أعظم رجل استعراض.. صناعة البهجة وتجلي الغرابة

إنه فيلم ساحر يتحقق فيه قول فينيس تيلور بارنوم نفسه في كتاب تضمن سيرته الذاتية حينما قال "إن أنبل فن هو فن إسعاد الآخرين،"

ليس دوره في فيلم "أعظم رجل استعراض The Greatest Showman" هو التجربة الأولى التي يخوضها الممثل الأسترالي هيو جاكمان في الغناء، فقد فعلها من قبل، حينما نال عن دوره في الفيلم الغنائي "البؤساء Les Miserables" المأخوذ عن رواية فيكتور هوجو، جائزة جولدن جلوب، كأحسن ممثل عن دور رئيسي لعام 2013. هنا يفعلها للمرة الثانية، وبأداء مغاير أكثر إيقاعًا وحيوية. منحته الطبيعة المرنة للدور الذي يلعبه القدرة على استعراض مهاراته المتنوعة كفنان شامل.

سبع سنوات من الشد والجذب، والفكرة معلقة تنتظر التنفيذ. منذ التقى مع مخرج الإعلانات المتميز مايكل جريسي Michael Gracey وتوافقا معا حول هذا الفيلم كهدف. ثمانية أشهر استغرقوها لإعداد عناصر الفيلم؛ بدءًا من شركة الإنتاج وحتى طاقم الممثلين. معوقات كثيرة كانت تهدد مشروع الفيلم بالفشل والتأجيل، منها إصابة هيو جاكمان بسرطان في الجلد، واحتياجه لفترة علاج طويلة، كانت تمنعه عن الأداء الصوتي المطلوب لإنجاز تسجيل الأغنيات الرئيسية للفيلم، وفق تحذيرات الأطباء. لكن ومع البروفة الأولى، انطلق نشيطًا بطاقة حماسه المعهودة، كأنه يستعيد روح لوجان في سلسلة "أكس مِن X-Men" الشهيرة، لكن تلك المرة في صوته، لتبدأ العجلة في الدوران، ويتكلف إثر تلك المجازفة نزيفًا أنفيًا وعملية جراحية جديدة.

تلعب هنا التفاحة دورها الموروث في الغواية من جهة، ودور الرغبة في استكمال الحياة بشكل مفارق من جهة أخرى.

ترتكز القصة، التي كتبتها جيني بيكس Jenny Bicks، على أحداث واقعية مرت خلال القرن التاسع عشر، ومع اللقطة الأولى تتسلط الأضواء على رجل السيرك الشهير، الذي أثار صخب وجوده جدلًا واسعًا وحراكًا في عالم الفن، ب. ت. بارنوم P.T Barnum (هيو جاكمان)، وهو يغني مقدمًا عرضه الضخم أمام جمهور عريض. ابن الخياط الأوربي الفقير، الذي عانى من قسوة أبيه الذي ما إن توفاه المرض حتى ضل بارنوم الصبي طريقه وحيدًا؛ يحتال للحصول على قطعة خبز ليعيش. وحين انعدمت السُبل تأتيه "تفاحة" من يد أحد "المشوهين" في الشارع مع ابتسامة ودودة.

تلعب هنا التفاحة دورها الموروث في الغواية من جهة، ودور الرغبة في استكمال الحياة بشكل مفارق من جهة أخرى. وذلك بالتوازي مع ظهور الرحلات، التي تبشر بالأرض الجديدة الأمريكية -قارة الأحلام وأرض الطموحات. ويأتي قرار الرحيل كأنه يشير من طرف خفي إلي رسالة سيجموند فرويد، التي ضمنّها في كتابه "الحضارة ومنغصاتها" حينما قال "ما الذي يطلبه الناس من الحياة، ويودون تحقيقه فيها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال جلية بحيث يصعب الشك فيها ... فالناس يكافحون من أجل سعادتهم، والبقاء على هذا النحو دومًا". وذلك كان دأب بي. تي. بارنوم: مطاردة السعادة. لكن حبه لابنة الرجل الأرستقراطي المتعجرف يدفعه للعودة إلى أوروبا وتجديد عهده القديم لحبيبته بحياة "ساحرة"، مما يجعلها تترك منزل أبيها المتغطرس وترحل معه إلى نيويورك، راضية بأقل القليل مؤمنة به وبقدرته على تحقيق السعادة لها ولغيرها. ذلك "الخيال" الذي رأته جامحًا في شخصيته صبيًا وشابًا، والذي خلخل لديها تلك الصرامة والاستاتيكية في حياتها. لكن هل يستطيع الخيال الانتصار على معطيات الواقع؟

هيوجاكمان

كان الفرنسي رينيه ديكارت يرى أن الجمال نسبي. وعلى أساس قاعدة كتلك كان بارنوم يقنع عارضيه المرتبكين ويحفزهم في مواجهة الجمهور، حين يقول لهم "إنهم لا يفهمون الآن. لكن سيفهمون لاحقا".

