روبرت بريسون. الصورة من imdb
-

روبرت بريسون: خلاص السينما من كل الفنون

منشور السبت 21 أغسطس 2021

"بريسون هو السينما الفرنسية، كما أن دستويفسكي هو الرواية الروسية وموزارت هو الموسيقى الألمانية."

جان-لوك جودار.


بدأ طريقي إلى روبرت بريسون عبر مارتن سكورسيزي. عندما شاهدت فيلم سائق التاكسي لم أكن أعلم شيئًا عن بريسون ولا عن أثره على بول شريدر مؤلف الفيلم، لكن توصلت لذلك لاحقًا كما سأعرض. كانت موجة هوليود الجديدة، بمخرجيها أمثال سكورسيزي وفرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرج، مدخلًا للسينما العالمية وبداية لمشاهدة تتخطى حدود الهواية. تنقلت بين الواقعية الجديدة الإيطالية والموجة الجديدة الفرنسية بالتوازي مع اكتشاف أكيرا كوروساوا وإنجمار بيرجمان وصولًا إلى العبقري الروسي آندريه تاركوفسكي.

كان لتجربتي مع سائق التاكسي وأفلام تاركوفسكي، المرآة بالأخص، أثر مشابه نسبيًا. فعلى الرغم من تمرد الأول على قالب القص الأنجلو-ساكسوني المتعارف عليه من مقدمة وحبكة وصراع ومواجهة وحل، وخصوصية حالته، لكنه تركني في حالة مربكة من الارتباط والاستفزاز والصدمة والدهشة. لم أكن أعلم حتى تلك اللحظة أنه يمكن صناعة أفلام كهذه، والتعبير عن مشاعر كتلك على الشاشة، حتى أني لم أملك إلا أن أعيد شريط الفيديو حينها إلى بدايته ومعاودة المشاهدة فور إدراك أن الفيلم انتهى وأن أسماء صانعيه مستمرة في العرض وفي خلفيتها شوارع نيويورك بعين ترافس السائق لعدة دقائق. تملكني شعور مشابه عندما بدأ سرد المرآة، الأقرب للاستنباط الشعري، بسيط ومؤثر وقريب كتجربة شخصية لي كمشاهد. تضافرت لغة سينمائية فريدة مع تلك التجربة الشعرية شكلت لدي رحلة تحاكي حلمًا مألوفًا تربطه أحاسيسه أكثر من أحداثه.

بحثًا عن الذين أثّروا في تاركوفسكي فرض بريسون حضوره، وبمشاهدة مذكرات كاهن ريفي رُسِم خط مع سائق التاكسي. لم تترك المشاهدة الأولى لأفلام بريسون بصمتها في البداية، لكن مع الوقت انطبعت طريقته بداخلي وصار أسلوبه وتجربته السينمائية الأقرب لذوقي الحالي.

الغريب

لا يتوفر الكثير عن فترة تكوين روبرت بريسون، عدا أنه فرنسي، ولد لأسرة كاثوليكية، ودرس الفنون الجميلة وبدأ حياته رسامًا ثم عدل عن ذلك المجال لرأيه بأن ليس هناك ما يمكن إضافته واكتشافه في الفن التشكيلي بعد سيزان. اقتحم السينما بفيلم قصير لحقه بفيلمه الروائي الطويل الأول ملائكة الخطيئة عام 1943 ثم أسره النازيون في الحرب العالمية الثانية.

أخرج فيلمه الثاني Les dames du Bois de Boulogne عام 1945 مع نهاية الحرب عن سيناريو للمخرج والكاتب المسرحي والفنان التشكيلي جون كوكتو. كان لأسلوبه حضور محدود في تلك الأعمال قام بتغليبه فيما قد نسميه أول أعمال مشروعه السينمائي؛ مذكرات كاهن ريفي. وخلال ما يقرب من خمسين سنة أخرج بريسون 13 فيلمًا فقط، كان في الثانية والأربعين عندما صنع أولهم.

الإعلان التشويقي لفيلم مذكرات كاهن ريفي


رأيت دومًا همًّا ما في سينما المؤلف، كالحالة العبثية عند الأخوين كوين أو الأسر المفككة عند ويس أندرسون. أما في مشروع بريسون السينمائي من قالب ومحتوى، كان الخلاص دائمًا هو الفكرة الأكثر حضورًا بإحساس نجح في إشراكي معه فيه. أسس بريسون لغته على عدة قواعد تهدف إلى فصل السينما عن باقي الفنون السابقة لها وفتح آفاق جديدة لها، دفعت تلك الالتزامات، كغيرها من القيود، حركة الإبداع، فالحاجة أم الاختراع. 

