"ديريك والكوت".. أن تكون نفسك أو لا أحد

ظل والكوت حتى نهاية حياته متوجسًا ناحية نجاحه، ومتوجسًا ناحية الشعر نفسه..كان يرى أن التسهيلات التي يلقاها بحُكم مكانته ولا يلقاها غيره هي انتهازية.. ولا ينظر إلى ما يحوزه كشاعر على أنه حقه.

كيف يمكن تلخيص وجود أي واحد أو توصيفه، خصوصًا إذا كان شاعرًا عظيمًا وإنسانًا بالغ التعقيد؟ هل كتابة الشعر عمل بطولي؟ بالأخص إن كان صاحب الشعر يتشكك في جدواه؟ هل الاستعارة مهمة في الحياة؟

كيف يمكن توصيف الشاعر والمسرحي والرسام الكاريبي ديريك والكوت؟ شاعر يكتب بالإنجليزية، لغة من يستعمره؟ شاعر تربّى ضمن أقلّية بروتستانتية في جزيرة أغلبها من الكاثوليك لها ثقافة فرانكفونية؟ ابن بلد متشظي ومُهمَل إلا من جدواه الاقتصادية للغرب، لكنه -والكوت- حجز لها مكانة بشعره؟ أهو من بحث عن الحرية لأهلها بينما ينحدر من أصول العبيد.

عشرين مجموعة شعرية، والعديد من الدراسات، وعشرات المسرحيات وكرسي جامعي في أمريكا غادره باتهامات بالتحرش والتدخل في التحصيل العلمي لطلابه، اتضح فيما بعد أنها مكائد لتنحيته؟

"سأغني عن ذلك الرجل لأن قصصه تسرُّنا".

والكوت

في حوار مع Paris review، تغنّى جوزيف برودسكي (نوبل للآداب 1987) بديريك والكوت. قال إنه كاتب كبير، "أرخبيل شعري". ورغم أن صفة الكاتب الكبير قد تبدو مبتذلة ومجانية هذه الأيام، وأن برودسكي لما قال هذا الكلام عن والكوت كانا صديقين؛ إلا أن صفة الكاتب الكبير تَحِقّ لوالكوت تمامًا، هو الأرخبيل الشعري الكبير والخلاب.

والكوت، الذي زاره الموت في وطنه ومسقط رأسه سانت لوسيا في مارس/ آذار 2017 بعد 87 عامًا حافلة بالشعر، الكاتب الكاريبي كما كان يحلو له وصف نفسه، فاز بنوبل للآداب عام 1999. وبجانب نوبل فقد حصل على عدة جوائز أخرى مثل جائزة تي إس إليوت عن مجموعته الشعرية "البلشون الأبيض". ومن مجموعاته الشعرية أيضًا: "قصائد مختارة"، "الخليج"، "قارئة الحظ". وبجانب الشعر فقد ألّف حوالي ثمانين نصًا مسرحيًا.

في مجموعته الشعرية الأهم والأجمل "أوميروس" والتي ضمنت له صيتًا واسعًا ومكانة كبيرة، أعاد والكوت تدوير الأوديسة الإغريقية لتكون أوديسة سانت لوسيا. وإذا كان أبطال هوميروس في الأوديسة الأولى يبدون ملحميين؛ فقد كان أبطال أوديسة والكوت أناس عاديين وبسطاء: عمال موانئ وصيادين، خُدام ومزارعين.

والكوت يتسلم جائزة نوبل في الأدب 1992

موقع سانت لوسيا المهم في البحر الكاريبي كان مغريًا للفرنسيين والإنجليز ليسعيا لضمها تحت لوائهما. ورغم أن والكوت ربما قد ضجر من توافد الأجانب لينهشوا من جسد بلده؛ إلا أنه امتلك نظرة أكثر إنسانيةً وأكثر اتساعًا. حيث نظر لبلده كفردوس يتطلع كل واحد إليه وكل واحد يجئ لهذا الفردوس يترك شيئًا يستوعبه هذا الفردوس ويتسع به. في إحدى قصائده التي كتبها في الثمانينيات بعنوان مملكة يقول:" أحمل في داخلي الهولندي، الزنجي، الإنجليزي/ وأنا إما لا أحد/ أو أمة بأكملها".

ولما سُئل والكوت عن تعريفه الخاص لكلمة وطن، أجاب بأنه أكثر الأشياء التي يمثل امتلاكها حظًا لصاحبها. شعور استثنائي، شعور باليقين، لا يشعر به إلا في سانت لوسيا، يزول ويتجدد مع كل مرة يغادرها ويعود لها فيها. هو "يمتلك وطنًا واحدًا ومكانين"، سانت لوسيا هي وطنه الوحيد ومكانه الأول. المكان الثاني هو بوسطن، البلد الذي يفضله على غيره في أمريكا، على نيويورك بالأخص التي أحس فيها بالضياع وارتعب منها لما زارها.

"الآن ترون ماذا يعني أن يكون الواحد بلا جذور في هذا العالم"

والكوت - أوميروس

ظل والكوت حتى نهاية حياته متوجسًا ناحية نجاحه- ومتوجسًا ناحية الشعر نفسه- متخوفًا من أن هذا النجاح قد يكون سببًا ليخون سكان الجزر الصغيرة الواقعة في الكاريبي. فقد تأتيه فرصة تجعله يغادر وطنه (سانت لوسيا) أو ينساه في بلد آخر، وبذلك يخون أهله ونفسه.
وكان يرى أن التسهيلات التي يلقاها بحُكم مكانته ولا يلقاها غيره هي انتهازية. كان الموضوع عميقًا بالنسبة له، ولا ينظر إلى ما يحوزه كشاعر على أنه حقه. وكان يرى أنه إن سافر مثلًا إلى أمريكا أو أوروبا واستقر فيها فسيكون -غير خيانته لأهله- بلا جذور؛ مواطنًا من الدرجة الثانية. وسيُعرَف كما يُعرَّف السود في تلك البلاد، أو بنص تعبيره "سأصير شيئًا لست مستعدًا لأن أكونه".

