الصورة من صفحة شرطة الأخلاق

من القمقم إلى الشارع.. كيف بدأ السؤال عن الأخلاق؟

لا يمكن للأفكار الدوران في فلك معتنقيها فقط، لا يدركون مدى اقتناعهم بأفكارهم إلا لو اصطدمت بأفكار مخالفة لها. لقد انقسم من خرجوا في يناير إلى جماعات بعدما انتقلت عدوى الحدث تدريجيًا من الشارع إلى محل التاريخ، وانطرحت جميع الأفكار تحت ميكروسكوب لا يرحم- اسمه الجمهور.

لا يحتاج المتابع للجدل الدائر في مصر، الآن، ولعدة سنوات مضت، أن يلاحظ اتساع النقاش حول سؤال "الأخلاق"، وما يجوز وما لا يجوز. لكن الجدل الأكثر اتساعًا الآن صار نحو مناطق شائكة: جدل على أرضية جيليه وجندرية وسياسية وفكرية.

يكفي متابعة نسب الميمز والكوميكس والفيديوهات الساخرة التي تتناول ظاهر الحديث عن "الأخلاق" بجانب تناولها للأحداث الجارية.

يعرف من عاش في مصر في عقدي الثمانينات والتسعينات كيف كانت طفولتنا وشبابنا كأبناء للطبقة المتوسطة: قناتان في التليفزيون تتناوبان على عرض البرامج والأفلام والأغاني المحلية، جمعيات خيرية إسلامية، ودعاة قدامي وجدد يشغلون الفضاء الإعلامي بكثافة متزايدة، ويذهبون لبيوت الطبقات العليا لتدريس الدين، والفنانات المعتزلات عدّلوا عن اعتزالهم لتقديم "فن نظيف"، بنات مهووسات بمتابعة عمرو خالد لا يصافحن أولاد مقصّرين بناطيلهم ومطلقين لحاهم، وعائلات تعود لله في صورة حج وعمرات لا تنتهيا، استبدل السبوع بالعقيقة، وصرنا نبصق على المسيحيين في الشوارع.

اقرأ أيضًا: "أنا صايم يا آنسة".. شارع "المتدينين" يعادي النساء في رمضان

أيا ما كان موقعك الآن من كل هذا، فقد عشت طفولتك والقسم الأكبر من شبابك في هذا الوضع المغلق. ثم انتبهت في بداية الألفية أن العالم قرية صغيرة من خلال الإنترنت بعد عقدين كاملين من الانغلاق. كل ما حدث لبلد يغلب على تعداده السكاني شباب تحت الثلاثين كان ضاغطًا بدرجة لا تحتمل عليه فاحتاج لصرخة للاعلان عن وجوده.

جاءت الفرصة في صورة حدث سياسي سنختلف حوله حتى نموت، لأننا غالبا سنظل نحيا عمرنا بين تداعياته. أعترف شخصيًا أني لم أشارك إلا نادرًا في كل الفعاليات السابقة ل25 يناير، بل وقاطعتها برغبتي بعد عدة مشاركات. ولكن في اليوم نفسه دفعني للخروج هذا الشوق بالتحديد لأن أكون في الشارع، شعور مفعم بالقرف من حياة ماضية دارت بين الجدران.

مساهمات ثقافة الميمز للسخرية من التشدد الديني

الأمر لا يتعلّق بثورة ذات طابع سياسي، تغيّر نظامًا وتأتي بنظام. على العكس، كل ما ظهر على سطح هذا الحدث من "طموح سياسي" لم يتحقق منه شيئًا، ولا حتى تمخّض عن كيان سياسي واحد يرث طموحاته. فلم يبق منه غير الصراع الحقيقي الذي ندور في دواماته منذ بدايات القرن الماضي؛ صراع قوى الواقع الموجودة على الأرض: الدولة المصرية وتيار الإسلام السياسي.

الحدث الأبرز في رأيي هو ما تعرضت له تلك الكتلة التي خرجت منذ 25 يناير 2011 في اشتباكها اليومي مع الشارع والمجال العام، حتى وصلت لنهاية ما خرجت من أجله ولو ظاهريًا. تفككت هذه الكتلة لتثير جدلًا ربما فاق دراما أحداث يناير. هذه الكتلة التي تشكلت أغلبيتها من أجيال ولدت في الثمانينات والتسعينات لطبقات متوسطة، تعرّضت لهواء الشارع.