كان المحتوى مواكبًا لذلك القالب، دارت موضوعات بريسون حول شخصيات تبحث عن الخلاص بطرق شتى. وتبدو تجربته الشخصية حاضرة في طليعية طرحه واستنتاجه لتلك الرحلات، فسجين الحرب ذي الخلفية الكاثوليكية بدت رؤيته غنوصية، تظهر بها وجودية ديستويفسكي الذي اقتبست كتابته بشكل مباشر وغير مباشر في عدد من أفلام بريسون. وسؤال ما بعد الحرب، بعد إدراك أن الدمار التام وارد وخيبة الأمل في المخلص أيًا كان. ذكر بريسون إحساسه بحضور الإله في روح الأشياء، في الطبيعة، في الريف. ربما كانت أفلامه التي دارت أحداثها في الريف محاولة للتواصل مع تلك الروح.

قس شاب صاحب مرض يصل قرية صغيرة، يجاهد نفسه ذهنيًا وبدنيًا، بين صحته المتدهورة وأهل القرية الذين يحاول هدايتهم وروحه التي لا تسلم من أسئلة يبحث عن إجاباتها في مناظرة رعاياه ورئيسه الأكبر. تضاد بين فيلميه التاليين، هارب ونشال. في الأول استحضار لتجربته كأسير حرب بقصة تشبه قصته، صورها في السجن الحقيقي لعضو في المقاومة يخطط للهرب ويحضر أدواته، وكلما اقتربت اللحظة الفارقة تشكك في جدواها. تنمو شكوكه لما وراء الهروب من قضية حتى تستقر عزيمته بحواراته مع زميل زنزانته ورفيق رحلة هروبه الذي يصغره سنًا وخبرة، بل وقد أتى من مسافة أبعد عن المقاومة.

أما الثاني، فعن عاطل يقتحم عالم النشل وينجح فيه، وهو يحاول الهرب من مشاعره والتواصل مع الآخر. حافظ على مسافة بينه وبين أمه المريضة رغم حبه لها، وحاول تكرار ذلك مع جارة اعتنت بها فزاد اهتمامه بها أثناء زياراته القصيرة لأمه. بدا توغله في عالم النشل وتعرفه على محترفين آخرين وتطور مهاراته هروبًا من خوفه من تعلقه بها، وبدا النشل محاولة تقرب آمنة مع الآخر عن طريق اقتحام خفي لمساحة ضحاياه الشخصية.

الإعلان التشويقي لفيلم الهارب


الهارب ونشال يطرحان سؤالًا حول ماهية السجن، بين سجين فعلي يتوق للحرية له ولبلاده، ووحيد تحجزه هشاشته عن الآخر، يستشهد بكتاب بارينجتون أمير النشالين في سؤاله عن ماهية السجن. وتقريبًا في منتصف مشواره السينمائي، قدم عمله الأكثر تفردًا في رأيي، بلتزار بالصدفة. رحلة حمار بقرية على مدار عدة سنوات، تبدأ بولادته وتنتهي بموته، كحياة الإنسان، أو قديس، لما تعرض له من ألم على يد أهل تلك القرية، الذين نتابع حوله صراعاتهم بشكل متفرق وشخصي، تحاكي مواقفهم الخطايا السبع المميتة.

السرد

رجوعًا إلى تحدي بريسون في اكتشاف فن السينما الوليد، كانت قواعده في صناعة الأفلام تضع قيودًا على تدخل الفنون الأخرى في السينما وتحرير أدوات الأخيرة للعثور على ما يناسبها للحكي، بداية من السرد*. عمَّ السرد القصصي الأفلام، وذلك لألفته ومراعاة قوالبه لجذب انتباه المشاهد وتبلور ذلك القالب في الدراما (المسرح). انتبه بريسون لذلك واختار سردية أخرى تقوم على الإيقاع. بما أن السينما فن يتميز بتحكمه في وقت عرض اللحظة، وجد بريسون في مساحة الأحداث داخل المشهد وعلاقة المشاهد ببعضها، إضافة إلى حجم كل منها، وسيلة لتكوين صورة كاملة يحكي من خلالها عوضًا عن المشاهد المرتبطة المسببة بالدراما.

بالتالي ولمعرفة ما يدور حوله الفيلم تجب مشاهدته كاملًا، وربط مشاهده وما تعبر عنه ببعضها حتى تكتمل الصورة، وحينها لابد من التعبير عما يحدث في عمق وخلفية ما رأينا، لأن تتابع الأحداث لن يبدو مسببًا أو مترابطًا للمشاهد. عندما ذكرت الخط الرئيسي لبعض أفلام بريسون سابقا، تكلمت عما يدور خلف المرئي أو بمعنى أدق، ما لم نره.

