وجدي الكومي يبني لشخصياته المهزومة بيوتًا بشوارع السماء

في قصة "كاتب قصص الجنود"، ينتصر وجدي الكومي للحكاية، فبطل قصته يوثق الحكايات، التي من الممكن التستر عليها، أو تزييفها عبر وسائل الإعلام أو في التقارير الرسمية.

في مجموعته القصصية "شوارع السماء" الصادرة عن دار الشروق، ينتقل وجدي الكومي عبر واحدة وعشرين قصة، بين الواقع والفانتازيا، بين الأرض وما بها من عبث وظلم، وسماء تمنح رحلة سحرية لساكنيها، بين مهمشين تضغط عليهم الظروف الاقتصادية يكافحون للعيش وسط عالم سريع يخنقهم بحداثته وجشعه الاستهلاكي، وبين رومانسيين يحلمون بعالم أفضل.

يستهل وجدي الكومي المجموعة بمقولة للشاعر الفرنسي، صاحب ديوان أزهار الشر، شارل بودلير "لرفع عبء ثقيل يا سيزيف، يحتاج المرء إلى شجاعتك! وحتى لو امتلك الجسارة في العمل، فالفن طويل والزمن قصير"، وكأنه يشرك القارئ في معاناته ككاتب وإنسان، يفرغ ألمه وهواجسه عبر القلم، الذي قد يجلب له العديد من المشكلات، فيحتاج إلى شجاعة، برغم أن قدرة الكتابة على التغيير أمر مشكوك فيه، فيشعر بلا جدوى ما يفعله، وكأنه سيزيف.

وكذلك فتحقيق الفرادة في الكتابة، ونيل لقب مبدع، أو كاتب يستطيع التأثير في قارئه عبر الكلمة، وفي مسار الكتابة نفسها، عبر كيفية استخدام الكلمة من أدوات الكتابة، هو شبح مسلط على كل من يؤمن بقداسة فعل الكتابة. فيسرب وجدي الكومي عبر أبطال قصصه مشكلات الحرية والتحقق والحداثة والفشل على كل المستويات.

"لا تقل لي إنك لا تعرفه، قطعًا قرأت حكاياته أو سمعت عنها، هو لا ينشرها أبدًا، وإلا تم اتهامه بخدش الحياء العام أو بازدراء الأديان، حكاياته شفاهية ومتداولة، تحكيها عنه الجدات للأحفاد، حاضر دائمًا بجسده، هنا وهناك، ستلتقيه حتمًا ..."

في قصة "كاتب قصص الجنود"، ينتصر وجدي الكومي للحكاية، فبطل قصته يوثق الحكايات، التي من الممكن التستر عليها، أو تزييفها عبر وسائل الإعلام أو في التقارير الرسمية، يشدد على ألا ينقل سامعوه هذه القصص للآخرين، وهو يعلم أنهم سيحكونها؛ معتمدًا على غريزة الإنسان للحكي، ونقل المعرفة، ومجابهة سلطات المجتمع المختلفة، عبر الحكاية المتوارثة، التي تشكل تاريخًا موازيًا للتاريخ الرسمي، وضميرًا جمعيًا يروى ما حدث حقيقة.

"بالأمس كنا نراجع قائمة المشتريات التي سنتحرك لشرائها بمجرد تسلمنا كارت الفيزا، حياتنا لم تكن فقط تتمحور حول الخوف من الجارة الجائعة، بل كانت تتخطى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حياتنا تتمحور حول شراء كل شيء خلال الأوكازيون، شراء ما نستطيع أن نحصل عليه في مواسم التخفيضات، مغامرة دائمة ومستمرة مع الأوفرز، ما أن نرى كلمة Sale في أي مكان حتى نهرع بشراهة إلى أبواب المحلات لجني أفضل الصفقات".

