فرتيجو Vertigo 1958

فرتيجو .. هيتشكوك ينتصر للرومانسية في لعبة الألوان

فرتيجو .. فيلم ظاهره الإثارة وباطنه الرومانسية

رغم شهرته التي حققها كرائد لسينما الإثارة والتشويق، إلا أن ألفريد هيتشكوك صنع مجده الخاص كمخرج بانحيازه لسينما المؤلف، فلم يكن عنصر التشويق وحده هو سر نجاح أفلامه، بل كانت النصوص غير التقليدية إلى جانب حرفيته كمخرج، ما جعل منه أحد أهم مخرجي السينما.

في عام 1958 قدم لنا هيتشكوك تحفته السينمائية فرتيجو، عن رواية "من بين الموتي" للكاتب الفرنسي بويلو نارسيجاك، تدور أحداث الفيلم حول مفتش متقاعد من شرطة سان فرانسيسكو يُدعي جون سكوتي فرجنسون ويلعب دوره جون ستيوارت، مصاب برهاب الأماكن المرتفعة "أكروفوبيا"، نتيجة حادث تعرض له أثناء إحدى المطاردات التي أدت أيضًا إلى موت زميله.


يتلقى سكوتي رسالة من أحد أصدقائه القدامي وهو رجل الأعمال جافين إلستر، الذي يطلب منه مراقبة زوجته مادلين/كيم نوفاك إثر اعتقاده بأن شبح امرأة أخرى قد استحوذ عليها. يقبل سكوتي المهمة علي مضض ويبدأ في مراقبة مادلين، ولكن شعورًا بالحميمية والافتتان يتولد بداخله تجاهها، فتتحول مهمته من مجرد مراقبة مادلين، إلى محاولته إعادة التوازن إلى حياتها.

وكما منح هيتشكوك جانيت لي دور البطولة في فيلمه سايكو عام 1960 ليقتلها بعد أقل من ساعة علي شاشة السينما، تظهر كيم نوفاك في فيرتيجو بدور صامت وكأنها طيف يظل سكوتي يتبعه قرابة الـ45 دقيقة الأولى من الفيلم، قبل أن يحدث أول احتكاك مباشر بين الشخصيتين، يقع بعده كل منهما في حب الآخر.

وقد جعل هيتشكوك لمادلين ميولًا انتحارية، فكان سكوتي يحاول جعلها تتمسك بالحياة، وتتخلى عن ذلك الهاجس الذي يطاردها، إلا أن مادلين تستسلم للشبح الذي استحوذ عليها، فتلقي بنفسها من برج الكنيسة ويفشل سكوتي في منعها بسبب حالة الـ"أكروفوبيا" التي يعاني منها.

هيتشكوك والفيلم الرومانسي

مع سقوط مادلين من برج الكنيسة يضعك الفيلم في حيرة، فماذا سيحدث بعد موت بطلة الفيلم في نصفه الأول؟ إلا أن مادلين تعاود الظهور في حياة سكوتي مرة أخرى، فيصطدم هو بامرأة تشبه حبيبته الراحلة، تُدعي جودي وتلعب دورها كيم نوفاك أيضًا.

كان لتوظيف المشهد الذي تتذكر فيها جودي كيف استخدمتها إلستر ليرتكب جريمته، دوره في تحديد المسار الذي أراده هيتشكوك لفيلمه، في اختلاف عما اختاره نادر جلال حين أعاد تقديم فرتيجو للسينما المصرية عام 1979 في فيلم الوهم، حيثاحتفظ جلال بمشهد اكتشاف الحقيقة لنهاية الفيلم ليحافظ علي طابع الإثارة الذي أراده لفيلمه.

إلا أن هيتشكوك فضل أن يتخذ فيلمه جانبًا رومانسيًا إلى جانب طابع الإثارة الذي يغلفه، فوضع قصة الحب في فيلمه في المقام الأول، وقام بعرض مشهد تذكر جودي للحقيقة مباشرة بعد لقاءها بسكوتي، ليجعل من صدمة الحبيب ومتى اكتشافه كذب حبيبته هو عامل الإثارة في فيلمه.

ويظهر ذلك في كيف تخلت جودي عن فكرة الهرب وقرارها البقاء إلى جوار سكوتي مقابل أن تحظى بلحظات من الحب الحقيقي معه، حتى وإن كان ذلك قد يؤدي لاكتشاف جريمتها، وكيف جاءت أزمة جودي الوجودية لتزيح أزمتها مع إخفاء جريمتها، فهي تريد سكوتي أن يحبها كما هي، وليس لأنه يري فيها امرأة أخري، ونرى بعد ذلك كيف استسلمت هي وتخلت عن كيانها، فتركت سكوتي يغير من هيئتها ليجعلها تشبه مادلين مقابل أن تسمع جملة حب أو رضا منه.

لتجد نفسك في النصف الثاني من الفيلم وقد انغمست في عالم جودي الخاص، فتبدأ في رؤية الأشياء من منظرها، علي عكس النصف الأول من الفيلم الذي كانت أحداثه تدور من وجهة نظر سكوتي وكانت مادلين مجرد طيف يتبعه هو.