يعمل بريسون في سرده وتكوين مشاهده على مبدأ الانتقاص. على حد قوله**، يسير بريسون على خط خطر بين عرض يفوق اللازم وعرض غير كافٍ. في مذكرات كاهن ريفي، يصل خبر وفاة الكونتيسة للكاهن، نتابع خطواته على سلالم منزل الفقيدة، نراه من منتصف الطريق في لقطة كاملة يقترب حتى لقطة قريبة ثم يبعد مرة أخرى حتى يصل للدور العلوي ويدخل الغرفة، نتابعه يدخل في لقطة متوسطة من موقع فراش الكونتيسة وسط الحضور وزهور وشموع العزاء، نتابع حركته حتى يصير في لقطة قريبة، يملس بيده على جبهتها دون أن نراها، ثم يتركنا مغادرًا، نتابعه ينزل السلالم من نفس الموقع السابق مقابلا ابنتها في طريقها للغرفة.

تطور ذلك التكوين في بلتزار بالصدفة، عند موت المدرس. تفتح زوجته باب الغرفة ليتقدم قس، يدخل ونتابعه وتبقى هي بالباب، نرى المدرس على الفراش في لقطة متوسطة يدير ظهره للقس الذي يقف ونتابع يديه تسحبان الكتاب المقدس من فوق طاولة مجاورة بعد أن وضع فوقه كتابًا آخر، يجلس ويفتح الكتاب المقدس ويحاول استمالة المدرس العنيد صاحب خطيئة الكبر للتوبة، لكنه لا يستجيب، تغلق الزوجة الباب وتخرج لتجلس بجوار النافذة بالخارج، تدعو الله ألا يتوفاه الآن، نسمع طرقًا رقيقًا على النافذة، تلتفت، نرى يد القس تسقط بخفة، تقوم وتدخل الغرفة، تقترب من زوجها وقد اعتدلت رقدته، لا نرى وجهه، تركع لتريح يديه فوق بعضهما على بطنه وتقبلهما، تدخل يد القس في التكوين وترسم الصليب فوق الجثة. المشهد التالي نرى الزوجة جالسة في الفناء ويدها فوق وجهها، وعند انتباهها لحضور شباب القرية تلتفت ونرى الدموع على وجهها.

الإعلان التشويقي لفيلم بلتزار بالصدفة


هكذا تبدو شاعرية بريسون، أقوى عاطفة هي العاطفة المكبوتة، والحد الأدنى من الظاهر يترك مجالًا لتكوين البقية بداخل المتلقي.

المكان

لعب المكان دورًا آخر في مكونات السرد لدى بريسون، فمثلا استخدم الأبواب والنوافذ في عدة أفلام لإبراز علاقات الشخصيات ببعضها. في مذكرات كاهن ريفي، يعرف القس عن أهل قريته ما هو حميمي بحكم دوره وجلسات اعترافاتهم، وفي الوقت ذاته تتعدد الحواجز بينهم خارج الكنيسة.

نرى ذلك في مشهد زيارته للكونتيسة؛ يعبر القس البوابة الحديدية ويسير في الحديقة باتجاه المنزل، يراه الكونت ورفيقته من نافذة ويبدو عليه الاستياء وعليها القلق، نراه يقترب من خلف باب زجاجي، يصل ويطرق الزجاج برفق، يفتح الباب ويدخل، يلاحظ بابًا يقفل وهو في البهو، يُحرَج، ثم يلاحظ الكونتيسة جالسة مهمومة بغرفة أخرى خلف باب مفتوح، يحييها فتغلق كتابها وتترك صورة لابنها الطفل الفقيد حيث توقفت قراءتها ثم تخرج ويجلسان قرب المدفأة في البهو.

كما نرى من ذلك البناء، استبعد بريسون كل ما له علاقة بالأدب والمسرح، بما في ذلك الممثل. لا يترك بريسون الكثير للممثل وأدائه، أما ما تبقى من مساحة، فاستغلها بريسون بشكل مختلف. امتنع عن العمل مع ممثلين محترفين منذ مذكرات كاهن ريفي، وأصبح يشير لممثليه بكلمة "موديل". اعتقد بريسون أن ذلك سيكون أكثر نقاءً، بحسب إحدى مقابلاته*** "سر الجاذبية هو عدم وعيها لذلك".

