تصميم: يوسف أيمن- المنصة
-

نجيب محفوظ على المسرح: نصوص مجهولة ومعالجات قصيرة الذيل

منشور الأحد 12 ديسمبر 2021

تحت مظلة الاحتفاء بالذكرى الـ110 لميلاد أديب نوبل نجيب محفوظ (11 ديسمبر/ كانون الأول 1911-30 أغسطس/ آب 2006)، انطلق في القاهرة منذ أيام قليلة العرض المسرحي زقاق المدق، المأخوذ عن روايته الشهيرة الصادرة بنفس الاسم عام 1947، وذلك في الموسم الشتوي الأول للعرض على مسرح البالون بالعجوزة، بعد افتتاحه للمرة الأولى خلال الصيف الماضي بالإسكندرية، على مسرح محمد عبد الوهاب.

يأتي هذا العرض، الذي يقدّمه في إطار كوميدي موسيقي غنائي البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، بإخراج عادل عبده ورؤية درامية لمحمد الصواف، ليفتح الباب واسعًا للإطلال على علاقة نجيب محفوظ بالمسرح، التي ربما لا تحظى بالقراءات والإشارات الكافية، رغم أنها تعود إلى زمن بعيد.

 

بوستر المسرحية- الصورة: صفحة باسم المسرحية على فيسبوك

علاقة محفوظ بالمسرح علاقة ملتبسة، متعددة الوجوه والتمثلات، وتعكس مراياها المتنوعة حضور مؤلفات محفوظ في العُلبة المسرحية من جهة، وحضوره هو ككاتب وكإنسان في ذلك الحيّز الشيّق الشائك من جهة أخرى، إلى جانب استدعاء شخصياته الفنية الأيقونية المحفورة في الوجدان المصري من أمثال "سي السيد" و"الست أمينة" و"محجوب عبد الدايم" و"زبيدة العالمة" و"علي طه" المناضل الثوري و"إحسان شحاتة" البغيّ و"سعيد مهران" اللص و"رؤوف علوان" الصحفي وغيرهم، لكي تلعب أدوارًا جديدة ومغايرة لقاموسيتها الروائية الثابتة في الذاكرة، من خلال معالجات معاصرة تتسع للواقعي والفانتازي والأسطوري معًا على خشبة المسرح الحديث والطليعي.

إلى أي مدىً أحْسَن "أبو الفنون" استقبال سيّد الرواية العربية؟ وفي المقابل، إلى أية سماء ارتقى، أو أراد أن يرتقي، نجيب محفوظ وعوالمه ولوازمه ومتعلقاته في فضاءات المسرح الشاهقة؟

ربما تقتضي الإجابة الدقيقة المتأنية عن مثل هذه التساؤلات، المضيّ قدمًا في مسارات كثيرة، مرواغة ومتشعبة، منها ثلاثة محاور أوّلية تسعى هذه السطور إلى خوض غمارها، مستذرعة بالتشكك أكثر من تحمّسها لليقين.

المحور الأول؛ الوقوف عند حافة النصوص النادرة، التي كتبها نجيب محفوظ للمسرح بشكل مباشر، والثاني؛ ملامسة العروض المسرحية المأخوذة عن رواياته وقصصه، مثل بداية ونهاية وزقاق المدق والثلاثية وغيرها، ولماذا لم تحقق أغلبيتها فنيًّا (ومن الوجهات التسويقية والجماهيرية حتى) رواجًا يداني حجم مبيعاتها الورقية وأرقام متابعاتها كأفلام سينمائية ومسلسلات تليفزيونية وحلقات إذاعية؟

أما المحور الثالث؛ فالالتفات إلى تلك المعالجات المسرحية، التخييلية والتجريبية في معظم الأحوال، المستوحاة من ظلال مؤلفات نجيب محفوظ، ومن هوامش سيرته الذاتية والعائلية، ومن لقاءات أصدقائه في شلة الحرافيش، ومن أطياف شخصيات أعماله وأبطال نصوصه السردية، وما إلى ذلك، وهي محاولات جرى تقديم بعضها بطريقة سطحية ومثيرة للجدل، وحمل بعضها الآخر صفة المباشرة في الإثقال على المتلقي بالمقولات الوعظية والإرشادية، وتحويل صفة نجيب محفوظ من أديب أو مفكر إلى داعية أو حكيم.

