فيلم قمر المشتري Jupiter's Moon

"قمر المشتري".. وحكمة النظر إلى الأعلى

الناس تسير بشكل أفقي، في شبكاتهم الخاصة، لا ينظرون إلى أعلى، أنت جعلتهم يفعلون.

عن أزمة اللاجئين السوريين في أوروبا، تدور أحداث فيلم "قمر المشتري" (Jupiter's Moon)، أحد الأفلام المشاركة في الدورة الـ39 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي انطلقت فاعلياته في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري وتستمر ثمانية أيام. الفيلم يُعرض خارج المسابقة الرسمية ضمن عروض قسم "مهرجان المهرجانات"، من إنتاج مجري ألماني مشترك، وهو للمخرج كورنيل موندريزو صاحب فيلم "إله أبيض" (White God).

يُسلط موندريزو الضوء على أزمة اللاجئين السوريين ومحاولاتهم المستمرة للهرب خلال السنوات الأخيرة من جحيم الحرب في بلادهم إلى أوروبا، وكيف واجه مجتمع اليمين المتطرف النازحين الجدد إلى بلادهم بالرفض والملاحقات الأمنية، بينما غض الآخرون الطرف عنهم.

حقيقة علمية قد تكون هي مفتاح الفيلم الذي اختار له موندريزو اسم "قمر المشتري"، حيث يُرجح العلماء أن قمر "أوروبا" Europa هو أحد أقمار كوكب المشتري الصالحة للحياة. فتبدأ أحداث الفيلم داخل شاحنة مكتظة بمجموعة من المهاجرين السوريين، ويقف بينهم بطل الفيلم أريان داشني إلى جوار والده مراد، وكلاهما يتصبب عرقًا، لينطلقا بعدها في الليل مع غيرهم من المهاجرين، إلى أحد القوارب التي تحملهم إلى أوروبا.

يتابع الفيلم حكاية أريان الشاب السوري القادم من حمص، الذي يحاول هو وغيره من اللاجئين السوريين الوصول إلى المجر عن طريق صربيا، لكن ما أن يصل القارب الذي يحملهم إلى الساحل حتى ينهال عليه سيل من الرصاص. يحاول اللاجئون النجاة عن طريق السباحة والوصول إلى الشاطئ، ثم الجري عبر إحدى الغابات في محاولة مستميته لعبور الحدود، لكن تعترضهم دورية حدودية تلاحقهم في مشهد أشبه بملاحقة كلاب الصيد، وأثناء ذلك ينفصل أريان عن والده ويتعرض لعدة طلقات نارية من قبل ضابط مجري يدعي لازلو.

من خلال شخصية أريان، يستعرض الفيلم أزمة اللاجئين السوريين، موضحًا الصعاب التي تعرض لها حين قرر بدء حياة جديدة داخل المجتمع الأوروبي. فمع وصوله إلى حدود المجر، تبدأ أولى مواجهاته مع لازلو، ضابط الشرطة الذي يطلق الرصاص عليه، ويستمر في ملاحقته طوال أحداث الفيلم. يمثل لازلو الوجه القبيح للمجتمع الأوروبي في تعامله مع أزمة اللاجئين، فهو لا يكتفي فقط بملاحقتهم، بل يقوم أيضًا بإخفاء أوراق هوياتهم ليقطع عليهم أي أمل في دخول البلاد.

يلتقي أريان أيضًا بالطبيب شتيرن، الذي يتولي علاجه حين يتم نقله إلى المستشفى، وهو يتلقى الأموال من اللاجئين داخل المخيمات الحدودية ليسهل لهم دخول المستشفى، من أجل أن يتمكنوا من الهرب منها إلى داخل البلاد.

ينقل موندريزو فيلمه من القالب التقليدي الذي ربما تفرضه الفكرة عليه، إلى أحد أفلام الخيال العلمي مع الكثير من مشاهد الحركة، تجعل بطل الفيلم أريان يتغلب على أزمته حين يتحول لبطل خارق أشبه بـ"سوبرمان"، والذي ربما يشترك معه في أزمته كونه غريب قادم من (كريبتون) إلى الأرض، إلا أنه لم يحظي باهتمام أهلها وتقبلهم له، إلا حين جعلهم ينظرون إليه وهو بالأعلى. فيستيقظ أريان داخل المستشفى وقد اكتسب قدرات خارقة، تمكنه من الطيران والتحكم في الجاذبية من حوله.

يستغل الطبيب شتيرن قدرات أريان الخارقة، مقابل تهريبه من المستشفي، فيقدمه للأثرياء من المرضي باعتباره ابنه، ويعرض قدراته الخارقة عليهم، للحصول على أموالهم في مقابل حصولهم على البركة. تتضح بعد ذلك حاجة شتيرن للمال ليدفعه إلى أهل أحد المرضى المتوفين من أجل تسوية نزاع قضائي، إذ أجرى شتيرن العملية الجراحية للمريض وهو مخمور ما تسبب في وفاته.

ومع تقدم أحداث الفيلم يتحول أريان ووالده مراد، الذي حظي بخط درامي خاص به هو الآخر داخل الفيلم، من قبل وسائل الإعلام لإرهابيين، لتصبح مطارده الضابط لازلو لكل منهما أشد عنفًا، وخاصة بعد أن يفشل الأخير في إقناع رؤسائه بقدرة أريان على الطيران.


يظهر أيضًا الشبه بين أريان وشخصية سوبرمان بقوة في كثير من مشاهد الفيلم، خاصة في طريقة طيران كل منهما حين تنعدم الجاذبية، أو ظهور كل منهما في السماء تحت قرص الشمس، التي يستمد منها سوبرمان قوته، وينال أريان أمامها حريته، وقد حول موندريزو ذلك المشهد إلى تحفة بصرية تُحسب للسينما المجرية، تضاهي أفلام الأبطال الخارقين التي تقدمها هوليوود، كأفلام مارفل و DC، هذا بالإضافة إلى الحبكة القوية والقضية التي يطرحها الفيلم.

كما يظهر تأثر المخرج بفيلم Inception الذي قدمه كريستوفر نولان عام 2010، في مشاهد انعدام الجاذبية ورؤية الواقع وهو رأسًا علي عقب، وكذلك استخدامه طريقة التصوير بنظام الـone take، وهو مصطلح يطلق علي تصوير المشاهد دون قطع ظاهر لعين المتفرج، في مشاهد المطاردات في الفيلم، علي طريقة المخرج أليخاندرو جونزالس صاحب فيلم "بيرد مان" Birdman، الذي قدمه عام 2014.

ويختتم موندريزو فيلمه بمشهد لأحد الأطفال اللاجئين وهو يلعب الغمّيضة (الاستغماية) ويقوم بالعد، قبل أن يفتح عينيه قائلا: "أنا قادم سواء كنتم على استعداد أم لا"، بينما يقف الجميع من حوله وهم ينظرون إلى أعلى.

عُرض الفيلم بمهرجان كان السينمائي هذا العام، ونال اهتمام الصحافة والنقاد، ورشح للسعفة الذهبية. كما حاز الفيلم جائزة مهرجان النرويج السينمائي الدولي، بالإضافة لجوائز أخرى. وقد عرض الفيلم في أول أيام مهرجان القاهرة السينمائي بسينما أوديون بوسط البلد.