صفحة المتحدث الرئاسي (فيسبوك)
السيسي خلال لقائه مديرة صندوق النقد الدولي في دبي.

ورطة صندوق النقد الدولي مع مصر

منشور الأحد 14 يناير 2024 - آخر تحديث الأحد 14 يناير 2024

يعتقد كثير من الناس في مصر ودول الجنوب العالمي أنَّ صندوق النقد الدولي لا تُردُّ له كلمة، مستندين في حكمهم هذا على تاريخ عريض من تدخلات الصندوق حول العالم، عبر مئات الاتفاقيات التي عادةً ما تتضمن شروطًا قاسيةً تلتزم بها الحكومات التي تحتاج إلى الاقتراض منه.

ولكن هل الأمر فعلًا مثلما يبدو عليه؟ هل الصندوق بهذه القوة والنفاذ؟ أم أنَّ هناك مساحة لدى حكومات البلدان المقترضة للمناورة؟

يمثل هذا السؤال أهميةً كبرى لدولة مثل مصر، كونها ثاني أكبر مقترض من الصندوق في الوقت الراهن. وبقدر ما يعني ذلك احتياج مصر الشديد للصندوق، فإنَّ العديد من الشواهد تشير لتورطه معنا بقدر تورطنا معه، وأنَّ الواقع يفرض عليه ضغوطًا ليساعدنا، حتى وإن تجاوز بعض قواعده وشروطه المعروفة. 

كيف يجمع الصندوق أمواله؟

للوهلة الأولى قد يبدو ميزان القوة مائلًا بالكامل لصالح الصندوق في مواجهة حكومات دول تعاني من اختلالات مالية ونقدية جسيمة، أو أزمات اقتصادية خانقة، تستلزم تدخلًا عاجلًا بالإقراض، خصوصًا عندما تغيب أيُّ رغبة لدى الفاعلين الآخرين في أسواق المال العالمية في التعامل مع هذه الحكومات المأزومة.

لكن بمزيد من التفحُّص، يتضح أنَّ الصورة عادة ما تكون أكثر تعقيدًا لعدد من الأسباب السياسية، من بينها السؤال عن شرعية تدخلات الصندوق في سيادة الدول المقترضة، في وقت يجد الصندوق نفسه في موقف مساءَلة أمام الدول الغنية التي تموِّله.

يواجه الصندوق ضغوطًا لضرورة تحصيل ديونه وإلا فعليه تبرير خسائره لحكومات الدول الكبرى التي تموله

في نهاية المطاف، فإن صندوق النقد الدولي "صندوق" بالمعنى الحقيقي؛ يجمع موارده المالية من مساهمات غير متكافئة من الدول الأعضاء، تنعكس في عدم تكافؤ عدد الأصوات التي تتمتع بها الدول في إقرار سياساته. ولذا نجد الولايات المتحدة تستخدم وزنها، باعتبارها أكبر مساهم، في استبعاد الدول المعادية لها مثل إيران من أي تعامل مع الصندوق.

يضع هذا ضغوطًا على إدارة صندوق النقد لضمان قدر من الاستدامة المالية في عملياته، أي أن يضمن الصندوق استرجاع موارده من الدول التي يُقرضها، وإلا فإن عليه تبرير خسائره لحكومات الدول الكبرى، حتى تقوم الأخيرة بتعويضه ليعيد بناء قدراته ومواصلة عملياته المستقبلية. 

وازدادت هذه النقطة حساسيةً خلال العقود الخمسة الماضية، مع تحول الصندوق بشكلٍ شبه كامل إلى مؤسسة تتعامل مع الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، مع وجود استثناءات قليلة مثل اليونان في أعقاب أزمة 2009.

أصبح الصندوق مسؤولًا عن مراقبة مدى التزام اقتصادات هشة أمام الأزمات بسداد ديونها. ولحمايتها من التعثر، فإنه يجد نفسه مضطرًا للتنازل عن بعض شروطه المعروفة، من إجراءات التقشف أو تحرير سعر الصرف أو إطلاق حرية حركة رؤوس الأموال، حتى تتمكن تلك الدول من سداد الأموال التي اقترضتها منه في نهاية المطاف.

التجربة الآسيوية الفاصلة 

بمتابعة تاريخ تدخلات صندوق النقد الدولي، بإمكاننا رصد تجارب تجاوز فيها الصندوق عن شروطه، شكَّل فيها، للمفارقة، ضَعف اقتصادات البلدان النامية التي تعامل معها نقطة قوة.

