رحلتي من المودم إلى الراوتر.. عن لذة الدخول إلى الإنترنت قبل 20 عامًا

سمعت عن الإنترنت للمرة الأولى في حياتي عام 1996.

كان هذا في مقال منشور في جريدة الدستور، وكان الأمر يبدو بعيدًا جدًا وغامضًا، بشكل لا يمكن معه توقّع كيف يمكن أن يتغلغل هذا الاختراع- خلال سنوات قليلة، في كل دقائق وتفاصيل حياتنا.

أما أول مرة رأيت فيها الإنترنت فعليًا فكانت في 23 مايو/ آيار عام 1998 في معرض COMDEX للكمبيوتر، والذي كان يقام في مركز المؤتمرات بمدينة نصر، وكنت قد حصلت على دعوة لحضوره عن طريق إحدى مجلات الكمبيوتر الخليجية التي كنت أتابعها في ذلك الوقت.

أتذكر هذا التاريخ لأنني كتبت عن هذا الحدث في دفتر مذكراتي. كانت المرة الأولى التي جربت فيها لذة الضغط على اللينكات، ومتابعة الصفحات أثناء التحميل، ووضع كلمات في مستطيل البحث ثم رؤية المعلومات المطلوبة تظهر أمام نظري في لحظات كالسحر. كان الإنترنت شيئًا سحريًا يتجسد أمامي.

دخل الإنترنت مصر للمرة الأولى عام 1992، وكان استخدامه مقصورًا على الجامعات المصرية، وعلى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء. عام 1997 بدأ توزيع الإنترنت على الجمهور عن طريق مجموعة من الشركات الخاصة التي سمح لها بتقديم الخدمة.

في معرض كومديكس، ورغم أنها كانت مرّتي الأولى التي أرى فيها الإنترنت، ورغم أنني لم أكن أمتلك جهاز كمبيوتر بعد، إلا أنني استطعت التعامل معه من خلال الأجهزة المعروضة بفضل متابعتي المستمرة لمجلات الكمبيوتر، وخاصة مجلة لطيفة كانت تأتي من الإمارات بعنوان "الكمبيوتر والتكنولوجيا".

غلاف أحد أعداد مجلة الكمبيوتر والتكنولوجيا

كانت هذه المجلة تنشر سلاسل تعليمية لتعليم استخدام الكمبيوتر ببرامجه المختلفة.

لازلت أتذكر إحدى الحلقات التي كانت تتحدث عن كيفية استخدام متصفحات الإنترنت، وقد استخدم الكاتب صورًا screenshots مأخوذة من أحد مواقع البورنو ونشرها مع الموضوع في المجلة! العجيب أن هذا الأمر مرّ مرور الكرام دون أن ينتبه إليه أحد!

عام 2000 اشتريت أول جهاز كمبيوتر، وصار لدي إنترنت في المنزل أخيرًا. كنت قد اخترت شراء كارت مودم من ماركة USRobotics الشهيرة بسرعة 56 كيلوبت في الثانية، ولازلت أذكر سعره "250 جنيهًا" والذي كان باهظًا وقتها، فالدولار كان بثلاثة جنيهات وأربعين قرشًا! نظريًا كان هذا الكارت يمكن أن يعطي سرعة تحميل تصل إلى 7 كيلو بايت في الثانية، لكن عمليا كانت أقصى سرعة يصل إليها هي 4 كيلوبايت/ ثانية! بالطبع يتم الاتصال عن طريق خط التليفون الذي يظل مشغولا طوال فترة استخدام الإنترنت.

أما لكي تدخل على الإنترنت فكان يجب أن تشترك أولاً في إحدى الشركات المقدمة للخدمة. في التسعينيات كانت شركة link توفر اشتراكًا في الإنترنت مقابل نحو مائة جنيه شهريًا، إضافة إلى تكلفة شغل خط الهاتف والتي تحصّلها المصرية للاتصالات وكانت بسعر المكالمة العادية، وكل ما تمنحك إياه هو اسم مستخدم وكلمة سر ورقم هاتف للاتصال.

بعد فترة بدأت الأسعار في الهبوط قليلًا وبدأنا في شراء كروت تمنح كلمات سر مؤقتة تعمل لعدد ساعات معينة، مثل كروت شركة شهد، هذا الكارت مثلًا كان يمنح 10 ساعات من الإنترنت بالهاتف مقابل 20 جنيهًا.

سنة 2002 تبنت الحكومة المصرية مبادرة باسم الإنترنت المجاني، تم فيها إلغاء الرسوم التي تدفع للحصول على كلمات السر، وتم الاكتفاء بتكلفة مكالمات التليفون، وصارت هناك أرقام عديدة للاتصال بالإنترنت، ربما كان أشهرها رقم شركة سبعاوي 07777777!

