200 سنة دوستويفسكي: على طاولة المقامر وشياطينه
في حانة عتيقة، كان النادل يلف زجاجات الخمر للزبائن في أوراق الكتب والمجلات القديمة، التي يحصل عليها كيفما اتفق من بائعي الورق بالميزان، وكان ثمة شاب يجلس على البار يحتسي مشروبه حين رأى كتابًا باللغة الفرنسية يهم النادل أن يقطع منه ورقة فاستوقفه. كان الكتاب سليمًا لا يزال، فتصفحه الشاب قبل أن يعرض على الساقي شراءه فوافق.
متأبطًا كتابه الجديد خرج الشاب إلى الشارع، وهناك التقى صديقًا حميمًا جذب ما كان يحمله انتباهه، ومثلما فعل الشاب في الحانة تصفح الصديق الكتاب، لكن الأخير عرض استعارته بدلًا من شرائه. كان الكتاب هو رواية الفقراء لفيدور دوستويفسكي، وكان الصديق الذي التقطه قبل أن يطلب استعارته، هو المترجم الراحل د. سامي الدروبي، وكانت تلك الرواية التي لم يعدها إلى صاحبها قط هي أول ما ترجم من الأعمال الكاملة للكاتب الروسي الذي يحتفل هذا الشهر بعيد ميلاده المائتين.
ليس ثمة ما يؤكد تلك الحكاية الطريفة، التي استمعت إليها ليلى الدروبي من صديق لأبيها بعد وفاته، سوى أنها تشبه دراما دوستويفسكي نفسه، وتليق، وفق منطقه السردي، بأن تكون توطئة لمشروع ترجمة ضخم أنجزه المترجم السوري المخضرم، الذي يشبه في هذه الحكاية راسكولنيكوف بطل الجريمة والعقاب عندما خطط لقتل المرابية بعد أن استمع لحوار عابر في حانة عن جشعها ووهنها ووحدتها التي تغري بقتلها وسرقتها. هل كان راسكولنيكوف في حاجة إلى ذلك الحوار ليقدم على فعل القتل؟ هل كانت ترجمة دوستويفسكي إلى العربية صدفة؟
ولد فيودر دوستويفسكي في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1821، وتوفي عن ستين سنة في التاسع من فبراير/شباط عام 1881، وترك ست عشرة رواية مؤسسة من عيون الأدب العالمي، سبقت أساتذة علم النفس في تشريح داخل الإنسان وتناقضاته، وأسست لما يمكن التعامل معه الآن باعتباره علمًا نظَّر له فرويد ومن جاء بعده.
في الاحتفال بالذكرى المائتين لميلاد دوستويفسكي، خططنا لملف تضمن 10 موضوعات عن الكاتب الروسي وأدبه، لكن لأننا فيما يبدو، نسير وفق دراما ينسجها من مرقده، صار عدد المواد عبر صدفة لا تخلو من قصدية، 11 مادة قبل أيام قليلة من ذكرى ميلاده وموعد نشر الملف، وكأنه يصيغ من خلالها الرقمين المكونين لعيده والشهر الذي ولد فيه.
في هذا الملف، الذي شارك فيه بالكتابة روائيون وشعراء وسينمائيون ومترجمون وقراء، قررنا الابتعاد عن أي تناول مدرسي لأعماله، وإنما جلسنا، في ود، إلى طاولة يحتل رأسها دوستويفسكي، وتبادلنا ونصوصه حوارات طويلة، لكنها على عكس دأب صاحب المقامر والشياطين لم تكن مونولجات داخلية، وإنما ثنائية، تستهدف إعادة التأمل والقراءة والبحث عن الجديد.