كثيرًا ما ترك الممثلين يكررون لقطاتهم عدة مرات حتى تخلص من محاولاتهم في "الأداء" وتبقى له شيء خفي وخام. شيء ببساطة نظرة الشخصية الرئيسية في نشال. متابعة أيدي الشخصيات، التي صارت إحدى علامات بريسون المميزة، ليخلق بها ترقب وديناميكيا أكثر تلقائية للحدث، مثل تبادل الرسائل بين السجناء في الهارب وسرقة الجيوب في نشال، حتى أن كثيرًا من شخصياته مارسوا حرفة يدوية.

في فيلمه أربع ليالٍ لحالم، عن قصة الليالي البيضاء لدستيوفسكي، نتابع الشخصية الرئيسية وهو يرسم ويسجل بصوته مقتطفات مما يبدو مشروعًا أدبيًا، يتطور مع تطور الفيلم. بعد اختلاء "أرسني" المتمرد، الذي يمثل المضاد لـ"موشيت"، بالفتاة البائسة في كوخه، ترجع لمنزلها ونتابع يدها وهي تقوم بتحضير وجبة طفلها الرضيع من حليب دافئ، ثم تجلسه على حجرها وتقوم بإرضاعه، نرى وجهها الثابت يدمع، ثم نرجع ليدها حاملة الحليب لفم الرضيع والدموع تتساقط عليها.

الإعلان التشويقي لفيلم أربع ليالٍ لحالم


كما أبقى بريسون على حوار أقرب إلى المنولوج، الشخصيات تبدو وكأنها تحدث نفسها أو عن ما تشعر به ولا تفهمه، ولذلك كثيرًا ما كان هناك حوار منفرد للشخصية الرئيسية أمام انعكاسها في مرآة ما، سواء كانت صوتًا معاكسًا من شخصية ذات سلوك مختلف مثل زميل سجين الحرب في الزنزانة أو أرسني مقابل موشيت، أو كانت مقابلة لصوت أكثر حكمة لكن دون تواصل ناجح، مثل القس الأكبر في مذكرات كاهن ريفي أو ضابط البوليس في نشال. ذلك بالإضافة إلى المونولوج الفعلي، عن طريق راوٍ أو كتابة مذكرات يومية، أو كليهما، وطبعًا مرة أخرى بشكل متضافر مع القالب، مثل الرسالة المجهولة التي نجح القس في ربطها بصاحبتها رفيقة الكونت عندما رأى ورقة لها في نسختها من الكتاب المقدس، أو تدوينات السجين على حائط زنزانته.

يشكل الصوت والصورة عنصران أساسيان لفن السينما، وتطور استخدامهما لأفق واسعة، وصارت هناك تقنيات لكل منهما وجمالياته، وهو ما توقف عنده بريسون. رفض بريسون جماليات الصورة واعتبر التكوينات التشكيلية بطاقات بريد، كما استخدم الموسيقى التصويرية استخدامًا محدودًا لتفعيل علاقتهما بالفيلم.

ما رفضه بريسون في الاثنين هو استقلاليتهما عن الفيلم، بمعنى أنه لا يجب أن يقول تكوينٌ بصري ما أي شيء، ولا أن تعبر الموسيقى عن مشاعر على الشاشة، أو تؤكدها. ولذلك ندرت الموسيقى التصويرية في أفلامه، باستثناء الأفلام الأولى ومذكرات كاهن ريفي، وبدلًا من ذلك استخدم مقطوعات كلاسيكية بمواضع لا تسمح لها باستقلالية تعبيرية. وفي مقاومة التشكيلية، استخدم عدسة واحدة، 50 مم، وقاوم صناعة أفلام ملونة لوقت متأخر، وحافظ على تكوينات لا تعكس معنى إلا بلقطة مقابلة، حتى تظل اللغة السينمائية هي الفاعلة.

يعي بريسون التحفز الذي يمكن خلقه في العلاقة بين الصوت والصورة، وأن وجود أحدهما يجعل المشاهد في انتظار الآخر. وبهذه الطريقة يمكن بناء تعقيد وحل للحظة سينمائيًا. في مشهد احتماء موشيت داخل كوخ أرسيني من الأمطار، يتركها ويذهب باحثًا عن حذائها المفقود، تجلس بالقرب من الموقد بينما نسمع صوت رياح وحفيف واحتراق أخشاب الموقد، تحاول تجفيف نفسها في صمت، تجلس ساكنة، نسمع صوت رصاص، تنظر إلى باب الكوخ فنرى بندقيته مستندة على الباب، نرجع لموشيت، تظل قلقة، يقترب ظل خلفها، نرى أرسني يرجع لها حذاءها.