في أحد مشاهد الفيلم، يرى بارنوم من نافذة عمله مقابر تمتد أمامه جانب شركة مقابلة لشركته، يتراص فيه العمال جنبًا إلى جنب كآلات، في إحالة للموات الذي يعانيه كموظف يود الفرار لعالمه الخصب الحالم. وباستخدام أوراق شركته -التي أعلن صاحبها إفلاسها في ذات اليوم- ينجح في إقناع البنك بالحصول على قرض لعمل متحف لتماثيل الشمع. للأسف لم يغر هذا الناس بزيارته ودفع النقود وقطع التذاكر كي يستمر. ووفقًا لما نبهته إليه ابنتاه "لا بد أن تكون للأشياء روح وحيوية، لا بد من وجود حركة." وفي لحظة يرى التفاحة، ويتذكر ضحكة المشوه، فتلتمع فكرة ويبدأ بحثه الحثيث في كل مكان عن الغرائب، أشخاص فريدة، مخيفة، تثير العجب وتسترعي الاندهاش.

كان الفرنسي رينيه ديكارت يرى أن الجمال نسبي. وعلى أساس قاعدة كتلك كان بارنوم يقنع عارضيه المرتبكين ويحفزهم في مواجهة الجمهور، حين يقول لهم "إنهم لا يفهمون الآن. لكن سيفهمون لاحقًا". يمكن لهذا أن يتماشى مع قول الفيلسوف الألماني فريدريك شيلينج عن الغرابة "هي كل شيء كان ينبغي أن يظل خفيًا وسريًا، لكنه، مع ذلك، يتكشف ويتجلى ويظهر". وهكذا اعتمد مسرح بارنوم وعروضه على الكشف وتعرية الحقيقة، التي يغض الجميع الطرف عنها، وربما تُخجل أصحابها أنفسهم بذات القدر.

تتفجر البهجة وتتوالد الألوان الصارخة لتتخذ مساحتها على الشاشة؛ ألعاب بهلوانية؛ شعلات نار؛ حيوانات تمارس ألعابها، وسَحَرة، غريبو أطوار، ولاعبو ترابيز مهرة. تنسجم كل تلك التفاصيل وسط موسيقي رائعة برع فيها كالعادة الثنائي بينج باسيك وجاستين بول، اللذان استحقا جائزة الجولدن جلوب لعامين متتاليين 2017 عن فيلم "لالا لاند" وعام 2018 عن فيلمنا "The Greatest Showman."

كل هذا النجاح لم يكف بارنوم، خاصة مع الانتقادات الشرسة التي قادها الناقد جيمس جوردن ضد مسرحه، مما يدفعه للمسرح الجاد باحثًا عمن يدعم عروضه، وينجح في عقد صفقة مع الممثل الشهير كارليل، الذي يبدأ معه في التنقل خطوة خطوة نحو مجتمع الصفوة، إلى أن يحظى بمقابلة ملكة إنجلترا، في دعوتها للتعرف عن سيرك الغرائب عن قرب.

في الحفل الملكي يقابل الفاتنة، التي قامت بدورها ربيكا فيرجسون، جيني ليند، مغنية الأوبرا التي اكتسحت شهرتها كل أوروبا، لينجح في استمالتها بجواب ذكي لسؤالها عن سر رغبته التعاون معها، دون حتى أن يسمعها، أو يفهم فنها الرفيع، فأجاب "يأتي الناس لي للاستمتاع بالخدع، وأريد الآن أن أقدم لهم شيئًا حقيقيًا". وذلك ربما نعتبره التحول الأهم في سياق الأحداث؛ فحينما تجتمع عدة متطلبات للإنسان لإدراك السعادة، فربما تتضاد معًا حد التناقض بسبب كثرتها، ومما لا شك فيه أن وجهة نظر الفيلسوف اليوناني جورجياس بأن "السعادة تتحقق حينما تحصل على أي شيء تريد". ستتسبب في بزوغ الصخرة التي ستتحطم عليها تطلعات بارنوم، كلما تعارض فعله مع قول أفلاطون بأن "السعادة تحدث حينما يتم التناغم بين ما يرغبه الإنسان وما يحتاجه بالفعل"، أو كما نصحته زوجته التي أدت دورها الممثلة الأمريكية ميشيل ويليامز "لا داعي لأن يحبك الجميع، يكفيك بعض الطيبين".

