صورة لرومان بولانسكي عام 1984. من ويكيبيديا - برخصة المشاع الإبداعي
-

رومان بولانسكي: السلطة والجسد وثنائيات أخرى

منشور الخميس 2 ديسمبر 2021

يحتل الجسد حيزًا كبيرًا من اهتمام الفكر الفلسفي المعاصر، إذ يرتبط بقضايا أخلاقية وجمالية ومادية. و على مدار الحضور البشري على سطح الأرض، مثَّل الجسد إشكالية كبيرة، وتم وصمه بأنه معبر عن الشهوة ولا بد من الزهد عنه، واختلف الفلاسفة في تصنيفه، فرآه البعض كساعٍ للملذات التي لا بد أن نترفع عنها ولا نكون عبيدًا لها، بينما فكر فيه آخرون في نطاق تجريبي بعيدًا عن السياق الأخلاقي والمعايير القيمية.

لم يقف التنظير للجسد عند حد الفلسفة أو الأوراق البحثية، بل شكَّل جزءًا مهم من الفنون، بداية من الفنون التشكيلية والرسم على الجدران والتماثيل الإغريقية والرومانية، وصولًا إلى فن المسرح، الذي يحتل فيه الجسد (جسد الممثل) حيزًا هامًا من تشكيل المسرح وتلاه فن السينما، الفن السابع الذي اتخذ من الجسد عوالم للبحث والتنقيب تارة عن الحقيقة الكامنة وراء الوجود الإنساني وأخرى لتحقيق المتعة والاستخدام الإيروتيكي البحت.

بين هذا وذاك قدم المخرج البولندي الفرنسي رومان بولانسكي الجسد في تمثلات عدة من خلال أفلامه، التي لا تهوى الجسد لذاته لكنها تحقق من خلاله غايات عدة، فهل يمكن أن تكون السينما المعادل البصري للفلسفة؟

النظرية والتجريب

ما بين التنظير والتجريب حاول ميشيل فوكو فهم الجسد في سياق السلطات الأكبر مثل السلطة السياسية والاجتماعية والمنظومة الدينية والأخلاقية وما تحويه من مفاهيم مثل العادات والتقاليد والتطور البشري، أوجه السلطة المركبة تلك أسفرت عن فهم الجسد من خلال ثنائيات وتمثلات متعددة الطبقات.

قد نعتبر بولانسكي واحدًا من الراغبين في فهم تلك العلاقة المشتبكة بين الجسد والسلطة بأشكالها من خلال السينما، حيث شكل الجسد نقطة ارتكاز وتلاقي بين شخوص أفلامه، كما في Bitter Moon 1992 وDeath and the Maiden in Fur 2013. ومن خلال متابعة تاريخ أعمال بولانسكي نجد تكرار اسمه أيضًا في خانة التأليف لأفلامه، كذلك حضور النص الأدبي والمسرحي في أغلب الأعمال كمصدر للقصة والحبكة وأغلبها نصوص يغلب عليها الطابع الفلسفي التفكري.

قدم بولانسكي ما يزيد عن 40 فيلمًا للسينما حضر في أغلبها، تارة بذاته كممثل مثل The Tenant 1976 وأخرى بأفكاره ككاتب وأخرى بصفته كمخرج.

بدأ بولانسكي في السينما عام 1955 وقدم مجموعة من الأفلام القصيرة المعتمدة على الحدث الواحد المكثف، موظِفًا المفارقة الدرامية الصامتة، حتى عام 1962 الذي قدم به أول أفلامه Knife in the Water.

من فيلم Knife in the Water


يمكن تقسيم مسيرة بولانسكي السينمائية إلى عدة مراحل؛ الأولى الرعب النفسي فيما يتخلله الجنس كدافع، وهو ما ظهر في أفلام مثل Repulsion 1965 و Rosemary's Baby 1968 وThe Tenant 1976.

المرحلة الثانية هي الاستكشاف للطبيعة البشرية والتجريب في مقوماتها، لا سيما الجسد، وظهرت في أفلام مثل Bitter Moon 1992وDeath and the Maiden 1994 وThe Ninth Gate 1999 وVenus in Fur 2014.