في عالم تسوده شركات تدفع كل شيء وكل قيمة، في سبيل التأثير على مستهلك محتمل لشراء منتجاتها، فترعى المسلسلات والبرامج، التي تتحول إلى فواصل بين المادة الأساسية وهي الإعلانات، وتستخدم علم النفس عبر إشعار المستهلك بأنه يجب أن يتسابق لربح صفقة عبر شراءه منتجاتها –التي قد لا يحتاجها- ذات الأسعار المخفضة، خلال فترة زمنية محددة، يجد رجل الأوكازيون نفسه وكأنه آلة للشراء واستهلاك ما اشتراه من منتجات، ويصبح قياس التحقق من خلال ما يمتلكه الإنسان من هذه المنتجات؛ مساحة شاشة التلفزيون؛ عدد برامج الغسالة .. إلخ، مما يفقده إحساسه باحتياجاته الحقيقية، في وسط هذا الماراثون المزيف، بل يدخله في طاحونة ينسى معها مشاعره نحو أقرب الناس إليه. وتتحول الالتزامات والمسئوليات، في ظل تجاهل وتراخى نظام ودولة في توفير احتياجات مواطنيها، إلى عقدة دائرية حول عنق بطل قصة "الطريق الدائري" لتشنقه. أو تتحول هزائمه المتتالية إلى كرات من البطاطس، تلتصق بجسمه فيغرق في وحل المجارى المحيط بمنزله، فاقدًا آخر ما يمتلكه من نقود كما في قصة "رجل البطاطس في المساء".

وبالتأكيد لا ينسى وجدي الكومي متاعب مهنة الصحافة والتي ظهرت في العديد من القصص "قطرتا ماء وصنبور"، "تكدير"، "كاهن المعبد العجوز"، و"موت رجل المنجنيز".

"قربت مني زجاجة الماء، وصببت الماء، ورفعت الكوب إلي فمي، فوجدت في قعره شبح أدهم، سمعته يهتف تجاه فمي، ويرفع كفيه نحوي قائلًا: إنت بتشرب، وأنا عطشان، وغرقان في مجاري".

من خلال القصة القصيرة والرواية، تستطيع استنطاق الجانب الآخر من الحكاية، تستطيع أن تجعل البطل المضاد يتكلم، قد يدافع عن نفسه، يكشف عن إنسانيته بخيرها وشرها، بفضيلتها وخطيئتها، بعقلها وجنونها. في قصة "قمر يتدلى من مشنقة" نتعرف على التاجر الثري الذي تحول إلى آلة حاسبة تعبد الأرقام، ولكن يؤرقه مشهد البواب وهو يغرق في مياه الصرف المتسربة إلى حجرته.

أما في قصة "الرجل الذي يدخر البكاء" فلعلمه بوحدته ولامبالاة مجتمع، سحقت الماديات مشاعره وأخلاقه، يجمع الرجل العبرات الصادقة ليحتفظ بها، لتبكيه وقت موته. وفي قصة "المجنونة صاحبة السطوة" نجد الخوف وفي الوقت نفسه حسد أبطال القصة للمجنونة، التي تستطيع بحريتها خارج حواجز العقل، أن تصبح مسيطرة على الآخرين.

وفي قصة "المهاجر وأبو الهول" يعتمد وجدي الكومي على حادثة حقيقية، حيث تسبب سائق أجرة مصري، مهاجر للولايات المتحدة، في مقتل الحائز على جائزة نوبل للرياضيات جون ناش، ليدافع عن نفسه وكيف أنه ضحية ظروف دفعته خارج بلاده، وكيف لحادثة قد تتكرر آلاف المرات عبر العالم، كاختلال عجلة قيادة سيارة، أن تجعله مثارًا للسخرية والإدانة وكأنه نموذج للفشل، بل تتزاوج الواقعة الحقيقية مع الفانتازيا، من خلال أبي الهول، الذي يستعد أيضًا لمغادرة البلاد.

"أمرَ من تبقى من رجاله بألا يتقدموا، ظهر عجوز محني وسط رؤوس الدمامل المتناثرة، خاطب القائد بقوله: اطلب منهم أن يرسلوا فلاحين ليزرعوا الأرض، ونساء لينجبن أطفالًا، وعمال مناجم ليحفروها، هذه الأرض لا تنجب سوى القصدير والنحاس، وفي بطنها مسوخ، وعلى سطحها دمامل متقيحة كما ترى، والوادي سئم من تجبركم وصلفكم، وقرر أن يرفع ظلاله عنكم. قال القائد بكبرياء وعتو: أنا أعلم ما لا تعلمون، سندهس الدمامل، سنزيل الصديد، سنصلحها بطريقتنا".

يمكن اعتبار العديد من قصص المجموعة صرخة ضد الحرب والقتل والسجن ونداءً للحرية، حرية الإنسان في أن يعيش إلى جانب الإنسان، دون حاجة لاستغلاله أو قتله، لاختلافات على أساس الدين أو الهوية أو العرق. لا مبرر لحرب تأكل البشر وتستنزف مواردهم، في دوامة تصم البشرية بالعار والعبث والجنون.