لعبة الألوان

وقد جعل هيتشكوك لكل شخصية في فرتيجو لونها الخاص الذي يعبر عنها، فربط سكوتي باللون الأحمر ومادلين باللون الأخضر، وكلما ظهرت شخصية ظهر معها اللون الخاصة بها، ففي المطعم حيث رأي سكوتي مادلين لأول مرة كان الديكور الخاص بالمكان بأكمله من اللون الأحمر وهو مساحة اللون الخاصة بسكوتي التي اخترقتها مادلين بفستانها الأخضر.

هناك أيضًا سيارة مادلين ذات اللون الأخضر وباب منزل سكوتي بلونه الأحمر. وقد يحدث أن يتبادل مادلين وسكوتي ألوانهما، ففي المشهد حيث يستقبل سكوتي مادلين في منزله لأول مرة يمنحها ثوبًا أحمر ويرتدي هو سترة خضراء. وعندما اصطدم سكتي بجودي لأول مرة كانت ترتدي ثوبًا أخضر، إلا أنها عندما أرادت أن تنخرط في حب سكوتي مرة أخرى تخلت عن ثوبها الأخضر وكأنها تنفض شبح مادلين عن حياتها، وارتدت ثوبًا أزرق.

ورغم تمسك جودي بثوب السهرة الأزرق الخاص بها، إلا أن اللونين الأخضر والأحمر كانا حاضرين على الدوام، فعند عودة جودي إلى الفندق وقد بدل سكوتي هيئتها لتشبه مادلين، تمسكت بطريقة تصفيف شعرها، يظهر ذلك التكوين حيث النافذة وقد انبعث منها إضاءة باللون الأخضر وأسفله إضاءة باللون الأحمر، وجلست جودي بثوبها الأزرق داخل ذلك التكوين وقد أظلمت الإضاءة الخاصة بها. ليأتي ذلك المشهد ليعبر عن شعور جودي بفقدانها شخصيتها وكيانها ما بين الأخضر الخاص بمادلين وتأثير اللون الأحمر الخاص بسكوتي.

وفي لحظة خروج جودي من حمام الغرفة في هيئة مادلين، تظهر جودي في الإضاءة الخضراء الخاصة بمادلين بصورة ضبابية باهتها، وتعبر مساحة اللون الأحمر المسيطرة على الغرفة بسبب وجود سكوتي بها، لتظهر أمامه وكأنها شبح قادم من العالم الآخر.

هيتشكوك وعقل المشاهد


عمل هيتشكوك على إشراك المشاهد في حل لغز الفيلم. فكانت كلمات ميدج صديقة سكوتي له في بداية الفيلم، وكيف أخبرها الطبيب أن صدمة عاطفية يتعرض لها سكوتي يمكن أن تفي بالغرض، لكن عليه ألا يصعد إلى أعلى ليكتشف ذلك.

كذلك مشهد كابوس سكوتي، فإذا تأملت المشهد مرة أخرى بعد مشاهدة الفيلم ستكتشف أن هذا المشهد هو حل اللغز، حيث يرى سكوتي صديقه إلستر والمرأة التي استحوذت على مادلين تقف بينهما، وتلك القلادة حول عنقها، وشاهد قبرها وقد انفتح ليسحبه إلى أسفل، في إشارة إلى ذلك اللغز الذي انغمس فيه سكوتي، وأثناء سقوط سكوتي تتبدل هالة اللون الخاصة به من الأحمر إلى الأخضر الخاص بمادلين والأزرق الخاص بجودي، قبل أن يسقط هو في الفراغ.

وتحولت الموسيقي التصويرية التي ألفها برنارد هيرمان لتصاحب هذا المشهد، إلى إحدى أشهر المقطوعات الموسيقية التي استعان بها المخرجون المصريون في مشاهد المطاردات في الأفلام المصرية القديمة.

واستخدم هيتشكوك الموسيقي التصويرية لتكون هي ما يعلن عن بداية ونهاية لغز فرتيجو، فكانت الموسيقي التي صاحبت دقات الأجراس المنبعثة من برج الكنيسة لحظة تتبع سكوتي لمادلين إلى داخل المقابر مع بداية الأحداث، بمثابة ناقوس الخطر لسكوتي الذي غرق مع تلك اللحظة في عالم ذلك اللغز. ليختفي ذلك الصوت ولا نسمعه مرة أخري إلا في مشهد النهاية.

أثار فرتيجو ردود أفعال متباينة لدى عرضه، ولم يحظَ بالاهتمام الذي يستحقه، ولكن لاحقًا اعتبر من العلامات الفارقة في تاريخ صناعة السينما.

معهد الأفلام الأمريكي يعتبر أن فيرتيجو هو تاسع أفضل فيلم في تاريخ السينما الأمريكية في قائمته التي أصدرها عام 2007، أما في الاستفتاء الذي تجريه مجلة "سايت آند ساوند" كل عشر سنوات وتصوّت فيه لجنة من النقاد والأكاديميين والكتاب، لاختيار قائمة أحسن عشرة أفلام فى تاريخ السينما، فقد تصدّر فيرتيجو القائمة عام 2012 متخطيًا فيلم المواطن كين للمخرج أورسون ويلز، الذي ظل على رأس تلك القائمة منذ عام 1952، والذي يتصدر أغلب قوائم أفضل الأفلام في التاريخ.

وفي عام 2013 قام مهرجان كان السينمائي الدولي بإعادة ترميم نسخة الفيلم ليتم عرضة ضمن فاعليات قسم كلاسيكيات بحضور بطلة الفيلم كيم نوفاك التي حلت كضيف شرف للمهرجان.