في مشهد استمر أكثر من عشر دقائق، يبدأ بلقطة قريبة لمدفأة ترتب أخشابها يد الكونتيسة، تتضح بالتدريج وتبدأ مناقشتها مع القس التي يحاول استتابتها بها ويعقب راويًا ما يدور برأسه من مشاعر متضاربة، وتتصاعد حدة المواجهة حتى ترمي الكونتيسة بقلادتها التي تحمل صورة طفلها الفقيد في المدفأة، يمد القس يده حذرًا ليسترجع القلادة من وسط النار، تبكي الكونتيسة راكعة تائبة ويقوم بمباركتها.

على نطاق أوسع، عمم بريسون ذلك النهج بين الشد والراحة للمتلقي داخل إطار الفيلم ككل. أجّل إشباع المشاهد بالإبقاء على الترقب وتفادى مساومته بمنعطف أو معالم للأحداث حتى يتم إلهامه في النهاية بتحرير من ذلك الشد، والذي يمكنه أحيانًا أن يكون تحررًا خفيًا تأثيره لا شعوري. على سبيل المثال، لقطات مذكرات كاهن ريفي تميل للثبات والحركة البسيطة في أمكان مغلقة، إلى أن يغادر القس ويستجيب لعرض سائق الموتوسيكل ونراه منتعشًا بسرعة تحليقه، وفي النهاية عقب وفاته يتشيأ إلى ظل صليب خلف رسالة تقرأ عن لحظاته وكلماته الأخيرة.

في نشال تعلو موسيقى للمرة الأولى أثناء تقبيل النشال لرفيقة صاحبه من خلف القضبان، وهي اللحظة الأولى التي يطلق مشاعره تجاه الآخر متجاوزا هشاشته ومخاوفه التي حالت بينه وبين الغير طوال حياته. وفي الهارب ينطلق السجين وزميله خارج السجن في لقطة واسعة وتعلو معهما الموسيقى. يتحدى ذلك السرد المشاهد ويدفعه لتقديم الخطوة الأولى في الانتباه، وعندما يتم إشباعه تترك التجربة لديه أثرًا أعمق وإلهامًا يستمر لما بعد متعة المشاهدة الوقتية.

الطريق

التحول هو مفتاح بريسون. كل عناصر الفيلم من سرد وصورة وصوت وممثلين يجب أن تتحول لشيء أكثر اعتمادية في السينما، لا بد لكل عنصر أن يستمد معناه من علاقته بالبقية، وإلا صارت السينما امتدادًا للفنون السابقة لها.

رجوعًا إلى سائق التاكسي، ذكر المؤلف بول شريدر، وهو من أشد المعجبين ببريسون، أثر مذكرات كاهن ريفي على فيلمه، فالشخصيتان الرئيسيتان يشتركان في الصحة المتدهورة وإهمال صراعاتهما الذاتية مقابل الهوس بما حولهما، الاغتراب، وتدوين المذكرات. حتى سرد سائق التاكسي كان تمردًا على مفهوم الحبكة التقليدي، وحافظ على التوتر حتى لحظة الذروة في نهايته الدموية.

لم يكن شريدر أول أو أخر المتأثرين ببريسون، فإن مخرجين في حجم مايكل هنيكه وشانتيل أكرمان وعباس كياروستامي تأثروا وأكملوا على ما بدأه المخرج المغترب. هناك أيضًا في هوليود من يعيد اكتشافه حاليًا مثل روجر إيجرز مخرج المنارة. في الناحية الأخرى، رفض بريسون أن يتأثر بأحد، ولم ألاحظ أي بصمة لمخرج آخر في أعماله، وكان منفرًا لكثير ممن عاصروه.

وإلى جانب هذه الانتقادات، استقبل بريسون صيحات استهجان أثناء صعوده المسرح لتسلم جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان عام 1983 مناصفة مع آندريه تاركوفسكي، وسط تصفيق آخرين. وعلى الرغم من إنه كان عن آخر أفلامه المال، فمن المؤكد أن تلك الحادثة لم تكن لترجعه عما بدأه، لأن صاحب همَّ الخلاص لم يكن ليتراجع بعد أن نجح في تشييد معلم جديد في طريق السينما، أو أداته في التقرب إلى الله كما كان يزعم.


* Bresson, Robert (1997). Notes on the Cinematographer

** From an interview with Charles Thomas Samuels, in Encountering Directors (New York: Da Capo Press, 1987

*** Bresson, Robert (1997). Notes on the Cinematographer