أصدقاء الغريب| عن رفعت إسماعيل: أستاذ أمراض الرُّوح

لماذا اختار أحمد خالد توفيق لرفعت إسماعيل بطل سلسلته الروائية ما وراء الطبيعة أن يكون أستاذًا لأمراض الدم؟

واردٌ بالطبع أن يكون هذا الاختيار قِناعًا لِذات الكاتب الذي كان معروفًا بصفته أستاذًا لطبّ المناطق الحارّة، وهو تخصص يندرج ضمن الأمراض الباطنة، مِثلُه مِثلُ أمراض الدم. لكن، اسمحوا لي باستطرادٍ طويلٍ بعيدًا عن رفعت إسماعيل!

بين عامي 2008 و2009 خُضتُ الجزأين الأول والثاني من امتحان عضوية كلّيّة الجَرّاحين الملَكيّة للندن MRCS، وهما قائمان على أسلوب الاختيار من مُتعَدِّد حيث يختار المُمتَحَن الإجابة المُثلى بين عددٍ من الإجابات المقترَحَة.

وبغضّ النظر عن إحباطاتٍ لاحقةٍ لي في مسيرتي مع هذه العضوية، فقد اجتزتُ هذين الامتحانين تحديدًا بسلام، وبمرور الوقت نسيتُ كلَّ الأسئلة التي ضمّها الامتحانان، عدا سؤالاً واحدًا عن سيناريو مُتخيَّلٍ لمريضٍ أُتِيَ به إلى المستشفى في حالة نزيفٍ يهددُ حياتَه، وهذا المريضُ معروفٌ أنه من شهود يَهْوَهْ، الذين يرفضون انتقال الدم في عقيدتهم، فماذا ينبغي عليَّ أن أفعل؟

ليس المقامُ مناسبًا هنا لذِكر الإجابات المقترَحَة في متن الامتحان، لكن ربّما يستنتج من يقرأ هذا المقال – وهو مُحِقٌّ بالطبع، أنني أجبتُ الإجابة الخاطئة!

قبل هذا اللقاءِ المفاجئ، لم اصطدم بشهود يهوه في الحقيقة إلاّ عابرًا في شوارع پراغ حين زرتُ أورپّا لأول مرةٍ في أغسطس/ آب 2003. مجموعةٌ صغيرةٌ من الودودين الذين رحّبُوا بي وأدركوا ملامحي غير المنتمية لأهل البلد بالتأكيد، وسألتني واحدةٌ منهم بالإنجليزية: "ألا تريدُ أن تدخل مملكةَ الرَّبّ؟" أو شيئًا من هذا القبيل!

وقتَها لم يوزِّعوا عليَّ أيًّا من منشوراتِهم، وحين عرفتُ أنهم من شهود يهوه، ربطتُ خطأً بينهم وبين اليهود على أساس أن اسم الإله بحروفه الأربعة Tetragrammaton في العهد القديم هو يَهْوَهْ، وفي تحليلٍ شهيرٍ يقول: "يا هُو، فهو نداءٌ للغائبِ الذي لا اسمَ له". بالتحرّي تبيّنَ لي وقتئذٍ أنهم يمثّلون فرقةً مسيحيةّ Christian denomination تختلف مع التيار العامّ للّاهوت المسيحيّ في عددٍ من النقاط، أهمُّها عقيدة التثليث، كما تختلف معه في نقاطٍ ترتبطُ بالتصوُّر العقَدِيِّ عن المصير في العالَم الآخَر، أهمُّها مسألة الخلود غير المشروط لكل الأرواح على إطلاقِها.

المهم أنني بعد تجاوُز الامتحان قررتُ أن أتقصّى سرَّ تميُّزِهم في مسألة النزيف التي تضعهم بعيدًا عن كتلة المرضى من أي جنسٍ أو دين. عرفتُ أنَّ لديهم ميلاً إلى الخصوصيّة يدعوهم إلى رفض نقل الدم الكامل Whole blood على إطلاقِه، حتى ولو كان أحدهم مصابًا بنزيفٍ يهدد حياتَه، على اعتبارِ أنَّ آياتٍ في أسفار التكوين واللاويين وأعمال الرُّسُل توحي بأنَّ الرُّوحَ في الدَّم، وبالتالي فقَبُول نقل الدم يعني عندهم إزهاقًا لرُوحِ إنسانٍ بشكلٍ ما.

"غيرَ أنَّ لحمًا بحياتِه، دَمِه، لا تأكلوه". سفر التكوين، الإصحاح التاسع، آية 4.

