل جاكسون على MTV؟

بدأت MTV البث في الأول من أغسطس/آب عام 1981، في ذلك اليوم تغيرت صناعة الموسيقى في العالم كله، وكانت أول أغنية بثتها القناة هي أغنية video killed the radio star للفريق الإنجليزي The Buggles الذي يقدم موسيقى من نوع الموجة الجديدة "New wave". تنبأت الأغنية بانهيار عصر الراديو ونجومه، وأن فنون الفيديو قادمة، تقول الأغنية:

"في عقلي وفي سيارتي

لا يمكن أن تسترجع ما ذهب بعيدًا

جاءت الصور وحطمت قلبك

انظر، سوف أشغّل لك جهاز الفيديو".


كان مايكل يعرف جيدًا أن الغناء فحسب لن يكفل له التأثير الكافي، ولن يجعله يتجاوز التوقعات، لا بد أن يشاهده الجمهور ليصبح "مايكل جاكسون"، وكانت MTV في ذلك الوقت عبارة عن فكرة ثورية، أساسها بسيط جدًا: دعونا نقدم للجمهور إذاعة راديو مع صُوَر، ستغير هذه الفكرة صناعة الموسيقى إلى الأبد، وستنهي تحكم شركات الإنتاج والإذاعات الكبيرة على سوق الموسيقى، لكن الأهم من ذلك ستدفع هذه الفكرة فن الفيديو الذي بدأ في الستينيات كفن تجريبي إلى التطور السريع ليصبح الفن الأكثر انتشارًا وجماهيرية في العالم.

قبل MTV لم يهتم صناع الموسيقى بإنتاج أغانٍ مصورة، وعندما تم الاتفاق على إنشاء القناة في يناير/كانون الثاني 1981 لم يكن أمام مؤسسيها سوى 7 أشهر للتحضير قبل الانطلاق لأن شركة وارنر إيمكس أرادت أن يتم إطلاق القناة في الصيف لكي تكون حديث طلبة الجامعات والمراهقين بعد انتهاء إجازة الصيف. وبعد سبعة أشهر وفرت القناة 250 أغنية مصورة فقط، جاء معظمها من شركات إنتاج وتسجيل أوروبية لأن الشركات الأمريكية لم تكن تريد المجازفة بإنتاج أغانِ مصورة على حسابها الخاص للعرض على قناة تلفزيونية تقدم موسيقي مع صور لمدة 24 ساعة.

في البداية بدا أن الشركات الأمريكية محقة، فقبل انطلاق القناة توقع مؤسسوها خسارة 10 مليون دولار أمريكي، وبعد بدء البث، وبسبب امتلاك القناة لـ 250 أغنية مصورة فقط، وعدم استطاعة القناة إقناع الشركات الأمريكية بإنتاج أغانٍ مصورة، بدأ الملل يصيب المشاهدين من تكرار نفس الأغاني، لتخسر القناة في عامها الأول 50 مليون دولار.

كاد الحلم أن ينتهي سريعًا وتُغلَق القناة، وجد المؤسسون أنهم بحاجة إلى حملة إعلانية ضخمة تقودها إحدى الفرق الشهيرة، فلجأوا إلى فرقة The Rolling Stones، وفي مقابلة مع ميك جاجر المغني الرئيسي للفرقة، رفض في البداية أن تتولي الفرقة الحملة الإعلانية، وقال لهم إن الفرقة تظهر في الإعلانات مقابل مبالغ كبيرة، فكتب الرئيس التنفيذي للشركة شيكًا بدولار واحد وعرضه على جاجر، كان هذا كل ما تملكه القناة وتستطيع تقديمه. أعجب جاجر بثقتهم بأنفسهم ووافق على أن يؤدي الإعلان مقابل هذا الدولار، وكانت الحملة بعنوان "أريد قناتي إم تي في" I Want My MTV.


بعد هذه البداية المتعثرة، ومع وجود أسماء مثل مايكل جاكسون وPrince وفرق مثل ZZ Top، تعرض لهم القناة أغانيهم المصورة، بدأت MTV في الانتشار سريعًا، وأصبحت تقريبًا داخل كل منزل أمريكي، وبحلول عام 1984 بدأت شركات الإنتاج والتسجيل الأمريكية في استثمار ملايين الدولارات لإنتاج فيديوهات للأغاني، أصبحت القناة ظاهرة جديدة في الثقافة الشعبية الأمريكية، وفي نفس العام نظمت القناة أول جائزة موسيقية لها وكانت جائزة The Video Music Awards، لتسيطر القناة بشكل كامل على سوق صناعة الموسيقى في العالم.

