جون لينون موسيقي لم يلتفت له أحد

على الرغم من شعبية جون لينون الواسعة، إلا أن لم يتم الاهتمام بموسيقاه، والجذور التي استقى منها هذه الموسيقى.

في أغسطس/آب 1969، سجل فريق بيتلز الإنجليزي، الأغنية الثامنة من ألبوم Abbey Road، الذي صدر في سبتمبر/أيلول من نفس العام؛ أغنية Because، التي كتبها جون لينون. جاءت الأغنية هادئة، وغريبة عن الشكل المعتاد لأغنيات البيتلز، فهي أقرب إلى بينك فلويد منها إلى البيتلز.

استوحى لينون الأغنية عندما استمع إلى يوكو أونو، وهي تلعب "سوناتا ضوء القمر" لبيتهوفن. يقول لينون أنها في الواقع سوناتا، ولكن لُعبت مقلوبة. يقول تيرانسي أوغرادي، في كتابه The Beatles, a musical evolution، أن الأغنية تشبه الحركة الأولى لسوناتا بيتهوفن، في بعض الجوانب، ولكن هناك مصدر آخر استوحى منه لينون إلهامه.

نجد تشابهًا كبيرًا بين أغنية جون لينون، وبين الحركة الثانية "Adagio Molto - Ubriachi Dormienti"، من قسم الخريف، من كونشرتو The Four Season للموسيقار الباروكي الإيطالي أنطونيو فيفالدي. ويكمن التشابه في استخدام البيتلز آلة الهاربسيكورد. وآلة الهاربسيكورد هي ألة قديمة كانت تستخدم في الفترة ما بين الـ 1500 و 1800، إلى أن حلت آلة البيانو محلها.


في Because، نجد جورج مارتن، يعزف أصوات هاربسيكورد إلكترونية. يبدو واضحًا في هذه الأغنية تأثر جون لينون بالأعمال الكلاسيكية، فالأغنية ليست مجرد سوناتا مقلوبة، بل هي أكثر من ذلك، بسبب وجود آلة الهاربسيكورد.

كان جون لينون يميل بقوة لعفوية موسيقى الروك وإيقاعاتها وموسيقى البلوز.

الغريب هنا أن في هذا الألبوم تحديدًا، كان لكل من بول مكارتني وجورج مارتن خططًا تتعلق بإصدار ألبوم يؤسس لما قد يدعى "سيمفونية البوب"، وهو شكل يجمع بين أشكال وقوالب موسيقى البوب مع الموسيقى الكلاسيكية، بحسب ما كتبه تيم رايلي في كتابه Tell Me Why. لكن كان لجون لينون رأي أخر، فهو يريد التعمق أكثر في اتجاه موسيقى الروك الثقيلة. وخرج الألبوم أقرب للروك منه إلى "سيمفونية البوب"، رغم توجه لينون إلى الموسيقى الكلاسيكية في أغنية Because.

كان جون لينون يميل بقوة لعفوية موسيقى الروك وإيقاعاتها وموسيقى البلوز. يبلغ هذا التوجه أوجه في ألبومه المنفرد "Rock n Roll"، الذي صدر عام 1975، والذي سمعنا فيه لينون يغني لجين فنسنت وتشاك بيري. لم يكن هذا الاتجاه واضحًا، بهذا الشكل القوي، إلى ما بعد منتصف الستينيات، إلا أنه كان هناك ملامح تُنبئ بتوجه لينون لهذا الاتجاه. ففي عام 1963، وأثناء تسجيل أغنية "Don`t Bother Me"، استطاع لينون أن يضع لمسته على لحن جورج هاريسون، بجعله ثقيلًا عن طريق تشويه أصوات الجيتار. يقول والتر إيفرت في دراسته عن موسيقى البيتلز The Future of Beatles Research، أن جورج مارتن لم يكن سعيدًا بهذه الإضافة، وطلب من جون ومن مهندس الصوت أن يفعلوا شيئًا حيال هذا التشويه، وبحسب والتر إيفرت استخدم جورج هاريسون هذا التأثير فيما بعد.


في عام 1963، صدرت أغنية Stewball، لمجموعة الفولك الأمريكية بيتر، بول، وماري؛ أغنية شعبية أمريكية. بعدها بعشر سنوات، أصدر جون لينون أغنية الكريسماس الشهيرة Happy Xmas، تحديدًا في عام 1972. هل تلاحظ معي التشابه الواضح بين الأغنيتين؟ ينقلنا هذا التشابه إلى العناصر التي يجلبها لينون ليستخدمها في أغانيه، وهي موسيقى الروك والبلوز، اللتان تستمدان ألحانهما كثيرًا من الموسيقى الشعبية الأمريكية، حتى في مجال موسيقى الفولك نفسه، نجد اللحن يعاد إنتاجه مرات كثيرة بكلمات مختلفة.


لم يلتفت أحد إلى تحليل موسيقى لينون، ورصد تحولاتها، والمصادر المتعددة التي استلهم منها جون لينون موسيقاه.

على الرغم من شعبية جون لينون الواسعة، إلا أنه لم يتم الاهتمام بموسيقاه، والجذور التي استقى منها هذه الموسيقى. كان قادرًا بشكل مذهل على التجربة، ليس فقط في الكلمات والألحان، ولكن في دمج الأشكال الموسيقية المختلفة، واستخدام التكنولوجيا. ولقت أعماله التجريبية نجاحًا فنيًا وتجاريًا، وساهمت موسيقاه بشكل مباشر في تطور الموسيقى الشعبية الغربية.

اهتم الجمهور والنقاد بكلمات أغاني جون لينون أكثر من موسيقاه. وتكلموا كثيرًا عن نقاط التحول في كتابات جون لينون، وعلاقة هذه التحولات في أغنيته بالأحداث السياسية والاجتماعية عالميًا، والتي تزامنت مع هذه التحولات. ولم يلتفت أحد إلى تحليل موسيقى لينون، ورصد تحولاتها، والمصادر المتعددة التي استلهم منها جون لينون موسيقاه.