إعلان لسبعاوي من أحد أعداد مجلة لغة العصر

كانت تلك انفراجة هائلة وسَّعت من عدد مستخدمي الإنترنت بشكل كبير، لكننا ظللنا منحصرين في سرعة قصوى للتحميل لم تكن تزيد عن 4 كيلوبايت/ ثانية.

في تلك الأيام بدأ بيزنس مقاهي الإنترنت في الانتشار بشكل كبير. عام 1999 افتتح مقهى إنترنت بجوار منزلي وكان سعر استخدام الإنترنت لمدة ساعة: عشرة جنيهات. أخذ هذا السعر يقل شيئًا فشيئًا مع مرور السنوات، وورثت مقاهي الإنترنت التجمعات الشبابية عن أسلافها المتوفين: محال الفيديو جيم، والتي أغلقت عن بكرة أبيها، بعد أن ظل طلبة المدارس لفترة طويلة يهربون من مدارسهم ليقضوا الوقت أمام شاشات ألعابها.

ساهم في انتشار مقاهي الإنترنت أكثر وأكثر دخول خدمة الدي إس إل DSL أخيرًا إلى مصر عام 2004، لكن أسعارها الباهظة جعلت معدل الانتشار لهذه الخدمة بطيئًا جدًا.

في 2006 اشتركت أخيرا في الدي إس إل. 25 كيلوبت في الثانية مقابل 150 جنيهًا، وكانت الخدمة تقدم عن طريق مودم يتم توصيله بالكمبيوتر عبر وصلة USB. فتح لي هذا الاشتراك عالمًا آخرًا، إذ صرت أخيرًا قادرًا على تحميل الأفلام التي أرغب حقًا في رؤيتها والغير متاحة في مصر.

قمت بتحميل جميع أفلام ستانلي كوبريك وأفلام ديزني القديمة وعشرات من الأعمال الأخرى التي كنت أقرأ عنها دون أن أتوقع إمكانية رؤيتها. كان الفيلم بحجم 700 ميجابايت يستغرق في التحميل نحو 9 ساعات بسرعة نحو 256 كيلوبايت/ ثانية!

ثم حدث أن اشتريت راوتر لاسلكي أخيرًا في 2007، وصار بإمكاني الدخول على الإنترنت من أي مكان من المنزل، بعد أن كان لزامًا عليّ الجلوس بجوار المودم وخط الهاتف الموصّل به!

على مدى السنوات التالية، حدثت عدة انخفاضات في الأسعار مع زيادة في السرعة، بالرغم من أننا مازلنا حتى الآن في ذيل الدول فيما يتعلق بسرعة الإنترنت أو كفاءة الخطوط.

حدث تطور كبير آخر وفي اتجاه مغاير عام 2007، إذ دخلت شركة اتصالات الإماراتية إلى مصر لتقدم للمرة الأولى خدمات الجيل الثالث للهواتف المحمولة، ومعها عرفنا الـ USB modem الذي يوضع به خط محمول ويتم توصيله بأي جهاز كمبيوتر أو لابتوب في أي مكان للحصول على الإنترنت.

لقد صار في إمكانك للمرة الأولى أن تأخذ اشتراك الإنترنت الخاص بك معك خارج المنزل، وقد كان هذا أول مسمار في نعش مقاهي الإنترنت.

اتصالات يو إس بي موديم

أما المسمار الثاني فكان التطور الهائل للهواتف الذكية عبر نظاميّ iOS وأندرويد، ثم ظهور باقات الإنترنت التي تعمل على الهواتف المحمولة، وبالتالي صار هناك إنترنت دائم في جيبك أينما ذهبت، وأدخل هذا التطور الأخير على شبكة الإنترنت مئات الآلاف من المستخدمين الذين لا يمتلكون أجهزة كمبيوتر، بل وربما لا يرغبون في ذلك، لكن صار بإمكانهم هم أيضا الدخول على الإنترنت باستخدام هاتف متوسط السعر.

ثم حدث أن أغلق مقهى الإنترنت المجاور وتحول إلى محل جزارة!

ولازال الإنترنت يزحف ليهيمن على كل شيء في حياتنا، يمكننا اليوم الدخول على الإنترنت عبر أجهزة الكمبيوتر المكتبية واللابتوبات والهواتف والساعات والتليفزيونات والكاميرات والنظارات وقريبًا الثلاجات والملابس وكل شيء تقريبًا.

إنها رحلة ملحمية أسطورية حاولت فيها تتبع معدل جريان الميجابايتات عبر الأسلاك والأثير، من الشبكة العنكبوتية الهائلة إلى وسائط تخزيني المحدودة والمسكينة، من المودم وحتى الراوتر، ولازلت في انتظار أن ينعم علينا الله بالألياف الضوئية التي ستجعل الميجابايتات تتدفق علينا كالشلال المنهمر، لتنهي عقودًا من المعاناة والبؤس، وكلي أمل أن يكون هذا النعيم الآتي في وقت قريب قبل أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، مع الاعتذار والتقدير للدكتور مصطفى محمود!