هيمنت MTV على صناعة الموسيقى والغناء في الجزء الغربي من الكوكب، وضعت حدًا لسيطرة شركات الإنتاج الكبيرة على الصناعة وعلى الإذاعات، ما أتاح فرصة الصعود للفرق الصغيرة التي تستطيع إنتاج فيديوهات مختلفة وجذابة لأغانيها، وتحول معيار النجاح من أن تبث أغنيتك في الإذاعات المشهورة، إلى أن تذاع أغنيتك المصورة على MTV.

اختلفت صناعة الموسيقى في العالم كله بعد سيطرة MTV على الصناعة، فبعد أن كانت العوامل الموسيقية من لحن وإنتاج "توزيع" ونوع موسيقي، بالإضافة إلى كلمات الأغنية هي ما تحدد جودة الأغنية، أصبحت هناك عوامل أخرى متعلقة بفن الفيديو وكيفية رواية قصة قصيرة عن طريقه، إلى جانب الرقصات وتصميمها، وكذلك الشكل وطريقة تصميم الملابس.

لولاكي! لولا MTV

بدأ صانعو الموسيقى فهم الغرض الحقيقي من فكرة الأغنية المصورة، وهو أن يتحول المطرب أو المطربة إلى أيقونة في نظر الجمهور، يحاول الجميع تقليده، عندما يرتدي قميصًا معينًا يظهر به في الأغنية، ترتدي مصر كلها هذا القميص، وهو ما استغله عمرو دياب أفضل استغلال بعد ذلك.

كانت مصر تشهد منذ نهاية السبعينيات أزمة في صناعة الموسيقى وسوق الكاسيت، فترة راكدة ما بين جيل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وأغنيات الستينات التقليدية وجيل جديد من الشباب يحاول الخروج من معطف الستينيات الذي اعتاد مطربوه على الظهور إما في الحفلات أو في الأفلام.

لم يكن للجيل الجديد شعبية جماهيرية تجعله يعتمد فقط على الظهور في الحفلات كأم كلثوم، لذلك كانوا يعتمدون على الظهور في الأفلام كعلي الحجار في نهاية السبعينيات، أو تصوير فيديوات يظهر فيها المطرب منفردًا.


لم تنتشر الفضائيات حتى منتصف التسعينيات، اعتمد الجمهور فقط على القنوات المحلية في مصر، لكن صًنّاع الموسيقى في مصر كانوا يتابعون ما يحدث في العالم. مع بداية التسعينيات انتشرت في مصر ظاهرة "الفيديو كليب"، على سبيل المثال عَرَض حكيم كليب لأغنية "بيني وبينك" عام 1991.


بدأ تأثير MTV يظهر على صناعة الموسيقى في مصر بعد حوالي 10 سنوات من إنشاء القناة، وفي خلال تلك السنوات العشر، كان هناك مطرب شاب جديد ينتظر الفرصة ليغتنمها.

انتقل عمرو دياب من بورسعيد إلى القاهرة في بداية الثمانينيات، وأصدر ألبومه الأول "يا طريق" عام 1983، وصوّر منه أغنية "الزمن"، وظهر عمرو دياب في الفيديو وإلى جواره الموسيقار هاني شنودة ملحن الأغنية. صُورَت الأغنية بنفس الطريقة التقليدية، لكن عمرو دياب استمر في التجريب في هذا الوسيط. في ألبومه الثاني "غني من قلبك" (1984)، صوّر أغنية الألبوم الرئيسية، وكتاب في مقدمتها "استعراض غني من قلبك"، وكان الفيديو من إخراج يوسف حجي. في ذلك الوقت كان لا بد من تعريف ما يقدمه عمرو دياب، فأُطلِ مصطلح "الاستعراض" على الأغنية المصورة، لأنها كانت خارج المتعارف عليه.