خارج فهرس السرد

لم يعن نجيب محفوظ بالكتابة الموجهة بشكل واضح إلى المسرح، على المستويين؛ الكمي والكيفي على السواء. ففي قائمة مؤلفاته العملاقة، التي بلغت قرابة خمسة وخمسين عملًا إبداعيًّا على مدار أكثر من سبعين عامًا منذ عام 1932، لم يكتب محفوظ للمسرح سوى ثماني مسرحيات فقط من فصل واحد، هي بالترتيب: يميت ويحيي، التركة، النجاة، مشروع للمناقشة، المهمة، المطاردة، الجبل، الشيطان يعظ. ونُشرت المسرحيات الخمس الأولى منها ضمن صفحات مجموعته القصصية تحت المظلة (1969). بينما نُشرت السادسة في مجموعته القصصية الجريمة (1973)، ونُشرت السابعة والثامنة ضمن مجموعته القصصية الشيطان يعظ (1979).

 

المجموعة القصصية تحت المظلة- طبعة دار الشروق

يُلاحَظ أنه لم يشأ في حياته أن تصدر هذه المسرحيات في كتاب منفرد، بل إنه لم يقدّم حتى مجرد إشارة عابرة على غلاف أية مجموعة قصصية أو في فهرسها إلى وجود نصوص مسرحية في الكتاب. وأقصى ما فعله، مرة واحدة فقط، هو تضمين عبارة "مسرحية في فصل واحد" تحت عنوان مسرحيته الشيطان يعظ في الصفحة الداخلية التي سبقت المسرحية في الكتاب، وليس في الفهرس أو على الغلاف، ولم يفعل ذلك في مسرحية الجبل، رغم أنها منشورة في الكتاب نفسه. أما بعد رحيله بسنوات، فارتأت دار الشروق، التي امتلكت حقوق نشر أعماله لفترة زمنية، أن تفصل مسرحياته الست الأولى في كتاب منفرد بعنوان نجيب محفوظ – المسرحيات، فيما أبقت على مسرحيتيه الأخيرتين كما هما ضمن مجموعته القصصية الشيطان يعظ، على النحو الذي ارتضاه محفوظ في حياته.

هذه الأمور الإجرائية كلها أدلة دامغة على أن التكريس للكتابة المسرحية لم يكن في حساب محفوظ، فهو لم يحتشد لهذا اللون الأدبي بأية صورة من الصور، ولم يكترث حتى بالتنبيه إلى أنه يكتب مسرحًا، ولم يتوسع في المجال سواء بتكرار الكتابة وتعميقها وتطويرها أو بالعمل على تجسيد "مسرحياته" من لحم ودم على خشبة المسرح.

ما يدعم هذه الفرضية ويعززها بشكل كبير، طبيعة تلك المسرحيات ذاتها من الناحية الجمالية المجردة، وموقعها الفني في سياق التطور النوعي للكتابة المسرحية في مصر والوطن العربي والعالم. فالقراءة المتأملة، التي لا تتطلب معرفة نقدية أكاديمية ولا حتى ذائقة استثنائية، تكتشف للوهلة الأولى أن ذكاء محفوظ ووعيه يقفان وراء زهده في الكتابة للمسرح، ذلك أنه أول من أدرك أن منجزه الحقيقي يتمثل في الرواية، وأن إطلالاته النادرة على المسرح هي محض رغبة في إثبات شكل مختلف في الكتابة أو إرضاء نزعة في الانفلات والتجريب، لكن محاولاته هذه تبقى في مجملها أقرب إلى روح السرد القصصي ولغة المونولوج الداخلي وشرارات الأفكار الذهنية والفلسفية والصراعات الجدلية، وهي قوالب وسمات لا تصل بالمنتج الإبداعي إلى الدرامية المتنامية والمسرحة المتكاملة وفق المفاهيم المعتمدة والسائدة.

ويكفي في هذا الصدد استعراض بعض السطور "الحوارية"، من مسرحية يميت و يحيي، المكتوبة بالعربية الفصحى البعيدة تمامًا عمّا يجري على الألسن الحية وفي الضمير الإنساني، حوارًا وسردًا، لتبيان أن العُلبة المسرحية قد انقلبت هنا إلى حصة تخصصية في الفلسفة أو الفكر المعاصر، الأمر الذي يفسّر ببساطة لماذا لم نر حتى الآن مسرحيات محفوظ على خشبة المسرح، إذ هكذا يدور الحديث بين الشخوص:

الفتاة: لم يعد عندي من جديد أقوله.

الفتى: اعترفي بأنني على حق.

الفتاة: أعترف بأنه لا يهمني في هذا الوجود إلا الحب.

العملاق: كم أنك حكيمة!

الفتى: كم أنك أنانية.

الفتاة: الحب عطاء بلا حدود ولا نهاية.

الفتى: الوَحش يأخذ، لكنه لا يعرف العطاء.

الفتاة: ليتك تؤمن بالحب.

الفتى: لا حياة للحب بين الوحوش.

الفتاة: الحب أقوى قوة في الوجود، بيد أنه سلاح لا يسلس إلا لمن يؤمن به.