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التجاذب والسيطرة، من خلال الحوار على لسان الشخصيات، وهو ما ظهر في أفلام مثل Carnage 2011 وD'après une Histoire Vraie 2017.

جذور وثنائيات

بالعودة إلى الحياة الشخصية لبولانسكي، نجده مر بصعوبات عديدة تسببت في تفكك أسرته واضطهاده كونه يهوديًا، خضع على إثرها إلى معادلة الظالم والمظلوم وكان يلعب دور المظلوم أو الخاضع، هل شكلت هذه الطفولة تعقيدات حاول التنفيس عنها على مدار حياته، قد تكون الإجابة نعم، لا سيما مع تورطه في قضايا اعتداءات جنسية صدرت أحكامها عام 1977. على ما يبدو أن بولانسكي كان يلعب دور السيد/ الظالم/ السلطوي.

يشير فوكو في ثلاثيته الشهيرة تاريخ الجنسانية إلى أن الجسد مرتبط بثنائيات "السلطة والخضوع"، "العادي والشاذ"، "المنطق واللامعقول". خلال أفلامه قدم بولانسكي ثنائيات أخرى؛ "الأنا والآخر"، "العدالة والظلم"، "الجسد والروح"، "المادي والمعنوي"، و"الذاتي والموضوعي". ظهر هذا من خلال تمثلات الشخصيات في أفلامه وما تحمله من أفكار، وقد تتماهى تلك الثنائيات وتتداخل أو يتحول الظالم إلى مظلوم والخاضع إلى سلطوي والرجل إلى مرأة، يمكن للجميع أن يتحول وينتقل من المربع ألف إلى المربع باء وهكذا.

من فيلم Venus in Fur


في فيلم Cul-de-sac 1966، يظهر هذا التبادل في الأدوار بين الرجل والمرأة في المظهر، حيث يبدل جورج وتريزا ملابسهما ويرتدي كل منهما ملابس الآخر، يبصبح هو في مظهر زوجته وهي في مظهر زوجها، يحتل المظهر وما يحمله من دلالات ومعان جانب هام لفهم شخصيات أفلام بولانسكي ومكنوناتها الداخلية.

تريلكوفسكي الذي لعب دوره بولانسكي في فيلم المستأجر 1976، شخص خجول يجد صعوبة في التعامل مع الآخرين من حوله، ما يزيد الأمر صعوبة هو استئجاره شقة لشابة حاولت الانتحار. يغرق تريلكوفسكي في الوحدة ويصاب بحالة من الاضطراب والتصور أن الجميع يحاول دفعه إلى الانتحار.

يُظهر الفيلم ان تريلكوفسكي نفسه قد يكون هو ذاته تلك الفتاة التي حاولت الانتحار، اتخذ التماهي هنا وتبادل الأدوار حيزًا أكبر من مجرد المظهر أو ظهور تريلكوفسكي في ملابس سيدة، حيث يعيش تريلكوفسكي حالة توحد مع هذه الشابة وتتماهى ذواتهما معًا، متجاوزين البعد المكاني والحيز الزمني والفروق الفيزيائية الجسدية.

على صعيد آخر تظهر به الثنائية ومساحات التبادل بصورة واضحة في فيلم Venus in Fur 2013، من خلال نص مسرحي واختبار لاختيار ممثلة للقيام بدور في مسرحية تعتمد على النص الفلسفي فينوس في الفراء للكاتب ساشر مازوخ. التقاطعات وتبادل الأدوار في الفيلم لا يقف عند حد المظهر الخارجي وإنما في عمق الشخصيات ذاتها، المخرج الذي يقدم دور توماس خلال اختبار الأداء، الذي يلعب دوره  ماثيو أمارلك.