قدم عمرو دياب بعد عامين ألبومه الثالث "هلا هلا" وقام بتصوير الأغنية الرئيسية أيضًا، بالإضافة إلى أغنيتي "ماله" و "راحل"، إلى أن جاء ألبوم "ميال" 1988 الذي تم تصوير 5 أغانٍ منه، في تلك الفترة بدأ تصوير الأغاني في مصر يخرج من الاستديوهات إلى الحدائق والمساحات المفتوحة، وبدأ ينتشر بين المطربين، فنجد مثلًا بخلاف كليب أغنية "أول ما أقول" لعمرو دياب، كليب أغنية "في الركن البعيد الهادي" لأنغام، و أغنية "لولاكي" لعلي حميدة.



نلاحظ في أغنيتي عمرو دياب وعلي حميدة اعتماد على راقصين Models ذكور للقيام بالرقصات والاستعراضات في الأغنية، كما نلاحظ عدم وجود أي قصة يحكيها الفيديو المصور، في ذلك الوقت كان كل الهدف من الأغنية المصورة هو إتاحة عرضها على شاشة التلفزيون في البرامج الشبابية.

في برنامجه "الموهوبون في الأرض"، يقول بلال فضل إن تأثير قناة MTV على صناعة الموسيقى في مصر في النصف الثاني من الثمانينيات كان كبيرًا: "أثرت بصريًا على أهل الصنعة وشكل الغنوة اللي بيقدموها". في تلك الفترة بدأ صانعو الموسيقى فهم الغرض الحقيقي من فكرة الأغنية المصورة، وهو أن يتحول المطرب أو المطربة إلى أيقونة في نظر الجمهور، يحاول الجميع تقليده، عندما يرتدي قميصًا معينًا يظهر به في الأغنية، ترتدي مصر كلها هذا القميص، وهو ما استغله عمرو دياب أفضل استغلال بعد ذلك.


قدمت MTV كل شيء، الموسيقى، الرقص، الجاذبية الجنسية، الموضة، حولت MTV المطرب لأيقونة ينظر لها الجمهور، وفي مصر والشرق الأوسط تحديدًا، كان هذا انفتاح على عالم غريب مختلف عن العالم الذي يعيش فيه الشباب والشابات هنا، انفتاح نتج عنه بداية نقل ثقافة جيل كامل من منطقة إلى أخرى بشكل تدريجي في مجتمع محافظ تسيطر عليه السلطة الأبوية على كل شيء.

تحدي الإنترنت

حافظت MTV على مكانتها في عالم الإنترنت، فهي من أقوى العلامات التجارية على منصات التواصل الاجتماعي والأكثر تطورًا فيه.

تحتفل MTV هذه الأيام بعيد ميلادها الـ 36 في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي تأسست فيه القناة، ففي السنوات الأخيرة، تغير المشهد الإعلامي بشكل كبير، ويتعرض التلفزيون التقليدي لمنافسة شرسة من خدمات ومواقع بث محتوى الفيديو على عدد لا يحصى من الأجهزة الشخصية عن طريق الإنترنت.

وكغيرها من القنوات التلفزيونية تأثرت MTV بهذا التغير السريع في المشهد الإعلامي، فقد أعادت وسائل الإعلام الاجتماعي تعريف كيفية وصول الناس إلى المحتوى الترفيهي، كما أثرت على نوع المحتوى الذي يتم إنتاجه ولأى شريحة من الجمهور يتم توجيه هذا المحتوى.

ولكن مع ذلك حافظت MTV على مكانتها في عالم الإنترنت، فهي من أقوى العلامات التجارية على منصات التواصل الاجتماعي والأكثر تطورًا فيه. تستخدم هذه المنصات في التنقيب على البيانات، الأمر الذي يجعلها تمتلك جمهورًا يُعَد الأكثر تفاعلًا على منصات التواصل الاجتماعي، فقد كان حساب MTV على موقع إنستجرام في 2013 أول براند يكسر حاجز المليون متابع على الموقع

تتأقلم MTV مع التغييرات السريعة التي يعيشها الوسط الإعلامي في العالم، تستخدم الـ BIG DATA في تحليل البيانات واتخاذ القرارات المتعلقة بالجمهور المستهدف ونوع المحتوى المناسب لهذا الجمهور، تتطور بشكل سريع كبراند إعلامي ترفيهي وليس كقناة تلفزيونية، الأمر الذي يجعلها مستمرة بغض النظر عن الوسيلة أو الوسيط.