"وكلُّ إنسانٍ من بيتِ إسرائيل ومن الغرباء الذين ينزلون في وسَطِكم يأكلُ دمًا، أجعلُ وجهي ضدَّ النفس الآكِلَةِ الدَّم". سفر اللاويين 17:10.

"لأنه قد رأى الرُّوحَ القُدُسَ ونحنُ، أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر، غير هذه الأشياء الواجبةِ: أن تمتنعوا عمّا ذُبَحَ للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزِّنا، التي إن حفظتم أنفُسَكم منها فنِعِمّا تفعلون. كونوا مُعافَين". أعمال الرسل 15:28/29.

عَودًا إلى رفعت إسماعيل!

ربما أراد أحمد خالد توفيق هذا بشكلٍ واعٍ، وربما أفلتَ من لاوعيِه، وربما هي محضُ مصادفة. الدكتور رفعت إسماعيل صائدُ الأشباحِ الهاوي الذي طاردتُ مغامراتِه في تسعة أعدادٍ من ماوراء الطبيعة، كان أستاذًا في أمراض الدم، والرُّوح موطنُها ومستقرُّها الدَّم في إيحاءات النصوص المقدسة المُشارِ إليها وفي غيرِها، كما أنها كذلك في الوِجدان الإنسانيِّ العالميِّ بشكلٍ مستقِلٍّ عن العِلم. فهل كان رفعت إسماعيل أستاذًا لأمراضِ الرُّوح؟ هل هذا ما عناهُ أحمد خالد توفيق؟

الرُّوحُ هي أكثر المفردات التباسًا وغموضًا في كل اللغات وكلِّ السياقات.

إذا أراد الفلاسفة لها تعريفًا أو مقاربةً فإنهم يؤلفون كتبًا ضخمةً لهذا الغرض. وحينما تقترنُ هذه المفردةُ بأخرى في لغةٍ ما، فإنها تكتسبُ بريقًا جديدًا يجعلها تغزو لغاتٍ أخرى في صورتِها الأصلية، كما حدث مع تعبير Zeitgeist أو رُوح العصر الذي انتقل من الفلسفة الألمانية إلى اللغة الإنجليزية ككلمةٍ مستعارة Loanword ليعني شيئًا أقرب إلى الموضة أو المقبول والمتعارَف عليه مجتمعيًّا في عصرٍ ما.

القرآن أرجأ فهمَها لأجَلٍ غير مُسَمَّى حين قالت الآية 85 من سورة الإسراء: "ويسألونكَ عن الرُّوحِ قُل الرُّوحُ مِن أمرِ رَبِّي وما أُوتيتُم من العِلمِ إلاّ قليلا"، فقطع بذلك الأملَ عند المؤمنين به مِن كلِّ سبُل المعرفةِ إلاّ من خلال الحدس الصُّوفيِّ العِرفانِيّ. بهذا وبغيرِه تعززت مكانةُ هذه المفردةِ كعلامةٍ على قُدسِ أقداسِ المجهول، في كل الثقافات.

فلماذا حرص أحمد خالد توفيق على ابتداء تسمية أعداد سلسلته بمفردة "أسطورة"؟

تمتازُ هذه الكلمةُ العربيةُ عن مقابلاتِها في اللغات الأوربية – Myth بأصلها اليوناني، وLegend بأصلها اللاتيني، بأنَّ جِذرَها المُعجَمِيَّ الثلاثيَّ (سَطَرَ) ينطوي بالضرورة على فعل الكتابة، والكتابةُ في كل أشكالِها توثيقٌ ومحاولةٌ للهروبِ من الفناء. والمهمةُ التي طالما قامَت بها الأساطيرُ في المجتمعاتِ الإنسانيّةِ هي محاولةُ تفسيرِ الظواهر التي يعجز العقلُ عن تفسيرِها بأدواتِ العصر المتاحةِ له. وإذَن، فقد كانت الأساطيرُ دائمًا أشبهَ بتأريخٍ للمجهول.

في التحليل الأخير، نصلُ إلى أنَّ الأسطورةَ تستحقُّ عن جدارةٍ أن تكونَ تاريخَ الرُّوح، أيقونةِ المجهول الأثيرة!

ما دأب على فعله رفعت إسماعيل صائدُ الأشباح الهاوي في أساطير الرجُل الذئب والندّاهة ووحشِ بحيرة لُوخْ نِسْ وآكِل البشَر ورأس ميدوسا وغيرها، كان نسف الأسطورة بالتدريج. تواجِهُه الأسطورة على حين غِرَّةٍ منه، وتتنامَى الأحداثُ في اتجاهِ تحطيمِه إيّاها في النهاية.