جيني ليند

تنطلق الأحداث لمناطق ذروة يشتبك فيها عالماه المتضادان ويحطما بعضهما الآخر. وتنهدم الجدران فوق رأسه. فهل أستطاع استعادة ما فقده؟ أم أن تلك هي النهاية؟

قرض أكبر يحصل عليه، في مقامرة كبرى لبلوغ أقصى مطامحه، كي يستطيع عقد اتفاق لترويج حفلات جيني ليند في العالم. نجاح كاسح يُخضع الجميع، ويقفون للتصفيق له وتحيته بحرارة، فها قد امتلك الضدين؛ إدهاش العوام بالغريب، وإشادة الصفوة بالراقي؛ إرضاء البروليتاريا التي خرج منها، والأرستقراطيين الذين تعالوا عليه إلى أن أصبح كواحد منهم، حتى الناقد جيمس جوردن، يمتدح نجاحه، في نفس الصحف التي هاجمه فيها. وتنطلق الأحداث لمناطق ذروة يشتبك فيها عالماه المتضادان ويحطما بعضهما الآخر. وتنهدم الجدران فوق رأسه. فهل أستطاع استعادة ما فقده؟ أم أن تلك هي النهاية؟ ذلك ما ستعرفه بمتابعه الفيلم المبهج الذي انتجته شركتي "فوكس" و "سي. إي" بتكلفة قدرها 84 مليون دولار.

يضعنا السيناريو، الذي شارك في إعداده بيل كوندون، أمام مساحات سردية وفكرية ضاعت دون استثمار، ففكرة الفكاهة كمثال، والتي يُعَرفها قاموس "وبستر" بأنها "الحس الخاص المتعلق بإدراك التناقض في المعنى، وإنها تتعلق بالملكة العقلية الخاصة بالاكتشاف والتذوق للأمور المضحكة أو العناصر اللا معقولة في الأفكار والمواقف والأحداث والأفعال،" تتطابق إلى حد بعيد مع مضامين الفيلم، نضيف أيضًا بأن الرأي الغالب في مفاهيم علم النفس الحديث يتفق في النظر إلى الفكاهة من حيث اعتبارها أحد أهم أساليب المواجهة التي يستعين بها الإنسان للتغلب على بعض آلامه النفسية. لكن حتى هذه المساحة لم تستغل الاستغلال الجيد، فكان يمكن الخروج من التعامل مع كل هذا التنوع والعشوائية وثنائيات المعنى وضده، بتعميق أكثر لأزمات الأبطال فيه، وتوريط المشاهد مع الأحداث والصراع، في اشتباك أكثر جدية مع تفاصيل البنى المجتمعية، ككنز لتحليل مفردات هذا العصر. كان يمكن للسيرك أن يكون حقًا منطقة "احتفاء بالإنسانية،" حتى الاشتغال على فكرة "غريبي الأطوار،" لم تصب هدفها، لكونهم لم يعدوا أن يكونوا بيادق شطرنج هامشية في رقعة متسعة.

لم تكن حركة الكاميرا والزوايا المُلتقط منها المشاهد، رغم تنوعها، حركة نابهة أو تبشر بطابع فريد لمخرج عبقري، قدر ما تضعه في مصاف المجتهدين.

Keala Settle

لا يمكننا إنكار أن التجربة الأولى لإخراج فيلم طويل ليست بالسهلة؛ فمخرج الإعلانات مايكل جريسي، الذي أخرج هذا الفيلم، لم تكن تجربته ساطعة أو صاروخية الانطلاق، بقدر ما كان فيها من اجتهاد واضح، وتمهيد لأرضية فنية، وسعي لإبراز البهجة واللعب على العاطفة بزخم الألوان والأضواء والأصوات والإيقاع المتسارع. مع الإشادة بالبطولة الرئيسية للموسيقى والغناء والاستعراض المُعتنى بإبرازه عناية فائقة. فلم تكن حركة الكاميرا والزوايا المُلتقط منها المشاهد، رغم تنوعها، حركة نابهة أو تبشر بطابع فريد لمخرج عبقري، قدر ما تضعه في مصاف المجتهدين، ففيلم بكل هذه الدقائق الصغيرة، ربما كان يحتاج لخبرة حرفية أكثر أو ربما ألمعية.

برع طاقم التمثيل، وعلى رأسهم هيو جاكمان، بأداء متقد، نال عنه ترشحًا لجائزة الجولدن جلوب لهذا العام. بينما كان الأداء الصوتي لكيلا سيتيل للأغنية الرائعة "هذا أنا"، أحد أعمدة نجاح هذا الفيلم، الذي يجبرك على الانغماس معه والشعور بجموح وتشعب وجمال تفاصيله والإحساس بذلك الوهج المشحون به. إنه فيلم ساحر يتحقق فيه قول فينيس تيلور بارنوم نفسه في كتاب تضمن سيرته الذاتية حينما قال "إن أنبل فن هو فن إسعاد الآخرين،" وأيضا يتفق مع مفهوم الكاتب الفرنسي رابليه عن الفكاهة بأنها رسالة اجتماعية مقصود منها إنتاج البهجة. فتحية لصناعها عبر التاريخ.