كتلة صغيرة عدديًا في خضم حدث أكبر من قدرتها على الاستيعاب؛ ظنت أنها عند نهاية الخط، ستحدث تغييرًا ضخمًا، تمتلئ بغرور الشباب والقوة، لكنها تمتلئ بمعتقداتها الساذجة أيضا عن نفسها وعن المجتمع الذي يحيط بها.

لكن، ماذا اكتشفناه في الشارع!

الحقيقة أننا حاولنا عقد الصلة بين الواقعي والافتراضي، كثير مما خلقناه من مواقف وآراء صار الواقع ميدانًا لاختباره. نحن متاحون في الشارع وعلى الإنترنت، لأول مرة في تاريخنا الشخصي، لم نعد نختبيء وراء الجدران. إذا وقعت/ي في حب أحدهم وسط المظاهرات الساخنة فالفرصة أمامك؛ هنا أو على فيسبوك، وهذا بطبيعته يغيّر كثيرًا في "الحب". كذلك الجمهور الذي ظن دعاة التغيير أنهم يتحدثون إليه من خلف الشاشات، فقط، صار هو أيضا في الشارع.

بعدما استقر اليقين حول "السياسي": الواقع أصعب كثيرًا مما تخيلنا، والسياسة ليست لعبة للموهومين إلا أن يسيطروا على أوهامهم، تدافعت الموجات نحو الأسئلة الداخلية ووساوس الشك داخل الكتلة نفسها التي قادت حركة التغيير؛ هل نحن حقا ما نزعم أننا عليه؟

لا بد أنك تلاحظ/ي منذ نهاية 2013 تلك التريندات المتلاحقة والاتهامات وتبادل السباب حول "الأخلاق الاجتماعية" وما يجب أن تكون عليه. باتت حجج الإدانة معروفة ومكررة؛ أنت لست ديمقراطي كما تزعم، أنت لست تقدميا بما يكفي، أنت متحرش/ وأنتي ممحونة ومدعية، أنت فنان وأنت مديوكر، أنت خروف واللي عنده معزة يربطها.

اتهم البعض من يعلنون تخوفهم من الحكم الإسلامي بخوفهم من افتقاد اللايف ستايل. ولكنهم تجاهلون السؤال الذي يطل برأسه من كل بوست نقرأه يوميًا: هل يمكن لأجيالنا والأجيال التي أعقبتها أن تعيش تحت حكم دولة تفرض الدين والأخلاق على مواطنيها؟

الدور مقابل الحماية

يبدو أن التغيير الحقيقي الذي التف حوله الجميع، وربما يندم عليه الجميع، هو الثورة على تلك المقايضة التي ارتهنت أعمارنا لها؛ مقايضة الدور بالحماية. كل دور تلعبه امرأة أو رجل في المجال العام مرهون بحماية تمنحها لهما قوة من اثنتين؛ الحكومة/ النظام أو جيوش الصحوة الإسلامية الموجودة في صورة مؤسسات وجماعات وشبكات خدمية. هؤلاء أصحاب المجال العام الذين اقتسموه بوضوح بعد عشر سنوات من حكم مبارك.

منذ العودة الثانية لجيوش الصحوة بعد هزيمة 1967، هيأت نفسها لبناء أرضية اجتماعية واسعة بعيدًا عن تنظيماتها السياسية ذات الوجه المكشوف والعداء الصريح للنظام، من خلال شعار "فصل السياسي عن الدعوي"، وهو أكبر خدعة خطابية قد يتعرض لها المجتمع، لكن التناقض من جنس العنوان، فكلمة "دعوي" هي كلمة لا يمكن نفي "السياسي" عنها، ولا يمكن فهم استقطاب قطاعات عريضة من المجتمع ل "دعوى" معينة إلا كونها واجهه للتغير الاجتماعي ومنه السياسية.