الفتى: للوحوش لغة أخرى.

الفتاة: أخشى أن تنقلب وحشًا مثلهم.

الفتى: الكرامة أهم من الحياة نفسها.

الفتاة: الفضائل الحقيقية ثمار لا تنبت إلا فوق شجرة الحب.

العملاق (مخاطبًا الفتى): من المؤسف أنك تحب الموت أكثر مما تحب فتاتك الجميلة الحكيمة.

الفتى: الموت أحب إليّ من الخضوع لإرادتك.

(القهقهة الساخرة تترامى من بعيد)

العملاق: يا له من فتى ضحوك يحب المزاح بقدر ما يحب الحياة الآمنة.

الفتى: إنك لئيم بقدر ما أنت قويّ.

العملاق: أمامك عملاقان ووراءك حياة طيبة فارجع إلى الوراء.

الفتى: إلى الأمام.

العملاق (للفتاة): أقترح أن ندعه لنفسه ليفكر بهدوء، فإن الجدل يغريه بالعناد والمكابرة.

(العملاق والفتاة يخرجان من بابين متقاربين في الناحية اليمنى).

(الفتى يتفكر قليلًا.. ينظر ناحية المصطبة المسربلة في الظلام).

الفتى: آن لكم أن تنطقوا.

الصدى: تنطقوا!

الإضحاك من وراء القصد

يتبقى المحوران الثاني والثالث، في ما يخص علاقة نجيب محفوظ بالمسرح، وهما المداران اللذان لا يُسأل محفوظ نفسه فيهما بأية درجة من الدرجات، إذ يتعلقان بالمعالجات المسرحية التي صاغها المبدعون الآخرون، مستوحين في تجاربهم أعمال محفوظ وشخصه وظلاله وأبطاله، سواء في سياقات مسرحية تلتزم قدر الإمكان بالحقائق الحياتية والواقع الروائي، أو في انزياحات تخييلية تتوسل الأحلام والأساطير وتحلّق في أفق مجهولة وغرائبية.

 

صناع النسخة الأحدث من زقاق المدق يتحدثون عن العرض


ومن روايات محفوظ ذائعة الصيت التي تكررت معالجاتها المسرحيّة أكثر من مرة على مدار ما يزيد على نصف قرن بداية ونهاية وزقاق المدق. ورغم الصياغات المتتالية للعملين بأيدي مسرحيين بارزين، وعرضهما على أكبر مسارح الدولة، فإنهما لم يحظيا في نسخهما المتعددة بنجاح يمكن أن يرقى إلى المقارنة بما تحقق حال نشرهما ورقيًّا أو التعامل معهما سينمائيًّا.

عُرضت بداية ونهاية على سبيل المثال في عام 1959 على المسرح القومي بالقاهرة من إخراج نور الدمرداش وعبد الرحيم الزرقاني وإعداد أنور فتح الله وبطولة عبد الرحمن أبو زهرة وتوفيق الدقن وأمينة رزق وفؤاد شفيق وإبراهيم الشامي، وفي عام 1975 من إخراج فتحي الحكيم وبطولة محمد خيري ورجاء حسين ووحيد عزت وناهد سمير وحمزة الشيمي، وفي 1985 من إخراج عبد الغفار عودة وبطولة كريمة مختار وفريد شوقي وحسين فهمي ومحمود ياسين وفاروق الفيشاوي وممدوح عبد العليم وشهيرة.

كما تكرر عرض زقاق المدق مسرحيًّا، بل إنها تحولت إلى مسرحية قبل أن تصير فيلمًا سينمائيًّا شهيرًا، إذ عُرضت بدار الأوبرا في عام 1958 من إخراج كمال ياسين وإعداد أمينة الصاوي وبطولة محمد رضا وفاطمة رشدي وعبد المنعم مدبولي وسهير المرشدي، وتكرر عرضها في عام 1984 من إخراج حسن عبد السلام. وشهد العام الجاري 2021 أحدث تجسداتها على مسرحي محمد عبد الوهاب بالإسكدنرية والبالون بالقاهرة من إخراج عادل عبده ومعالجة محمد الصواف وبطولة مجدي فكري ودنيا عبد العزيز وبهاء ثروت وبثينة رشوان، وذلك في ثوب كوميدي استعراضي مشحون بـ"رسائل توجيهية" للمتلقي، ذات نبرة تربوية واجتماعية تعتمد على تفصيل البيان اللفظي أكثر من اتكائها على الحيل الدرامية والإشارات والرموز الفنية الضمنية.