على سبيل المثال، سبَّب تدخل صندوق النقد الدولي في أعقاب الأزمة الآسيوية عام 1997 ببرامجه التقشفية المعتادة، معاناة اقتصادية واجتماعية هائلة لمواطني الدول التي تعاونت معه مثل إندونيسيا، دون أن تعيد تلك البرامج في النهاية إطلاق الاقتصاد. ومع تدنّي وانعدام شعبية تلك البرامج، عدل الصندوق عن الكثير من شروطه المعلنة على الدول المقترضة في المعاملات اللاحقة، مقابل اللجوء إلى التفاوض حول برنامج تعرضه الحكومات الراغبة في الاقتراض.

لذا بإمكاننا اعتبار أن الأزمة الآسيوية، وبعدها إفلاس الأرجنتين في 2001، كشفا عن هشاشة شرعية تدخلات الصندوق في البلدان النامية، وهي مسألة سياسية أكثر منها اقتصادية.

وفي الوقت الراهن، تجسِّد الأرجنتين مرة أخرى نموذجًا لورطة الصندوق مع الدول النامية، إذ إنها أكبر المستدينين من الصندوق حاليًا بمديونية قدرها 46 مليار دولار، تليها مصر بـ18 مليارًا. 

يملك صندوق النقد نقاط ضعف تحمي حكومات الدول المقترضة من الوقوف مسلوبة الإرادة عندما تلجأ إليه

وتمثل أكبر عشر حكومات مقترضة من الصندوق 72% من إجمالي الديون المستحقة للصندوق الذي تتسع عضويته لـ93 دولة.

يعني هذا أنَّ الصندوق "منكشف" تجاه دول مثل الأرجنتين ومصر وأوكرانيا وباكستان. وليستعيد أمواله، عليه ضمان استمرار حصول تلك الحكومات على تمويل، سواء من الصندوق أو من غيره.

يظهر ذلك بجلاء في تعامل الصندوق مع الحكومة الأرجنتينية خلال السنوات القليلة الماضية. ففي 2019، منح الصندوق بوينس آيريس 50 مليار دولار، للوفاء بالتزامات قائمة بالفعل، ثم عاد في 2022 ومنحها 44 مليار دولار أخرى.

تناقض هذه المبالغ الضخمة نصوصًا صريحة في لوائح صندوق النقد، تم تجاوزها أملًا في إنقاذ الأرجنتين من عثرتها، لتتمكن من سداد التزاماتها تجاه الصندوق، حتى وإن كان بأموال الصندوق نفسه، عن طريق قروض جديدة ستعمِّق ورطة الصندوق على المدى البعيد.

مصر ليست الأرجنتين

بالرغم من أنَّ مصر ليست الأرجنتين، فإنَّ تاريخها الطويل في التعامل مع صندوق النقد ينطوي على تعقيدات مشابهة للحالة الأرجنتينية، ما يجعل المؤسسة الدولية في ورطة لإنقاذها هي الأخرى.

فمن ضمن البرامج الكثيرة التي وقّعتها الحكومات المصرية المتعاقبة مع الصندوق في 1977 و1987 و1991، لم تلتزم القاهرة بتنفيذ أغلب البنود إلا في اتفاق 2016، وإن لم يشمل الالتزام كافة جوانب الاتفاق.

ومن أبرز البنود التي تجاهلتها مصر بعد 2016، هو عدم التزامها بسعر صرف مرن، إذ أبقت على نظام مُدار لسعر الصرف، بشكل غير رسمي، علاوة على توسع الدولة الكبير في الاقتصاد على حساب القطاع الخاص. واضطر الصندوق لتجاوز هذه النقاط الخلافية في مراجعاته وتقاريره الكثيرة بين 2017 و2022.

وفي ظل الاتفاق الأخير الموقع مع الصندوق في ديسمبر/كانون الأول 2022، اكتفى الصندوق بالإفراج عن أول شريحة من القرض لعدم التزام الحكومة ببنود الاتفاق وتجميد الشريحتين التاليتين، مع السكوت عن إصدار مراجعات يكشف فيها خلافاته مع مصر. إلى أن تم التوصل لاتفاق غريب من نوعه في سبتمبر/أيلول بمقتضاه يتم دمج أول وثاني المراجعات لتصير في تقرير واحد، لم يصدر حتى يومنا هذا.

الخلاصة أنَّ الصندوق جهاز بيروقراطي ذو طبيعة دولية، يملك نقاط قوة في مواجهة مدينيه، ولكن لديه أيضًا نقاط ضعف، تحمي حكومات الدول المقترضة من الوقوف مسلوبة الإرادة عندما تلجأ إليه.

وبقدر ما لهذه الدول من مساحات للحركة والتفاوض والمناورة، فإنَّ عليها مسؤولية في طبيعة الاختيارات التي تتخذها في التعامل مع الصندوق وغيره من المقرضين، وفي إدارة اختلالاتها المالية والنقدية، التي كثيرًا ما تكون هي نفسها ناتجة عن قرارات خاطئة سابقة.