في قصة "أرض الدمامل" يتمرد الوادي على ما يحدث به، فتسود الدمامل والصديد. وبالرغم من عرض الحكيم لحل لها، وهو الزراعة والتنمية، إلا أن عناد القائد يجلب المزيد من الضحايا.

أما في قصة "تأكل النسور من رأسه" فنجد من يحرص على الحياة أو حتى على الموت ببدن لا يتحول إلى أشلاء، لا تتمكن ابنته من تقبيل وجهه، أو أن تتعرف زوجته على جثته، يعرف أنه سيُتهم بالجبن، في مهنة شرفُها الشجاعة، ولكنه يعلن عبثية الصراع، الذي يسرع من وتيرة منجل الموت، ليحصد رقاب الجميع. أما في قصة "فتى القمر" فيعجز الأب عن إنقاذ ابنه، الذي حاول أن ينجح في اقتناص حرية وحياة كريمة، فشل أبوه في المطالبة بها.

"قسم السماء شوارع، واختار منها شارعين، وبنى على ناصيتهما بيتًا كبيرًا واسعًا، وسكب في شوارع أخرى مياه البحر الكبير الذي كان يحلم بتخطيه إلى القارة المقابلة... أخذ يعد العدة للقادمين، الضحايا الذين سيجدون أنفسهم عما قريب وحيدين في البحر المظلم، بنى لكل منهم بيتًا، زودهم بأدوات العمل، وبذور لزراعة فدادين شاسعة في السماء، تحولت السحب بفضل جهوده إلى قطع خضراء متجاورة، هي الآن أفضل مما كانت من قبل".

وبعد أن ضاقت الأرض بشخصيات مجموعته القصصية، ينتصر وجدي الكومي لها في السماء، فيمنحها الرضا والسكينة والعمل والبناء والدهشة، عبر رحلة يجوبون فيها الفضاء، ويمسكون بالشمس، فتمنحهم النور والدفء، ويمدون أذرعهم إلى كل من عانى في الأرض، ليتخلص من أثقاله وبرده وحزنه، في عالم لا ظلم فيه ولا حاجة.

"كان أكبر هاجسنا، ماذا سيفعل طوال فترة يومه الدراسي الأول؟ كنا نخشى عليه من الوحدة، ومن زملائه الأطفال في المدرسة، وكنا نخشى عليه أيضًا من قهر المدرسين له، ومنعه من اللعب، كنا نخشى عليه من الانتظار الطويل، وكنا نشعر بضيق في انتظاره، لكننا لم نتوقع أن يتحول انتظارنا له في يومه الدراسي القصير، إلى انتظار كبير، ظللنا ننتظره طيلة عمرنا، حتى رحلت أمه وظللت وحيدًا أنتظره".

بالرغم من اهتمام الكتاب والنقاد بالحديث حول التجريب والتجديد، وتفنيدهم للنصوص من تركيب للجملة أو عمل على اللغة، أو استخدام تقنيات كتابة مختلفة، أظل - مع تقديري لهذه النقاط - أحب القصص التي تنبض بالإنسانية القادرة على لمس القلوب وتحفيز العقول. تلك القصص التي لا تتركنا في نفس الحال قبل قراءتها، تلك القصص القادرة على إيجاد المشترك دون الاستقواء بزخارف الكلمات أو المعمار الضخم.

في قصة "قصة قصيرة كتبها أبي" نجد الأب يحادث ابنه في التليفون ليقص عليه قصة قصيرة كتبها ونجد الابن منشغلًا في دوامة الحياة من متطلبات أسرية إلى انشغالات الوظيفة، وأحيانًا الهروب إلى اقتناص ساعات على المقهى مع الأصدقاء. وضمن هذا الروتين تكون مكالمة الابن للأب بأسئلة مكررة روتينية فقدت معناها، لنكتشف أن قصة الأب تدور حول الابن، الذي وهب الوالدان حياتهما لراحته ليتركهما في النهاية في وحدتهما الطويلة.

آثرت الحديث عن هذه القصة في نهاية المقال، بالرغم من أنها القصة الافتتاحية بالمجموعة، فبعد قراءتها لم استكمل المجموعة في وقتها بل أغلقت الكتاب، ترحمت على أبي، واتصلت بأمي على التليفون محاولًا إيجاد أسئلة غير روتينية تستطيع أن تشعر من خلالها بامتناني وتقديري لما قدمته وما زالت تقدمه، وأنظر إلى أولادي متمنيًا ألا تبتلعهم طاحونة الحياة السريعة بعيدًا عني.