الدعوى من أجل اعتزال الفنانات وحجابهن ليظهرن كقدوة للمسلمات، عروض الأزياء للحجاب المودرن، تغيير المصطلحات العامية المتداولة، وتحية الصباح والمساء، لسياسة الضغط في سبيل تشديد قوانين الرقابة على المصنفات الفنية، والاستجوابات البرلمانية حول الأفلام وأبطالها والروايات وكتابها.

زيادة أعداد المساجد الخاصة* من 20000 عام 1970 ل 46000 عام 1981 ل 140000 في منتصف التسعينات سياسة. زيادة عدد المؤسسات التطوعية/ الخيرية الإسلامية** بنسبة 100% منذ منتصف التسعينات حيث يصل عددها ل 6237 ممثلة ثلث القطاع المؤسسي الغير حكومي سياسة.

التحرك في حدود شرطة الأخلاق

ليس من الغريب إذن أن تصبح الحركة الممكنة في مجال عام بهذا الشكل ميسّرة لمن تلتزم ويلتزم بشروط القائمين عليه. وليس من الغريب أن يلبس النظام السياسي الذي يظهر معاديا لهذا التيار ثياب الدعوى أيضا، ليقف على قدم المنافسة: الحزب الوطني الذي يفتح باب عضويته لشيخ الأزهر.

اقتران الدور بالحماية يعني الشلل. يعني استبعاد أغلبية طاقات وسكان البلد إلا من تستوعبهم طاقة الجماعة والحزب الحاكم. يعني مقايضة الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية بالخضوع السياسي، وليس بالقدرة والمعرفة والإمكانية والكفاءة. ويعني أيضا أن الهيمنة لتيار واحد على ثقافة المجتمع ضرورة لتحقيق هذا الاستبعاد الاجتماعي؛ بالترويع وبالرشوة.

هل يمكن الفصل حقا بين هذا العنف والبلطجة المفروضة على حركة النساء في الشارع تحت عنوان التحرش وبين شروط الالتزام داخل حدود المجال العام (تمشي عدل أو ما تمشيش أصلا)؟ هل يمكن تعيين سبب رئيسي ديني وعقائدي لارتداء الثياب الطويلة والواسعة والحجاب مع استبعاد الخوف والرغبة في الحماية؟ هل يمكن فصل ما يكتب وما نقرأ وما ننتج ونستهلك من فن عن أسباب أكل العيش، والرغبة في الالتحاق بالتيار "الكسبان"، والبحث عن الدور في مناخ اجتماعي منقسم بين هاتين القوتين؟ هل يخلق مناخ كهذا كاتبا مستقلا أو مفكرا حرا أو فنانا مبدعا لا يغازل أحد قوى الاستقطاب؟

اقرأ أيضًا: "اسمي هدير ناجي.. وأنا عندي شغف"

المفاجأة أن استغراقنا في اكتشاف أخلاقنا الاجتماعية سيجر خيطا وراء خيط؛ إذ أننا لا حول الله سنعرف في دراسة جديدة أن 70% من الشباب في مصر ينتوون اقتطاع لحم بناتهن في المستقبل، وسنتعرّف إحصائيًا على آكلي ميراث البنات من الأعمام والأخوال في صعيد ومدن وريف مصر، وسنعرف النسب الحقيقية لزنا المحارم في بيوتنا.

بعد ثمانية أعوام وصلنا ربما للأسئلة الحقيقية التي واراها توالي الأحداث السياسية. أسئلة عن الأفكار والجسد؛ صراعهم وتلاقيهم والعلاقة بينهما، عدم المساواة بين المواطنين في تطبيق القانون. أسئلة العقد الاجتماعي الذي ينظم قواعد تعايشنا، والذي لم نكتبه أبدًا. ولكن المبشّر أنها تطرح برغم تمسك المتمسكين؛ الذين يخافون على نهر النيل من الازدراء!

والعارف بالأجيال الجديدة التي تلت مواليد الثمانينات والتسعينات من ضحايا يناير، سيشكر هؤلاء الضحايا في قادم الأيام على باب فتحوه للأسئلة.


*الدراسة مأخوذة من كتاب: تقمص التقوى.. مغنون وفنانون مصر الإسلامية

**الدراسة مأخوذة من كتاب: ما بعد الإسلاموية.. الوجة الآخر للإسلام السياسي