ربما كان والكوت ليصبح كاتبًا مختلفًا عما صار إليه لو غادر سانت لوسيا متبعًا أقرانه نيبول ولامينج وسيلفون إلى بريطانيا. لكنه فضّل أن يكون صبي البلاد Homeboy، وألا يجتث نفسه منها كما فعل غيره، رافضًا أن تكون بلدًا آخر غير الكاريبي مركزًا أو محورًا له.

كان يحكي أنه في كل مرة كان يحمل كتاب لـ لامينج أو سيلفون في الجامعة؛ كان يشعر بالخفة، كون هذا كتاب ألّفه واحد كاريبي. "شعور غير عادي وأقل ما يُقال عنه أنه مدهش أن أمسك بـ (في القلعة) [رواية لجورج لامينج] و(شمس أكثر سطوعًا) [رواية سامويل سيلفون] والتفكير: يا إلهي هذا كتاب". لكن الخلاف الذي حصل بينه وبين نيبول رسخ فيه رفضه للخروج من وطنه لئلا يتحول إلى شخص مماثل لغريمه.

الصديقان اللدودان

الصديقان اللدودان والكوت ونيبول

نيبول، هو صديقه القديم وعدوه فيما بعد. اختلفت رؤيتهما لإرث الإمبراطورية البريطانية؛ ما جعل صداقتهما تتوتر في وقت مبكر، حيث نسى نيبول وطنه وتباهي بأنه جزء من المملكة المتحدة. تعالى على والكوت وأقرانه بتصريحات تكاد تكون عنصرية، قائلاً إنه ذا باع وشهرة أكثر منهم، وكتبه سبقت كتبهم إلى النشر. فوصفه والكوت في إحدى قصائده بأنه قد غربت شمسه.

إلا أن ما جعل الخلاف يصل إلى ذروته، كان مهاجمة والكوت له في قراءة شعرية في مهرجان كالاباش في جامايكا في 2008: "تم عضني/ ويجب على أن أتفادى العدوى/ وإلا سأكون ميتًا/ كخيال نايبول". ورد نيبول واصفًا قصيدة والكوت بأنها طويلة وبلهاء. ومرة لما ذكر هيلتون ألس (كاتب أمريكي) اسم نيبول أمام والكوت، جف حلقه وبصق اشمئزازًا من عنصرية نايبول وإحساس الأخير بالعلو والتفوق الثقافي.

وإذا كان نيبول نجح ليكون الأول – فيما بينهما- في العثور على ناشر في لندن؛ فقد نجح والكوت في العثور على طريق الأكاديمية السويسرية والحصول على نوبل قبله.

الشيء الآخر الذي بدد أي قُوى تجذب والكوت إلى بريطانيا، هو أنه أراد أن يرسم المشهد الكاريبي ولم يكن ليقدر على فعل ذلك من الخارج. أسباب أخرى اتضحت له فيما بعد؛ حقيقة أنه كان يكتب عن مكان لم يُكتَب عنه من قبل، وأنه نجح في خلق شيء مختلف وخاص.

ورث والكوت تاريخًا ثقيلًا وصراعات معقدة ومريرة. حاصرته الكولونيالية، التي لم يهرب منها ولكنه فهمها وواجها، واللغة والعرق. لكنه وجد لنفسه مخرجًا عن طريق اللغة، وجد في الشعر سلاحه وعزاءه. وما نجح فيه والكوت هو أنه رغم صعوبة وثقل الموضوعات التي تناولها شعره - والشعر يبحث عن الخفة- إلا أنه نجح في أن يطير خارج سانت لوسيا، بينما بقيت قدماه متجذرتان في أرضها. آمن بنفسه وبذاكرته وبقدرته على التوغل فيما فات، ليواجهه وينقيه، ويحمل تلك الذاكرة معه دائمًا، ويضمن كونها حاضرة دومًا أمام عينه بكل مشهد فيها، لأنه إن نسي أي شيء؛ فإنه عندها ينسى نفسه ووطنه وهويته. الذاكرة هي ما يحفظ له هويته التي تخصه وحده.

أراد والكوت أن يكتب عن شيء لم يكتب عنه من قبل. عن إثارة استكشاف شيء أو التنقيب عن شيء. ولكن هل نجح؟ نعم. نجح بنفسه التي كرهها ما حسبهم أصدقاء له، وبوطنه الذي تخلى عنه غيره.

لم تكن نوبل تكريمه الوحيد، بل يكمن التكريم الأكبر في استمرار حضوره الشعري وتأثيره الواسع. ولو أنه كان منشغلاً بغيابه وما قد يتلوه "إنني أتخيل غيابي" كما يقول في كتابه "الهبة" The Bounty، وأنه يشعر بنوع من الراحة لأن غيابه لن يكون فارقًا للطبيعة:"الظلال ستعود تمامًا في مايو كما ينبغي/ لكن مع التماس الهواء المغلق الذي سكنته" فقد كان رحيل جسده مجرد انضمام لقلب الأرض التي أحبها. لكن ظَلَّه وشعره لا زالا حاضران، وإن غابا فإنهما في عود دائم. فوالكوت؛ هو شاعر المكان والذاكرة.