ولعل من أهمّ الملاحظات العامة بشأن هذه المسرحيات، القديمة والجديدة، التي سجّلها التليفزيون المصري في معظم الأحوال وتتداولها قنوات اليوتيوب عبر الإنترنت، عدم قدرتها على التعمّق في جوّانيات الشخصيات والغوص في أعماقها النفسية والوجدانية، ذلك لأن روايات محفوظ تعنى أكثر بالسرد، والمونولوج الداخلي، كما يوجد فيها راوٍ عليم يبرز خفايا الأمور وخبايا المواقف والمشاهد والشخصيات والعلاقات، في حين أن المسرحية المحكومة بوقت محدد تعتمد أكثر على الحوار السريع، الذي يصاغ عادة بالعامية المصرية واقفًا عند حدود المجاني والاعتيادي والمتاح من الحدث، ومهملًا تاريخ الشخصيات وجذورها وفلسفة الحالة وإسقاطاتها البعيدة ومستوياتها التحليلية المتعددة وطبقاتها الدلالاية المختلفة وطبيعة الصراعات البشرية المتصاعدة في ضوء المحنة العامة للوطن، أي أن المسرحية تلتفت أكثر ما تلتفت إلى الحكاية البسيطة كما يختصرها الأبطال في أحاديثهم، في حين أن الرواية نسيج أدبي وفكري وتاريخي وجغرافي واجتماعي متشابك ومعقّد.

إلى جانب ذلك، انخرط بعض المسرحيين في قلب ما تنطوي عليه الروايات من كوميديا سوداء مريرة إلى كوميديا مواقف وتناقضات بهدف الإضحاك، على اعتبار أن جمهور المسرح يتلمّس الابتسامة والبهجة في الأساس، وأهدرت هذه الرؤية الكثير من جوانب الجديّة والثراء في الروايات التي تبحث في المصير الإنساني وتناقش قضايا الحرية والعدالة والمساواة وتكشف تبعات الفقر والجهل والمرض والاستغلال والطبقية والتدخل الأجنبي، إلى آخر هذه الشؤون الفردية والجماعية التي تنبني عليها أركان روايات محفوظ، ولا يمكن تفريغ الشخصيات منها.

كذلك، فإن بعض المسرحيات حملت خلطًا ساذجًا بين شخصيات نجيب محفوظ الروائية، التي فيها ما فيها من الخير والشر، وبين نجيب محفوظ نفسه، ذلك الذي أراده صنّاع العمل المسرحي منبعًا للحكمة والقيم الأخلاقية والنصائح التي يجري تمريرها إلى المتلقي عبر شخصية مثالية أو أكثر لا يليق بها الخطأ، ليبدو المؤلف وكأنه يتحدث من خلالها، فينثر وصاياه الذهبية على رؤوس الجمهور، وفي هذا الاتجاه نأي تام عن قواعد العُلبة المسرحية، وعن مسلّمات الفن والإبداع عمومًا.

في هذا الفخ، سقطت أيضًا بعض المعالجات المسرحية الأخرى، التي لم تدّع أنها مأخوذة عن رواية محددة من روايات محفوظ، وإنما أشارت إلى استيحائها حياته أو سيرته الذاتية أو شخصيات أعماله. ومع أنها مسرحيات ذات طابع تجريبي وفانتازي، فإنها كرّست كل معطياتها لصراع هش بين ملائكة وشياطين، وأظهرت نجيب محفوظ وعددًا من أبطال أعماله كمخلصين للعالم من الخطايا.

 

فصل من مسرحية شقة عم نجيب


ومن مسرحيات هذا السياق، الذي يشكّل المحور الثالث لعلاقة نجيب محفوظ بالمسرح، مسرحية شقة عم نجيب التي شهدها مسرح الغد بالقاهرة في عام 2018، من تأليف سامح مهران وإخراج جلال عثمان وبطولة شريف عواد ومروة يحيى وأحمد نبيل وهبة توفيق. فرغم طزاجة الفكرة وحداثتها بابتعاث شخصيات روايات محفوظ المتنوعة كأشباح في شقة مهجورة، فإن ملامح الدراما وأبجديات الترابط لم يكن لها وجود في العمل البدائي، الذي بدا مثل مجموعة "اسكتشات" مفككة محمّلة فوق طاقتها بالعبارات الرنّانة، فيما انقسم هؤلاء الشخصيات إلى فريقين متعاركين على طول الخط، أحدهما فريق لا ينطق سوى بالأخلاقيات الحميدة بقيادة علي طه المناضل الثوري في رواية القاهرة الجديدة، والثاني فريق الدناءة بقيادة محجوب عبد الدايم نموذج الانتهازية والقوادة في الرواية ذاتها، و"في كل العصور"؛ كما تتوصل المسرحية ( أو حصة الدرس) في خلاصتها النهائية البائسة.