تتداخل شخصيته مع شخصية توماس وما تحمله من تعقيدات ورغبات مازوخية خاضعة، إذ اتخذ بولانسكي من هذه العلاقة المعقدة بين توماس وفاندا محبوبته مجالًا للتبادل الأفكار والعبارات التي تحمل معانٍ فلسفية عديدة عن الجسد والسيطرة والخضوع والقوة، وماهية القوة وترجمتها الفعلية في الحياة والبيئة وانعكاسها على المجتمع، يتبادلان أيضًا مواضع القوة والسلطة من خلال الكلمة والحركة والفعل، رغم أن الجنس هو فعل حسي في ظاهره لكن يحاول بولانسكي وشخوص فيلمه الغوص في تحليل هذا الفعل ورؤيته في ضوء فلسفي متجاوزًا الجانب الحسي الواضح.

كما يستحضر سيطرة المجتمع الأمومي الذي تسيد العالم في بداية تكوينه قبل الهيمنة الأبوية الاستعمارية، وذلك خلال مشهد النهاية الاستعراضي. وما يزيد من التعقيد هو غرق الفيلم في التداخل بين الواقع والمتخيّل، الحقيقة والتصور، الصورة والأصل، معتمدًا على منهج تفكيكي لفهم مجريات العلاقة التي تجمع بين توماس وفاندا/ المخرج والممثلة.

يشكل الجسد في "فينوس في الفراء" المادة التي تتحرك وتخضع بفعل الأفكار والرغبات، فهو مجرد "شكل" للتعبير عن الحالة الشعورية والفكرية، في حين حضر الجسد كأداة تعذيب وانتقام في فيلم Death and the Maiden 1994، حيث تنتقم بولينا من دكتور روبرتو الذي عذبها واغتصبها أثناء اعتقالها بتهمة النشاط السياسي قبل انهيار ديكتاتورية بينوشيه في تشيلي.


اقرأ أيضًا: من هيتشكوك إلى تارانتينو: كيف انعكست ذكورية العالم على شاشة السينما؟

 

 

تريسي ريد في مشهد من فيلم دكتور سترينجلف، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأن أحب القنابل

يمثل الحوار على مدار الفيلم سيد الموقف، لا سيما أن الفيلم يدور في مكان واحد كما هو الحال في فيلم فينوس في الفراء، وهو ما يزيد من التعلق بالأفكار المطروحة والمستنبطة من حوار الفيلم، لكن على مدار الحوار نستنتج أن الجسد هو الوسيلة وليس الغاية لتحقيق انتقام بولينا وأداة تعذيبها من دكتور روبرتو خلال سجنها، وخضوعها لتعذيبه الممنهج. يطرح الحوار أيضا سؤال ماذا لو؟ يأتي ذلك على لسان روبرتو، الذي كان يتفنن في ابتكار سبل التعذيب ليس بهدف إشباع اللذة الجنسية لديه، بل لأنه امتلك السلطة على الأجساد.

تتغير المعادلة وتصبح الضحية هي الجلاد، في ترجمة إلى أن الظلم لا يولّد إلا الظلم، وهو ما يعيدنا إلى حياة بولانسكي الأولى وتعرضه للاضطهاد والظلم، ومحاولة للعب دور بديل، تقديم بولانسكي لتلك الأفلام والأفكار يعد محاولة بحث عن إجابة لإشكالية الخضوع ليس بشكل دراماتيكي وإنما من خلال تصوير تمثلات عدة، استغلال العلاقة الجنسية كواحدة من أشكال الإخضاع كما في Bitter Moon أو الانتصار في الجدال  كما في Carnage أو الانتقام للاستشفاء والخلاص كما في Death and the Maiden، الغرض من تلك التمثلات هو الوقوف على عتبة فهم الإنسان وتوضيح أن هذه العملية لا تعتمد بالضرورة على الوصول إلى ضفة أخرى، قد لا توجد ضفة أخرى.

هكذا، نلاحظ أن الدائرية أحد سمات أفلام بولانسكي، تبدأ من نقطة لتعود لها في أغلب الأحيان، وعادة ما تكون دائرة كابوسية كما حدث مع روزماري وتريلكوفسكي وآلان نانسي في فيلم Carnage، نسبية الحقيقة تحيل دون الوصول إلى إجابة شافية نتأرجح معها بين الحقيقة والمتصور، الواقع وما نريد أن يكون عليه.