هل كان أحمد خالد توفيق يحاول بذلك أن يشفي الرُّوحَ من أمراضِها التي علِقَت بها منذ أقدم العصور ليترُكَها بيضاء نقيّة؟

هذا يعني أنه يؤمنُ ابتداءً بذلك الكيان المفارق للمادّة، المسمَّى الرُّوح! إذا كان الأمرُ كذلك، فقد كان المصيرُ الطبيعيُّ لهذه الرُّوح الموجودة على وجه الحقيقة أن تَعلَقَها أمراضٌ أخرى- أو أساطيرُ أخرى، وإذَن، فقد كانت انتصاراتُ رفعت إسماعيل مجردَ انتصاراتٍ مؤقَّتَةٍ على المجهول، الذي سيبقى طالما بقيَت الرُّوح، وسيُصيبُها بالرُّعب في مواجهَتِه من جديدٍ، ليظلَّ الرُّعبُ أكثرَ المشاعرِ حقيقيّةً وأصالةً في مواجهةِ مجهولاتِ العالَم!

الاختيارُ الآخَرُ المُتاحُ أمام أحمد خالد توفيق، هو أنه كان في الحقيقةِ ينسفُ الرُّوحَ نفسَها بينما ينسفُ أساطيرَها. إذ ماذا يبقى من الرُّوحِ وأنتَ تعمَدُ إلى تاريخِها فتُذَرِّيه هكذا؟ ماذا يبقى من أي موجودٍ إذا عمدتَ إلى تاريخِ وجودِه فساويتَه بالعدَم؟ هذا الاختيارُ الثاني، إن صَحَّ، سيكونُ مُحبِطًا لمعظم قُرّاء أحمد خالد توفيق في هذه البقعة من العالَم، التي تؤمنُ بالغيب وتقدِّسُ ما لا سبيلَ إلى الإحاطةِ به عِلما!

لا سبيل إلى محاولة فهم ما كان خالد توفيق يرمي إليه إلاّ بالوقوف من مُنجَزِه موقفًا نقديًّا جادًّا، وإعادة قراءته في تأنٍّ نتخلّص من خلالَه من النظرة الفوقية التي يتبنّاها المشتغلون بالنقد الأدبي حين يتّصل الأمر بما اصطُلِح على تصنيفِه أدبًا للمراهقين.

انتهاءً، أورثَتني قراءةُ تلك الأعداد من ما وراء الطبيعة رُعبًا أصيلاً يتجدّدُ معي كلّما قرأتُ في مبحَث الميتافيزيقا. صحيحٌ أنّ الترجمة الإنجليزية الأقرب إلى الصواب لاسم السلسلة ربما يكون Supernatural وهي مفردةٌ ترتبطُ بالرُّعب في الأدب والسينما وغيرِهما، وهو يبدو للوهلة الأولى شيئًا مختلفًا تمامًا عن المبحث الفلسفي الجادِّ فيما وراء الطبيعة "الميتافيزيقا"، إلاّ أنني يقينًا أحسُّ تلك البرودةَ الممتزجةَ بالرِّعدة تسري في جسدي كما سرَت في جسد رفعت إسماعيل في مواجهَة المجهول، كلّما قرأتُ مثَلاً أنَّ نيقولا كوزانوس كان يعتقدُ أنَّ اللهَ باعتباره الموجودَ الوحيدَ على الحقيقةِ كامنٌ في ماهيّة العالَم، وبأنَّه خالقٌ بالضرورةِ لأنه واجِبُ الوجود، وتتضاعف البرودة والرعدةُ حين أتذكرُ أن هذا الاعتقاد يقرِّبُه من وحدة الوجود عند سپينوزا من ناحيةٍ، ونظرية الخَلق بالفيض عند ابن سينا من ناحيةٍ أخرى. وقِس على ذلك. رُعبٌ متجدِّد!

خبرُ وفاةِ الدكتور أحمد خالد توفيق أعادَني إلى تلك الأيام التي كنتُ ألتهمُ فيها رواياتِه في مرحلتي الإعداديّة. ووضعني أمام السؤال الذي لا إجابةَ له إلاّ بإعادة قراءةِ ما قرأتُه له، والانكبابِ على ما لم أقرأه: ماذا كان يقصد من كلِّ هذا؟ أن يُطهِّرَ الرُّوحَ مؤقتًا لتتسربلَ بالرُّعبِ؟ أم أن ينسِفَ الرُّوحَ بحمولتِها الهائلةِ من المجهول من الأساس؟